العدد 49 / السنة العاشرة / (يوليو-أغسطس) 2015

  • 1
  • 2

هو الإسلام

د. عبد الرحمن العشماوي - avatar د. عبد الرحمن العشماوي - شعر

هو الإسلام

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ ويُبنى من مبادئه النظامُ وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق ولا عانتْ من الباغي شآمُ ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ له في الهند... إقرأ المزيد

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

صهيب مصباح - avatar صهيب مصباح - ثقافة وفن

 عندما يتأمل الإنسان طبيعة الحوار وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام -منذ بدايته- دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. ومن ثم فهو دين تفاعُل واتصال وخروج للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة -الغيبية، والعقلية، والكونية، والإنسانية، والتشريعية- على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين، بحثًا عن الحق وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام، فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم... إقرأ المزيد

 يقول الأستاذ فتح الله كولن بخصوص أهمية الإشارات الكونية الواردة في القرآن وآفاق دلالاتها العلمية: "ما أخبر به القرآن بشكل رؤوس أقلام مختصرة ومركّزة حول بعض الحقائق العلمية، أشياء مدهشة لا يمكن تجاهلها"(1). وفعلاً هي أشياء مدهشة تلك الإشارات القرآنية التي جاءت في خباياها دلالات عميقة على حقائق علمية لم تفهم إلا مؤخرًا. ومن بين هذه الإشارات ذكر كتاب الله لجانب الطور الأيمن.

فقد ورد ذكر جانب الطور الأيمن في موضعين من كتاب الله في قوله تعالى: (وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا((مريم:52)، وفي قوله سبحانه: (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الأَيْمَنَ((طه:80)، ووردت في سورة القصص الإشارة إليه بالجانب الغربي، وذلك في قوله تعالى: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ((القصص:44). فما الدلالات العلمية التي تحملها هذه الإشارات القرآنية بخصوص أسرار حركة الجبال على سطح الأرض؟

من المعلوم أن تحديد يمين الشيء من شماله، لا يتأتى إلا إذا عُلم أمامه من خلفه، وذلك من خلال حركته أو شكله. فكيف يخاطب كتاب الله بجانب الطور الأيمن، علمًا بأن الطور -وهو جبل في صحراء سيناء- إنما هو كتله صخرية لا يُعرف لها أمام من خلف؟ ذلك هو السر الذي يجب البحث فيه من خلال تلك الإشارات المركّزة، التي جاء بها إخبار الوحي في شكل رؤوس أقلام مختصرة في بضع كلمات، والتي احتاج العلم لتوضيح الرؤية حولها إلى آلاف الصفحات من البحوث والدراسات المتخصصة.

فآخر ما وصل إليه العلم اليوم بشأن ديناميكية الجبال، هو الإقرار بأنها متحركة تمامًا كما يصفها كتاب الله في قوله تعالى: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ((النمل:88). ذلك الوصف الذي قد يظن المتوقف عنده، أنه من قبيل التذكير بمشهد من مشاهد يوم القيامة على اعتبار أنه جاء تبعًا للآية التي سبقت في سياق تلك المشاهد. لكن ورود هذا التشبيه بين مر الجبال ومر السحاب مقرونًا بفعل حسب الذي يفيد الظن، ينفي ذلك لأن في الآخرة لن يكون هناك مجال للظن، بل كل ما سيراه الإنسان هو من صميم اليقين. كما أن ختم الآية بقوله تعالى: (صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ) يدل على أن هذا التشبيه هو من مظاهر التذكير الإلهي للعباد بقدرته المطلقة، التي تحمل في مضمونها إشارة إلى نسبية الإدراك البشري لظواهر الكون في هذه الحياة الدنيا. فهي إشارة إذن، إلى أن الإنسان -وهو محمول فوق هذه الجبال التي تتحرك مع حركة الأرض- لا يرى مَرّها، وإنما يرى مر السحاب الذي يقابله في السماء.تمامًا كما لو كان هذا الإنسان محمولاً فوق السحاب لما رأى حركة السحاب، بل لحسبه جامدًا وهو يمر مر الجبال التي يراها من هناك. وهذا الوصف نجد له شبيهًا في قوله تعالى: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ(الكهف:17)؛ حيث نحسب من خلاله أن الشمس هي التي تطلع على الأرض، علمًا بأن الأرض -وهي تدور حول نفسها- تجعل الإنسان يرى الشمس تطلع، مما يدل على أن هذه الأوصاف وأمثالها، هي إشارات إلى نسبية الإدراك البشري لمجريات الأمور. تمامًا كما لو كنت راكبًا في قطار يسير وعلى السكة المجاورة قطار متوقف، إذا رأيته حسبت نفسك متوقفًا وهو يسير. فهذا الذي يرمز إليه كتاب الله من خلال هذه الإشارات الكونية إنما يدل على أن الله  أضفى صفة النسبية على كل مجريات الكون، وأبقى المطلق لذاته وقدرته العلية.

وحتى نستبين أسرار ما تخفيه هذه الإشارات، سنقف -وبالله التوفيق- على إظهار تفاصيل حركة الجبال التي هي أعقد مما صورناه، معتمدين في ذلك على فهم الآيات التي وردت في شأنها، من خلال توظيف ما جاءت به الكشوف العلمية الحديثة من مفاهيم توضيحية جديدة.

ما جاءت به الكشوف العلمية

لما دعانا الله تعالى للنظر إلى الجبال كيف نصبت، دعانا كذلك للنظر إلى الأرض كيف سطحت، لأن هذا السطح الذي يُلبّس الأرض هو الذي يحمل الجبال، فقال في ذلك: (أَفَلاَ يَنْظُرُونَ إِلَى الإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ * وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ((الغاشية:17-20)؛ فقد يحسب المشاهد أن سطح الأرض قطعة واحدة لا تتجزأ، لكنه مجموعة قطع متحركة تكونت بكيفية دقيقة وتطورت في شكل بديع، لتظل في حركة دائمة ونشاط مستمر، كما نجد الإشارة إلى ذلك واردة في قوله تعالى: (وَفِي الأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ((الرعد:4).فالأبحاث الجيولوجية أثبتت أن الأرض عند ميلادها، لم تكن سوى كتلة ملتهبة كُوّرت من جرّاء تكتل مواد انصهرت جميعها في شكل كرة كانت حرارتها تفوق بكثير ما هي عليه الآن. ثم بعد ذلك بملايين السنين، بدأت تبرد شيئًا فشيئًا، فتصلب سطحها وتكوّنت القشرة الأرضية التي كان سمكها ضعيفًا، ثم ارتفع تدريجيًّا مع تبرّد الأرض وتصلُّب المواد التي تحاذي السطح، بينما بقيت الطبقة السفلية تحت السطح في انصهار دائم، مما جعل طبقة السطح تبقى متحركة فوقها. فوقعت على إثر ذلك، تشققات وتصدعات قطّعت هذا السطح إلى قِطَع أعطت فجوات تُقذف منها المواد المنصهرة تحت تأثير الضغط المفرط والحرارة الهائلة، بحيث كلما تدفقت هذه المواد المنصهرة على السطح، انخفضت درجة حرارتها فتصلّبت بدورها والتحمت بقطعه ممددةً إياها في اتجاهات أفقية مختلفة، ومرسية جبالها بإلقاءاتها المتراكمة فوقه، كما نستشف ذلك من قول الله تعالى: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ((الحجر:19).

وبذلك ارتفع سمك السطح، وتشكلت الجبال بفعل الإلقاءات المتراكمة فوقه. فتحددت في أماكن معينة من هذا السطح خطوط الصدع، مقطعة بذلك الأرض إلى قطع محاذية لبعضها تتحرك في شكل صفائح فوق صهارة لزجة. وظلت أنشطة الزلازل والبراكين مرتبطة بالحركة الناتجة عن هذه التقطعات، بحيث نجد التوزيع الحالي للقارات فوق هذا السطح، إنما نتج عن التحولات الناجمة عن تحرك الصفائح التي قد تكون بحرية أو قارية أو مزدوجة تتحرك كل منها صوب وجهة لا رجعة فيها.

إلا أن حركة هذه الصفائح لا نلمسها نظرًا لشدة بطئها؛ إذ لا تتعدى في أقصى الحالات بضع سنتمترات في السنة. ويمكن تشبيه الواحدة منها، ببساط صخري ينشأ عند حزام الصدع في مناطق الاتساع، حيث تتنافر قطع السطح وتطفو الصهارة فتلقى على جنبات الصفائح، ثم تبرد تدريجيًّا وتقسو، لتكوّن تراكمات بركانية تمد الصفيحة أفقيًّا في اتجاهات محددة بحركة الصفيحة. فإذا وصل مد الصفيحة بعد مئات الملايين من السنين إلى نقطة النهاية في الجانب المعاكس حيث التصادم مع صفيحة أخرى، انضوى طرفها تدريجيًّا تحت هذه الأخيرة (Subduction)، وتناقص بانصهاره من جديد في باطن الأرض. وهو جانب مما يحمله معنى قوله تعالى: (أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا((الأنبياء:44).

بين الوصف القرآني والكشف العلمي

إذن، فالجبال التي نصبت فوق هذه الصفائح، تتحرك مع تحرك الصفيحة التي تحملها وفق اتجاه لا رجعة فيه، الشيء الذي يحدد لها الأمام وبالتالي اليمين من الشمال. وبذلك تكون الجبال تمر في اتجاه واحد محكم بحركة الصفيحة التي تحملها كما يمر السحاب. فالسحاب ينشأ في أماكن تبخر المياه في البحار والمحيطات، ثم يساق بالرياح في اتجاه معين، إلى أن ينتهي بنزوله مطرًا كما تشير إلى ذلك الآية في قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ((الأعراف:57)؛ وهي الآية التي تفيد أن السحاب يساق -أي يمر- في اتجاه واحد كما تساق مياه الأنهار بموجب عامل الانحدار انطلاقًا من منابعها التي تتركها في الخلف ومرورًا بالأراضي التي ترويها، إلى أن تنتهي في مصباتها، مصداقًا لقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الأَرْضِ الْجُرُزِ((السجدة:27). وبما أن النص القرآني يقر بأن حركة الجبال هي شبيهة بحركة السحاب، وبكون السحاب يساق في اتجاه واحد كما تساق مياه الأنهار من المنبع إلى المصب، فإن المنطق يفرض أن تكون لكل من هذه الظواهر وجهة واحدة تسير إليها، انطلاقًا من نقطة البداية التي تتركها خلفها، إلى نقطة النهاية التي تظل أمامها.

ولما كانت الجبال تمر بدورها وفق هذا التوجّه مُرسية سطح الأرض بقاعدة موتَّدة في القطعة التي تُقلها، فإن وجهتها تكون ألزمت بوجوب تحديد جانب أيمن وهو ما على يمين الاتجاه الذي تسير فيه الصفيحة التي تحمل الجبل، وجانب أيسر وهو ما على شماله، تمامًا كما للوادي ضفة يمنى وضفة يسرى، وكما للبشر يمين ويسار. فإذا كان جبل طور محمولاً على شبه جزيرة سيناء، التي هي جزء من الصفيحة الإفريقية التي تتجه نحو الجنوب على طول حزام الصدع الفاصل بينها وبين صفيحة الجزيرة العربية التي تتحرك نحو الشمال، فإن الجانب الغربي للجبل المنصوص عليه في سورة القصص: (وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الأَمْرَ وَمَا كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ)، والمقابل لأرض مصر، يكون وافق جانب الطور الأيمن.

أوجه الشبه بين حركتي الجبال والسحاب

من خلال هذا التحليل، وبوقوفنا على تحليل مواصفات كل من الجبال والسحاب، نجد أن الجبال في الأرض يقابلها السحاب في السماء. وعليه فقد يتصور المتأمل لهذا التشبيه -الذي جاء به كتاب الله- أن المقصود بمر الجبال وهي الثابتة على الأرض؛ دورانها معها، كما نرى السحاب من الأرض يمر في جو السماء، وهذا وارد. إلا أن المعاينة الدقيقة لهذه المقابلة، تفرز عن أوجه خفية ومعقدة للشبه تتعدد بتعدد القواسم المشتركة بين السحاب والجبال. فإذا كان السحاب هو كتل هوائية من الغلاف الغازي للأرض، محمولة في شكل قطع تحركها تيارات الرياح الناتجة عن الفارق في الضغط والكثافة بين مستويات جو الأرض الغازية، فإن الجبال هي أيضًا كتل من الغلاف الصخري للأرض، محمولة على قطعه المتجاورات التي تحركها تيارات الحمل الحراري الناتجة عن فارق الضغط والكثافة بين مستويات باطن الأرض النارية.

هذا عن الشكل، أما عن الحركة؛ فكما أن السحاب يبدأ سيره بحركة عمودية ناتجة عن تبخر مياه سطح الأرض التي تصعد في شكل كتل هوائية دافئة إلى الأجواء الباردة، ثم تتحرك أفقيًّا بعد تضاؤل كثافتها إلى أن تصل رطوبتها إلى درجة التشبع فتنتهي بنزولها مطرًا، كذلك الجبال تبدأ نشأتها من حركة عمودية ناتجة عن مور باطن الأرض الذي يصعّد الصهارة المحركة لقطع السطح، فينجم عن ذلك إما التواء طبقات القشرة الأرضية تحت وقع الضغوط الجانبية وارتفاع جزءها الأعلى وتلك هي الجبال البنيوية، وإما تدفق الصهارة التي تقسو على السطح بعد تبردها وتشكل نتوءات مرتفعة وهي الجبال البركانية. ثم تتحرك كل من هذه الجبال أفقيًّا مع حركة الصفائح التي تقلها، إلى أن تنتهي بعد مئات الملايين من السنين بالانضواء والانصهار في باطن الأرض، أو بالتعرية على سطحها.

وعليه، فإن العناصر الأساسية في تحريك كل من السحاب والجبال، تكاد تكون مطابقة لبعضها. فجاءت الآية الكريمة على إثر ذلك، مشبهة حركة الجبال بمر السحاب وليس بمروره لبيان القصد من المعنى، لأن المر، هو سير لمرة واحدة في اتجاه واحد صوب وجهة لا رجعة فيها، أما المرور، فقد يكون لعدة مرات وفي اتجاهات مختلفة. فكان المقصود -والله أعلم- بذلك التشبيه، إرجاع أبصارنا إلى تلك الحركة التي يبديها لنا السحاب بين نشوئه ونهايته، لعلنا إذا استوعبناها ببصائرنا، وجدناها دالة بالحس والمعنى على حقيقة حركة الجبال؛ تلك الحركة الحثيثة التي لا تلمس إلا بقياسات جيوفيزيائية دقيقة، نظرًا لعظمة بنيان الجبال وطول أعمارها وبطء حركتها، مقابل محدودية أبصارنا وقصر أعمارنا وسرعة حركتنا، فنحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب.

وبذلك يتضح لنا أن مفهوم جانب الطور الأيمن المنصوص عليه في القرآن الكريم، يعني الجانب الأيمن للجبل. وهذا تلميح علمي إلى حقيقة حركة الجبال، يتناسب مع تطور الفهم وتقدم المعرفة؛ بحيث وإن لم نقصد من خلال هذه الإشارات الوقوف على هذه الحقيقة، إلا أن قراءتنا لها بمعطيات علم هذا الزمان، جعلنا ندرك من سياقها هذا العمق المعنوي الذي يعطي دليلاً ملموسًا على تحرك الجبال وفق اتجاهات قطع السطح التي تقلها، كما يتحرك السحاب وفق اتجاه الرياح التي تسوقه. وهي الحقيقة التي لم يتنبه الإنسان إليها إلا بعد اكتشاف نظرية الصفائح التكتونية (Plate Tectonics) من قبل العالم الألماني "Alfred Wegner" سنة 1910م، والتي اكتسبت مصداقيتها بعد سنة 1960م، حيث مكنت كبريات الرحلات الاستكشافية لأعماق البحار، من توضيح المفاهيم حول كيفية تحرك قطع السطح. فوضعت بذلك الخريطة البنيوية لسطح الأرض، وسطرت عليها الاتجاهات التي تتحرك فيها كل قطعة من قطعه. فجاء ذلك شاهدًا على البُعد العلمي للقرآن الذي يريد من خلال تلك الإشارات المركّزة، استنهاض همة البحث لتقويم فكر الإنسان على درب الاستقامة الكونية.

(*) كلية العلوم، جامعة ابن طفيل / المغرب.

الهامش

(1)             أسئلة العصر المحيرة، لمحمد فتح الله كولن، القاهرة، دار النيل للطباعة والنشر، ص:79.

 

 

 

إقرأ المزيد

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ

ويُبنى من مبادئه النظامُ

وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ

وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ

هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً

بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ

هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا

فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ

هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ

يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ

لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي

لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ

ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق

ولا عانتْ من الباغي شآمُ

ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ

ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ

ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا

ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ

هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ

تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ

له في الهند تاريخ عظيم

وفي السند البطولات الجسامُ

وفي أفريقيا السوداء هَديٌ

وإيمان به يُمحى الأثامُ

له في تركيا أسوارُ مجدٍ

تَهاوى دُونَ عزّتِها الطَّغامُ

غضبتُ لديننا من كل ثغرٍ

يشوّهُه، وليس له لجامُ

غضبتُ لأمتي فيهَا رجالٌ

على أبوابِ حَيْرتِهم أقاموا

لهم في منهج الإسلامِ نورٌ

ويشغلهم عن النور الظلامُ

مضوا، لكنْ بِلاَ وعي فضلُّوا

وفي بحر الهوى واللَّهوِ عَامُوا

ثقافتهم ثقافة سامِريٍّ

له مالٌ وليسَ لهُ ذِمَامُ

غضبتُ لأمتي، فيها نِسَاءٌ

سحائبهن في الدَّعوَى جَهَامُ

لهنَّ من الهُدَى ظلٌ ظليلٌ

ويصرفهُنَّ في البيدِ القَتَامُ

غضبت لهن، لا رأيٌ حكيمٌ

ولا فعلٌ يطيبُ ولا كلامُ

وهُنَّ مدارس الأجيال فيها

معالم عزّ أمتِنَا تُقامُ

غضبتُ لقومنا، شُغِلُوا بِوَهْمٍ

فضَاعوا في مسالِكِه وهَامُوا

تَساقَوْا من كؤوسِ الغَربِ حتَّى

أصابَ عقولَهم منها السّقَامُ

وأشغلهُم صراعٌ مذهبيٌ

تصيبُ ظهورَنَا منه السِّهَامُ

خِصامٌ فرَّق الأوطانَ حتَّى

أراقَ دماءنَا هذا الخِصَامُ

غضبتُ لنَا، يجمعُنَا هُدَانَا

وما زلنا يفرِّقُنَا انقسامُ

هو الإسلامُ، يمنحنَا كُنوزَاً

من التقوى إذا كثر الحُطام

جميل أن نمد له جسورًا

وأن يأوي لدوحته الحَمامُ

فهذا ديننا فجرٌ مبينٌ

وهذي عندنا الهِمَمُ العِظَامُ

وهذا عندنا "حرم عظيم"

و"كعبتنا" و"زمزم" و"المقامُ"

هو الإسلامُ، أشجارٌ وظلُ

يطيب لمن تُفيّئُه المُقَامُ

هو البستانُ تعشَقهُ الروابي

وتألفه البلابلُ واليَمَامُ

هو الأفقُ الفسيحُ فلا انطواءٌ

يحاصِرُ مشرِقَيْهِ ولا انهزامُ

هو الإسلامُ منهجهُ سلامٌ

على الدنيا، ومنْطِقُهُ سلامُ

(*) شاعر وأديب / المملكة العربية السعودية.

 

 

 

إقرأ المزيد

 يعد جابر بن حيان أول من حضّر الماء الملكي، فبعد أن حضّر كلاًّ من حمض النتريك وحمض الهيدروكلوريك، مزجهما، ثم أضاف إلى هذا المزيج ملح النشادر أو كلوريد الأمنيوم، فوجد أن الخليط يذيب الذهب، فسماه "ماء الذهب" أو "الماء الملكي".

واستطاع جابر تحضير الأسفيذاج من الرصاص، وسماه أبيض الرصاص؛ وهو ملح كربونات الرصاص القاعدية (Pb(OH)2.2PbCO3) في الكيمياء الحديثة.

وابتكر جابر طريقة فحص النحاس نوعيًّا، واكتشف أن اللهب يكتسب اللون الأزرق بمركبات النحاس. ويعزى إليه عمليات كيميائية مبتكرة لتنقية المعادن وتحضير الفولاذ، وابتكر كثيرًا من الأدوات والأجهزة المختبرية، وصنفها وشرح كيفية عملها. كما وصف ما قام به من عمليات كيميائية؛ كالإذابة والتكليس والتشميع والتنقية والتقطير والاختزال والبلورة وغيرها، وبيّن أهمية كل منها.

ويرجع الفضل إلى جابر بن حيان في وضع أسس علم السموم من النباتات والحيوانات والأحجار، وساعده في ذلك، الاهتمام بتقطير السوائل والعصارات الحيوانية، فوصف السموم التي استخرجها وصفًا دقيقًا، ومقدار ما يعطى للمريض، بطرق مبتكرة لدفع مضار السموم.

أسس جابر بن حيان لعلم البلمرات الحديث، باختراعه أنواعًا كثيرة من الطلاء، منها ما يقي المعادن من الصدأ، ومنها ما يحمي الأخشاب من الاحتراق

وأسس جابر لعلم البلمرات الحديث، باختراعه أنواعًا كثيرة من الطلاء، منها ما يقي المعادن من الصدأ، ومنها ما يحمي الأخشاب من الاحتراق، ومنها ما يقي الملابس من البلل. وقادته تجاربه الكثيرة إلى اكتشاف نوع من الورق غير قابل للاحتراق، ولا يخفى ما لهذا الاكتشاف الخطير، من أهمية في كتابة الرسائل المهمة والعهود والعقود والمواريث وغيرها. ويرتبط بهذا الاكتشاف أيضًا، قيام جابر بتحضير نوع مضيء من الحبر (مداد)؛ استخرجه من المرقشيتا الذهبية (كبريتيد الأنتيمون). ويشكل هذا الاكتشاف أهمية خاصة؛ حيث استخدم في كتابة المؤلفات والمخطوطات الثمينة بدلاً من الذهب الخالص، كما استخدم في مراسلات الجيوش الحربية التي تمكنت من قراءتها في ظلام الليل الحالك.

وبالإضافة إلى ما سبق، يُعد جابر بن حيان أول من اكتشف الصودا الكاوية، وأول من استخرج نترات الفضة والمعروفة بـ"حجر جهنم"، واستخدمها في كيّ الجروح والعضلات الفاسدة، وما زالت هذه المادة معروفة حتى الآن. وهو أول من لاحظ ما يحدث من ترسب كلوريد الفضة عند إضافة محلول ملح الطعام إلى محلول نترات الفضة، وعرف آيون الفضة النشادري المعقد. وجابر أول من استخرج ثاني أكسيد الزئبق (السليماني) وحامض النيتروهيدروكلوريك (الماء الملكي)، وأول من أدخل طريقة فصل الذهب عن الفضة بالحل بواسطة الحامض، ولا تزال هذه الطريقة تستخدم إلى الآن في تقدير عيارات الذهب في السبائك الذهبية وغيرها. كما عرف جابر استخدام ثاني أكسيد المنجنيز في صناعة الزجاج، واستحضر كربونات البوتاسيوم، وكربونات الصوديوم، وكبريتيد الأنتيمون (الأثمد). وابتكر طريقة تصفية المعادن وتنقيتها من الشوائب المختلطة بها، وأبدع الفرن، والبوتقة، ليعيد ما  يجري في الطبيعة.

تعبر مؤلفات جابر بن حيان عن مرحلة هي الأهم في تاريخ الكيمياء الإسلامية، كما لا تقل أهميتها في تاريخ الكيمياء العالمي. وهذا ما جعل جورج سارتون يطلق على المدة التي تقع بين سنتي (750-800م) "عصر جابر بن حيان"، وذلك لمجهوداته العظيمة في علم الكيمياء. فكان لكيمياء جابر ومؤلفاته أثر واضح في تطور علم الكيمياء العربي الإسلامي لدى اللاحقين من الكيميائيين المسلمين، وامتد هذا الأثر حتى الكيميائيين الغربيين في العصر الحديث.

أبو بكر الرازي

وإذا تتبعنا من جاء بعد جابر من مشاهير علماء المسلمين في الكيمياء، وجدنا أبا بكر الرازي (864- 925م) يُرجع الاهتمام بدراسة الكيمياء، إلى إدراكه أن موضوعاتها تتصل اتصالاً وثيقًا بدراسة الطب. ولذلك نراه يصنف كتابًا قيمًا في الكيمياء أسماه "سر الأسرار"، امتد أثره في العصور اللاحقة، وعُرف في العالم الغربي باسم (Libersecre Torum). وهذا الكتاب يبين أن الرازي قد عُني بعلم الكيمياء، وصرف جهودًا كبيرة في إجراء التجارب الكيميائية المختلفة.

درس الرازي كل ما أتى به جابر واستوعبه، الأمر الذي قاده إلى تطوير وتحسين بعض آراء ونظريات جابر بن حيان، وأضاف للكيمياء إضافات جليلة، جعلت منه مؤسسًا للكيمياء في الشرق والغرب. فلقد طوّر الرازي الكيمياء الطبية تطورًا مهمًّا امتد أثره إلى العصر الحديث، وذلك حينما أثبت -بتجاربه الكثيرة- أن شفاء المريض يرجع إلى إثارة التفاعلات الكيميائية في جسمه. كما قادته تفاعلاته الكيميائية وتجاربه، إلى الإبداع في تقسيمه المواد المستعملة في الكيمياء إلى ثلاثة أقسام: مواد برانية، ومواد نباتية، ومواد حيوانية.

أما المواد البرانية أو الترابية، فقد أوضح الرازي بتجاربه، كيفية تحضيرها، وميّز بين الجيد منها والرديء، وعرّف بألوانها، وصنفها في ستة أصناف هي: الأرواح والأجساد والأحجار، والزاجات والبوارق والأملاح. وأما المواد النباتية، فذكر الرازي أنها نادرة التداول في الكيمياء، ومنها الأشنان الذي يستعمل رماده في تحضير القلي. وتشمل المواد الحيوانية المتداولة في الكيمياء، الدم، واللبن، والبول، والبيض، والقرون، والشعر، والصوف.

ويعد هذا التقسيم للمواد المستعمل في الكيمياء الذي وضعه الرازي، أهم التقسيمات التي حفل بها تاريخ علم الكيمياء في عمومه. وليس أدل على ذلك من استمراره في الدراسات الكيميائية في العصور اللاحقة على الرازي وحتى العصر الحديث؛ إذ قامت الكيمياء الحديثة على أقسام الرازي مدمجة في قسمين، الأول قسم الكيمياء غير العضوية أي البرانية كما سماها الرازي، والآخر قسم الكيمياء العضوية ويحتوي على المواد الحيوانية والنباتية.

وكان لاهتمام الرازي بالتجارب الكيميائية واعتماده عليها، أثره الواضح في ابتكاره كثيرًا من الأدوات والأجهزة الكيميائية المعدنية والزجاجية، واستخدامها في إجراء التجارب، ومنها البوتقات، والجفنات، والدوارق، والكؤوس الزجاجية والخزافية، والأحواض، والملاقط، وملاعق الاحتراق، والأفران... كما استخدم أنواعًا كثيرة من الحمامات، مثل حمّام البخار، وحمّام الرماد، وحمّام الرمل، والحمّام المائي.

إن هذا التنظيم الذي اتبعه الرازي بين الأدوات والأجهزة والمواد، هو نفسه التنظيم العلمي المتبع في معامل ومختبرات الكيمياء الحديثة.

اعتبر الرازي أن التجربة هي المحك أو المعيار في العمليات الكيميائية، فما تثبته التجارب فحقّ مقبول، وما لم تثبته فباطل مرفوض. فأرسى بذلك دعائم المنهج التجريبي في الكيمياء سيرًا على درب أستاذه جابر بن حيان. وبتطبيق المنهج التجريبي، استطاع الرازي تحضير المستحضرات الكيمائية وأدخلها في الطب، وعدّ بذلك رائد الكيمياء الطبية والصيدلانية.

فالرازي أول من استخرج الكحول من النشويات والسكريات المتخمرة، واستعمله -صيدلانيًّا- في تركيب الأدوية وتحضيرها. وأبدع الرازي في تجبير كسور العظام باستحضاره الجبس أو كبريتات الكالسيوم اللامائية؛ عن طريق حرق كبريتات الكالسيوم المائية ومزجها بالبيض. كما أبدع الرازي -ولأول مرة- طريقة تنقية المواد الكيميائية من الشوائب الملونة، والتي ما زالت مستخدمة حتى اليوم، وذلك باستخدامه الفحم الحيواني في قصر الألوان، وإزالة الأوساخ، وخاصة الملونة من المواد. وعلى الرغم من التشابه الكبير بين الصودا الكاوية (كربونات الصوديوم) والبوتاس (كربونات البوتاسيوم) في الخواص الطبيعية والكيميائية، إلا أن الرازي ميّز بينهما تمييزًا دقيقًا أفاد الكيمياء الحديثة. وقادته تجاربه إلى أن النحاس إذا تعرض للهواء الرطب، تحول إلى كربونات النحاس القاعدية الخضراء، أما إذا تم تسخينه بحرارة شديدة، فإنه يتحول إلى مادة سوداء، أو أكسيد النحاسيك في الكيمياء الحديثة. وشرح الرازي طرق وتجارب استعمال ثاني أكسيد المنجنيز في صناعة الزجاج، وابتكر ميزانًا دقيقًا لحساب الوزن النوعي للمعادن وكثافتها، أسماه بـ"الميزان الطبيعي".

أبو القاسم المجريطي

ومن الكيميائيين المسلمين الذين تأثروا بفكر وكيمياء جابر بن حيان، أبو القاسم مسلمة بن أحمد المجريطي (950-1008م)؛ رائد الحركة العلمية في الأندلس إبان القرن العاشر الميلادي. آمن بنظرية جابر في تكوين المعادن، وسيطرت عليه فكرة تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب وفضة. ولشدة تأثره بكيمياء جابر ومنهجه فيها، كان ينصح بدراسة كتبه والتدريب على تجاربه، وقد أجرى هو نفسه كل تجارب جابر الكيميائية، ثم تجاربه الجديدة التي انتهت به إلى إضافات كيميائية غير مسبوقة انتحلها بعض رواد الكيمياء الحديثة من الغربيين، ومنها هذه التجربة التي يصف المجريطي إجراءاتها قائلاً: أخذت الزئبق الرجراج الخالي من الشوائب، ووضعته في قارورة زجاجية على شكل بيضة، وأدخلتها في وعاء يشبه أواني الطهي، وأشعلت تحته نارًا هادئة بعد أن غطيته وتركته يسخن أربعين يومًا وليلة، مع مراعاة ألا تزيد الحرارة على الحد الذي أستطيع معه أن أضع يدي على الوعاء الخارجي، وبعد ذلك لاحظت أن الزئبق الذي كان وزنه في الأصل ربع رطل، صار جميعه مسحوقًا أحمر ناعم الملمس، وأن وزنه لم  يتغير.

بهذه التجربة، وضع المجريطي أساس قانون الاتحاد الكيميائي وقانون حفظ الكتلة، حيث زاد وزن الزئبق نتيجة تفاعله مع الأكسجين، وينتج من التفاعل الأكسيد الأحمر. ومن العجيب أن يكرر "بريستلي" و"لافوازيه" نفس تجربة المجريطي بعد ستة قرون وينسبان لأنفسهما نتائجها، وخاصة وقد وضع المجريطي أساس قانون الاتحاد الكيميائي وقانون حفظ الكتلة.

ابن سينا

أما الشيخ الرئيس ابن سينا (980-1037م)، فقد أنكر إمكان تحويل المعادن أو العناصر الخسيسة إلى ذهب وفضة، وسخر من الكيميائيين في عصره الذين اعتقدوا ذلك، وشكك في قدراتهم على تحويل مواد صلبة من عنصر إلى آخر. فليس -كما يقول ابن سينا- في مقدور المدعين، تحويل العناصر من نوع إلى آخر تحويلاً حقيقيًّا، ولكن باستطاعتهم تقليد العناصر تقليدًا جيدًا من حيث اللون والمظهر فقط.

ومع أن ابن سينا قد أنكر تحويل المعادن، إلا أنه سلك مسلك جابر بن حيان في تكوين المعادن واتبع نظريته، وأتى بنظرية متطابقة مع نظرية جابر، مقررة أن جميع الأجساد في الجواهر زئبق انعقد بكبريت المعدن المرتفع إليه من بخار الأرض واختلفت لاختلاف أعراضها، ويرجع اختلاف أعراضها إلى اختلاف نسبها.

وكما تأثر ابن سينا بنظرية تكوين المعادن الجابرية، أشار أيضًا إلى كثير من العمليات الكيميائية التي قام بها جابر ومن بعده الرازي، مثل الترشيح والتشميع والتقطير والتصعيد والاستخلاص، واستخدم نفس أجهزة جابر الكيميائية في إجراء هذه العمليات، تمامًا مثلما استخلص بطريقة جابر كثيرًا من المركبات الكيميائية من أصل حيواني، وأخرى من أصل نباتي.

أبو إسماعيل مؤيد الأصفهاني (الطغرائي)

ومن تلاميذ مدرسة جابر بن حيان الكيميائية، "الطغرائي"؛ أبو إسماعيل مؤيد الدين الحسيني بن علي الأصفهاني (1061-1121م)، والطغرائي نسبة إلى انشغاله بكتابة الطرة بالقلم الجلي أعلى الكتابات والمناشير متضمنة اسم الملك وألقابه.

فقد صرف الطغرائي جل ماله وحياته في محاولة تحويل المعادن الخسيسة إلى ذهب وفضة وتحضير الإكسير، ووضع  الطغرائي مؤلفات كيميائية كثيرة يأتي على قمتها من حيث الأهمية كتاب "جامع الأسرار" في الكيمياء؛ حيث بيّن فيه وشرح مدى تأثره بجابر بن حيان، لتمكنه من الصنعة بخلاف كل من اطلع على تراثهم الكيميائي من اليونانيين والمسلمين، وانتهى إلى تمجيد جابر.

ولم يتوقف تأثير جابر بن حيان على الكيميائيين المسلمين فحسب، بل امتد هذا التأثير إلى العالم الغربي وأسس علم الكيمياء الحديثة.

لقد جاء "المسيو بارتيلو" في الجزء الثالث من كتابه "الكيمياء في العصور الوسطى"، المنشور في باريس عام 1893م، بتحليل دقيق للكيميائيين العرب. ويعتقد أن كل مادتهم يمكن تقسيمها إلى قسمين أحدهما، إعادة تعبير عن بحوث الكيميائيين الإغريق في الإسكندرية، والثاني بحوث أصيلة. ويعتبر كل هذه المادة الأصيلة، أثرًا من آثار ما قام به جابر بن حيان، الذي يصبح بذلك في الكيمياء، في مكان أرسطو من المنطق، وينشر بارتيلو في كتابه ستة مؤلفات لجابر اعتبرها ممثلة لكل المادة الكيميائية العربية التي أدت إلى قيام علم الكيمياء الحديث كما يقول ديلاسي أوليري.

ولقد ترجمت مؤلفات جابر إلى اللاتينية في وقت مبكر بمعرفة "روبرت الشستري" (1144م) و"جيرار الكريموني" (ت1187م). وترجم أيضًا "مجموع الكمال" لجابر بن حيان إلى الفرنسية سنة (1672م)، ومثلت هذه المؤلفات، الأسس المهمة التي قام عليها علم الكيمياء الحديثة.

من كل ما سبق يمكننا القول، إن جابر بن حيان، صاحب مدرسة كيميائية ممتدة، قدمت إنجازات علمية موثقة (بتطبيق المنهج التجريبي)، وكانت بمثابة الأسس التي عملت على تطور الكيمياء الإسلامية فيما بعد عصر جابر، وأسست علم الكيمياء الحديث.

(*) أكاديمي وباحث مصري.

 

 

إقرأ المزيد

 إن مصطلح "الجامعة" كما هو في التراث الغربي مترجم إلى العربية (Université)،

يعني "مؤسَّسة مرتبطة بالكنيسة في القرون الوسطى، وكانت مهمَّتها ضمان التعليم في المستويين الثانوي والعالي".

ثم صارت تعرَّف بأنها "مؤسَّسة شعبية رسمية للتعليم العالي والبحث العلمي، متميِّزة بنوع من الحرية والقُدرة على التمكين من شهادات ذات صفة وطنية"(1).

أمَّا موسوعة "ويكيبيديا" الإلكترونية، فتعرِّف الجامعات بما يشبه التعريف السابق، وهي "مؤسَّسات للتعليم العالي والأبحاث، تعطي شهادات أو إجازات أكاديمية لخرّيجيها. وتوفِّر دراسة من المستوى الثالث والرابع؛ كاستكمال للدراسة الابتدائية والثانوية. وكلمة جامعة مشتقَّة من كلمة الجمع والاجتماع، ففيها يجتمع الناس للعلم".

غير أن مثل هذه التعاريف الكلاسيكية لا تلائم طبيعة البحث العلمي المتغيرة، ولا المحيط السياسي والفكري والعلمي المتطور بسرعة فائقة في عصر ما بعد ثورة المعلومات. ولذا رأينا أن من أفضل التعاريف للجامعة، في ظل ما سبق من مقدمات ومفاهيم هو: "الجامعة فضاء يجمع طائفة من الباحثين، لهم الحرية الكاملة لمباشرة البحث العلمي في أي مجال معرفي كان"(2).

وهي في تعريف آخر "فضاء يأوي طائفة من الباحثين، يتقاسمون فيما بينهم ما يتعلمونه مباشرة".دون اعتبار للشكل الرسمي، ولا للشهادة التي تقدم، ولا للجانب القانوني؛ فكل هذه الأمور شكلية حتى وإن وُجدت في مؤسسة ترقى بها بالضرورة إلى مستوى الجامعة، إلا إذا كان المحتوى بحثيًّا حقيقيًّا، فكم من مركز للبحوث -صغير الحجم، قليل العدد- يُنتج من المعارف ما لا تنتجه جامعات كبرى.

إن الجامعة لا ترقى إلى المكانة اللائقة بها، إلا إذا انطلقت من "الرؤية الكونية" و"النموذج المعرفي" للأمة التي تنتمي إليها، أي من عقيدة المجمتع وثوابته وأصوله، وتستفيد مع ذلك بكل التقنيات والآليات التي يمنحها العصر، وتجود بها التكنولوجيا.

ونضيف إلى هذا التعريف ضرورة أن تكون الجامعة مجالاً خِصبًا لإيجاد الحلول المناسبة للإشكالات التي تعترض المجتمع في جميع مجالات حياتها، بمنهجية علميّة، وباجتهاد ودراية.

كما نضيف إليه وجوب أن تؤسس الجامعة على أسس "الرؤية الكونية" و"النموذج المعرفي" للمجتمع الذي تنشأ فيه؛ حتى لا تكون -في حال مجتمعنا الإسلامي مثلاً- غريبة غربية، مستوردة على شاكلة المواد الغذائية المعلّبة، نمطية على صورة المرجعية الغربية المحورية(3).

ونخلص مما تقدّم إلى أن الجامعة "فضاء حرّ يمارَس فيه البحث العلمي، ويتقاسم فيه الباحثون معارفهم وهي المحيط الذي يدرس إشكالات المجتمع الأصيلة في جميع المجالات، ويعمل على صياغة حلول علمية عملية لها من منطلقاتهم المعرفية المتحيزة، فهو بالتالي آلة لتغيير المجتمعات نحو الأفضل".

وبالنظر إلى علاقة الجامعة والبحث العلمي بالكتاب والوثيقة والمصدر -أي دلالة الجامعة باعتبار مكتبتها- فإن بعض التعاريف تعتبر الجامعة مكتبة مواتية لا غير، فإذا حقَّقت هذا الشرط كانت جامعة محترمة، وإذا لم تحقِّقه لم تعدَّ ضمن الجامعات الحقيقية. يقول "فلاديمير نابوكوف" (Vladimir Nabokov): "مكتبة من الطراز العالي بجوار حرم جامعي مريح، هو أفضل مكان للمؤلّف وللمبدع، وللمخترع".

من هنا كان لزامًا على الجماعات والهيئات، أن تبتعد -قدر المستطاع- عن الشكلية والرسمية، لتوجد ظروفًا ووسائل ومناهج تكون بمثابة الحقل الخصب للتفكير مهما كان حجمها ومهما كانت صفتها. فكم من ناد، أو صالون، أو مقهى خرّج أدباء ومفكّرين ومبدعين... وكم من صرح جامعي يأوي الآلاف من الطلبة والمدرّسين لكنّه خلو من الثمرات والنتائج التي تؤسّس للحضارة والريادة والتمكين.

ولعل شكل "بيت الحكمة" ببغداد، و"دار الحكمة" بالقاهرة، هما الأنموذج الأمثل للجامعة لو استوعبناه وأبدعنا صيغة مكيفة منه.

فتذكر المصادر أن "بيت الحكمة" هي مكتبة شاملة، أنشئت في عصر الخليفة العباسي هارون الرشيد (حكم 786-809م) وابنه عبد الله المأمون (حكم 813-833م)، وأحدث نقلة نوعية في الترجمة تمهيدًا للعصر الذهبي الإسلامي في بداية القرن التاسع الميلادي.

وقد بلغ نشاط "بيت الحكمة" ذروته في عهد الخليفة المأمون الذي أولاه عناية فائقة، ووهبه كثيرًا من ماله ووقته، وكان يشرف عليه، ويختار له من بين العلماء المتمكنين من اللغات.

وبذلك كانت "بيت الحكمة" خزانة كتب، ومركز ترجمة وتأليف، ومركزًا للأبحاث ورصد النجوم، وغير ذلك من مجالات العلم والمعرفة. ومن أهم ما ميّزها؛ تعدّد المصادر، والكتب القديمة، والترجمات من اللغات القديمة، والكتب التي ألفت للخلفاء، والكتب التي نُسخت بعناية، مما جعلها مجمعًا علميًّا. وظل هذا الصرح العلمي قائمًا حتى اجتاح المغول بغداد سنة (656هـ-1258م)؛ حيث تم تدمير معظم محتوياته في ذلك الوقت.

أمّا "دار الحكمة"، فتذكر المصادر أنها جامعة أسسها الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله عام (395هـ-1004م)، وأنها حوت (1.600.000) مجلد ضمّت (6500) مخطوطة في الرياضيات و(18.000) مخطوطة في الفلسفة، وكان الدخول إليها والاستنساخ منها والترجمة مجانًا.

يقول المؤرخ أحمد بن علي المقريزي: "إن دار الحكمة في القاهرة، لم تفتح أبوابها للجماهير إلا بعد أن فرشت وزيّنت وزخرفت وعلّقت على جميع أبوابها وممراتها الستائر، وعيّن لها القُوام والخدم، وكان عدد الخزائن فيها أربعين خزانة، تتسع الواحدة منها لنحو ثمانية عشر ألف كتاب، وكانت الرفوف مفتوحة، والكتب في متناول الجميع، ويستطيع الراغب أن يحصل على الكتاب الذي يريده بنفسه ما تيسر له ذلك، فإذا ضل الطريق استعان بأحد المناولين".

مما تقدم نستنبط أن الجامعة لا ترقى إلى المكانة اللائقة بها، إلا إذا توفرت على عدد من الشروط والمقاييس، أهمها:

•  أن تنطلق من "الرؤية الكونية" و"النموذج المعرفي" للأمة التي تنتمي إليها، أي من عقيدة المجمتع وثوابته وأصوله، وتستفيد مع ذلك بكل التقنيات والآليات التي يمنحها العصر، وتجود بها التكنولوجيا.

•  أن تكون فضاء حرًّا للعلوم والمعارف.

•  أن تحتوي على جميع المصادر والوسائل التي تمكّنها من البحث العلمي الجاد.

•  أن تكون متعددة التخصُّصات، ذلك أن التخصص الواحد قد يقتل الحقيقة العلمية ويضيق الأفق.

•  أن تستجيب لحاجات المجتمع، وتعالج قضاياه، وأن لا تكون جوفاء باردة بعيدة عن اهتماماته.

•  أن تعمل ضمن سياسة الأمة، وبالتنسيق مع الحاكم؛ يمدّها بالعناية دون شروط، وتمدّه بالنصح والبحث العلمي وبالإجابات على إشكالاته، دون تملق ولا نفاق.

 

(*) مدير معهد المناهج، الجزائر العاصمة / الجزائر.

الهوامش

(1) موسوعة Encarta، النسخة الفرنسية الإلكترونية.

(2) Laszlo: Les université Américaines.

(3) وانظر: المسيري: دراسات معرفية في الحداثة الغربية.

 

 

 

إقرأ المزيد

 الإيمان عند النورسي فيه "سعادة ونعمة ولذة وراحة"، إنه "يضم بذرة معنوية منشقة من طوبى الجنة". بل إنه يرى بأن الرقي والتقدم الاجتماعي مرهونان بالإيمان -الإيمان بالله الواحد الأحد- لذلك نجده يعرّفه بقوله: "الإيمان -الذي هو عبارة عن الانتساب إلى الصانع سبحانه- يقوم بإظهار جميع آثار الصنعة الكامنة في الإنسان، فتتعين بذلك قيمة الإنسان على مدى بروز تلك الصنعة الربانية ولمعان تلك المرآة الصمدانية، فيتحول هذا الإنسان -الذي لا أهمية له- إلى مرتبة أسمى المخلوقات قاطبة، حيث يصبح أهلاً للخطاب الإلهي، وينال شرفًا يؤهله للضيافة الربانية في الجنة". من هذا الكلام يتضح أن الإيمان يرتبط ارتباطًا قويًّا بتوحيد الله عز جل، إنه يحدد العلاقة بين الخالق والمخلوق، بين الصانع والمصنوع، ولا أدل على وجوده ووحدانيته من المخلوقات والموجودات التي يعج بها العالم، والإنسان أهم هذه الموجودات. فلمعرفة الله خالق الأكوان جميعها، يجب النظر إلى تلك المخلوقات، ثم بعد ذلك العمل على توحيده فعبادته، قال تعالى: (ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ)(الأنعام:102)، وهذه العبادة تتطلب طاعته في أوامره ونواهيه، والرضى بقضائه وقدره. وهنا تظهر العلاقة بين الإيمان والأخلاق، الإيمان بالله أولاً وتوحيده، والعمل على طاعته من خلال التحلي بمجموعة من الصفات والأخلاق ثانيًا، يقول أحد المتصوفة: "اعرفوا الله ولا تجهلوه، وأطيعوا ولا تعصوه، ووافقوا ولا تخالفوه، وارضوا بقضائه ولا تنازعوه، واعرفوا الحق تعالى بصنعته، هو الخالق الرزاق". وهذه المعرفة لا تتم إلا من خلال القرآن، ذلك أن القرآن الكريم عند النورسي: "ببياناته المعجزة، يبسط أفعال الصانع الجليل، ويفرش آثاره أمام النظر، ثم يستخرج من تلك الأفعال والآثار الأسماء الإلهية، أو يثبت مقصدًا من مقاصد القرآن الأساسية كالحشر والتوحيد".

بالإيمان يسمو إلى مدارج الصالحين، ويرتبط بخالقه برباط متين، لا يملك أمامه إلا أن ينصاع لأوامره، وهذا الانصياع، الذي يحقق أسمى قضية من الإيمان وهي عبادة الله عز وجل، ثم جني ثمار الطاعة والعبادة في يوم الآخرة.

ففيما يخص أفعال الصانع، يستنتجها النورسي من آيات الذكر الحكيم الذي هو مصدره الأول والأساس، نحو قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(البقرة:29)؛ ففي الآية إشارة إلى أن الله هو خالق كل شيء، خالق السماوات والأرض وما فيهما، ثم إنه العالم بكل شيء، قال تعالى في كتابه المبين: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(البقرة:164).

إن الإنسان بعد أن يعرف الله من خلال خلقه، لا بد أن يقوم بعبادته والتقرب إليه، وإلا استحق العقاب، كما يستحق المؤمن الجزاء، يقول بديع الزمان سعيد النورسي: "إن الإنسان الذي أنيط به -من بين جميع المخلوقات- مهام عظيمة، وزود باستعدادات فطرية كاملة، إن لم يعرف ربه بـ"الإيمان" بعد أن عرّف سبحانه نفسَه إليه بمخلوقاته البديعة المنتظمة، وإن لم ينل محبته بالتقرب إليه بـ"العبادة" بعد أن تحبب إليه سبحانه بنفسه وعرّفها إليه بما خلق له من الثمار المتنوعة الجميلة الدالة على رحمته الواسعة، وإن لم يقم بالتوقير والإجلال اللائقين به "بالشكر والحمد" بعد أن أظهر سبحانه محبته له ورحمته عليه بنعمه الكثيرة... نعم، إن لم يعرف هذا الإنسان ربه هكذا، فكيف يُترك سدى دون جزاء، ودون أن يعدّ له ذو العزة والجلال دارًا للعقاب؟

وهل من الممكن أن لا يمنح ذلك الرب الرحيم دار ثوابٍ وسعادة أبدية، لأولئك المؤمنين الذين قابلوا تعريف ذاته سبحانه لهم بمعرفتهم إياه بـ"الإيمان" ومحبته لهم بالحب والتحبب له بـ"العبادة"، ورحمته لهم بالإجلال والتوقير له بـ"الشكر؟".

وهنا إشارة ضمنية إلى مقصد آخر من المقاصد الإيمانية الأساسية، وهي الحشر، مستندًا إلى قوله تعالى: (أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ مِهَادًا * وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا * وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجًا)(النبأ:6-8) إلى قوله تعالى: (إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ كَانَ مِيقَاتًا)(النبأ:17).

ويوم الميقات هو يوم الحشر والنشر والجزاء والحساب، وهو يدخل ضمن الإيمان بالغيبيات، ولن يؤمن الإنسان بهذه الغيبيات إذا لم يؤمن بالله الواحد الأحد وبكتابه المنزل، لذلك نجده تعالى في سورة البقرة يمدح المؤمنين بالغيب بعد أن يذكر الكتاب المبين وهو القرآن المقدس، يقول سبحانه وتعالى: (الم  ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(البقرة:1-5).

ولعل الهدف من الإيمان بالحشر والغيبيات عمومًا، هو تقويم الأخلاق والسلوك الدنيوي، لأن هذا السلوك هو الذي يوصل إلى النتيجة الحتمية في الآخرة وهي النعيم في الجنة، ومن ثم فتقويم الأخلاق والسلوك، سبيل إلى التنمية والتطور وخدمة مستقبل الأوطان وتحقيق التقدم والعدالة والمساواة... من هنا يتضح بأن هدف النورسي من وراء "رسائل النور"، ليس هو الخنوع والاستسلام والوقوف عند العبادة دون العمل الذي قد يؤدي إلى الانحطاط والتخلف، بل إنه يحمل نفَسًا تجديديًّا معاصرًا شمل -بالإضافة إلى المجال الديني التعبدي- مجالات نفسية وجدانية، ومجالات اجتماعية وفكرية. فـ"الإيمان بالآخرة يجعل من الإنسان كائنًا قادرًا على فهم الكون وألغازه، وحين يفهم الإنسان الكون وسننه، يفهم نفسه أولاً، ثم موقعه من هذا الكون ثانيًا، فيتحرر من عقدة الخوف، ثم يصوغ في ضوء كل ذلك مشاريع الإعمار وقد فهم أن الكون خلق لخدمته، وخلق هو للعبادة، قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا)(الجاثية:13)، وهي حقيقة الحرية والتحرر التي تطلق طاقات الإنسان للإبداع".

وقد تنبه النورسي لهذه القضية، فأفرد الكلمة السابعة من كلماته لمسألة الإيمان بالله واليوم الآخر، ومما جاء فيها: "إن الإيمان بالله وباليوم الآخر، أثمن مفتاحين يحلان لروح البشر طلسم الكون ولغزه، ويفتحان أمامها باب السعادة والهناء، وكيف أن توكل الإنسان على خالقه صابرًا، والرجاء من رزاقه شاكرًا أنفع علاجين ناجعين. وإن الإنصات إلى القرآن الكريم، والانقياد لحكمه، وأداء الصلوات وترك الكبائر، أغلى للآخرة زادًا، وأسطع للقبر نورًا، وأيسر تذكرة مرور في رحلة الخلود".

الإيمان بالله يمثل أكرم صلة بين العبد وخالقه، إنه نفحة ربانية يقذفها الله في قلوب عباده المؤمنين، تجعلهم متعلقين بمحبته، لأن الإيمان لا يكتمل إلا بالحب الحقيقي لله ولرسوله ولشريعته التي يمثلها القرآن. هذا الحب الذي يجعل مصطلح الإيمان عند النورسي، يترادف مع مصطلح التوحيد حيث يقول: "لقد بيّنا إجمالاً في رسالة "قطرة من بحر التوحيد" قطبَ أركان الإيمان وهو "الإيمان بالله". وأثبتنا أن كل موجود من الموجودات يدل علـى وجوب وجود الله سبحانه ويشهد على وحدانيته".

وإذا كان الإيمان بالله أول أركان الإيمان، فإن الإيمان باليوم الآخر يأتي في المرتبة الثانية "بوصفه يوم الوقوف بين يدي رب العالمين لتقديم الحساب على عمله في الدنيا، إنْ خيرًا فخير، وإنْ شرًّا فشر. فلتوضيح هاتين الركيزتين الأساسيتين في الإيمان، كان القرآن مليئًا بالأدلة الحسية والعقلية والوجدانية على وجود الله تعالى وأحقيته بالعبادة، وكان مليئًا أيضًا بالأدلة التي تثبت أن الإنسان لا ينتهي عند الموت، بل سيبعث ويحيا من جديد للمحاسبة، ثم يخلد إما في النعيم أو في الجحيم".

إن مسألة الحشر عند النورسي "حقيقة راسخة قوية، بحيث لا يمكن أن تزحزحها أيّة قوة مهما كانت حتى لو استطاعت أن تزيح الكرة الأرضية وتحطمها، ذلك لأن الله سبحانه وتعالى يقرّ تلك الحقيقة بمقتضى أسمائه الحسنى جميعها وصفاته الجليلة كلها، وأن رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم يصدّقها بمعجزاته وبراهينه كلها، والقرآن الكريم يثبتها بجميع آياته وحقائقه، والكون يشهد لها بجميع آياته التكوينية وشؤونه الحكيمة".

الإيمان بالله يمثل أكرم صلة بين العبد وخالقه، إنه نفحة ربانية يقذفها الله في قلوب عباده المؤمنين، تجعلهم متعلقين بمحبته، لأن الإيمان لا يكتمل إلا بالحب الحقيقي لله ولرسوله ولشريعته التي يمثلها القرآن. 

فالإيمان بالحشر، لا يمكن فصله عن الإيمان بالله الواحد الأحد، وعن القرآن وما ورد فيه من آيات الله العظيمة المعجزة، نحو قوله تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(الروم:50).

إن آيات الحشر دليل قاطع على ربوبيته ووحدانيته وقدرته تبارك وتعالى، إنها دليل على صفاته وأسمائه الحسنى وأنه القدوس المنزه عن العجز، بل دليل قاطع على وجود دار أخرى هي الباقية ما دامت أمور الدنيا على كثرتها واختلافها وجمالها تافهة فانية، يقول النورسي: "إن الذي يُحيِي هذه الأرض الهائلة -وهي معرض العجائب- ويميتها كأدنى حيوان، والذي جعلها مهدًا مريحًا وسفينة جميلة للإنسان والحيوان، وجعل الشمس ضياء وموقدًا لهذا المضيف، وجعل الكواكب السيّارة والنجوم اللامعة مساكن طائرات للملائكة... إن ربوبية خالدة جليلة إلى هذا الحدّ، وحاكمية محيطة عظيمة إلى هذه الدرجة، لا تستقران ولا تنحصران في أمور الدنيا الفانية الزائلة الواهية السيالة التافهة المتغيرة. فلا بد أن هناك دارًا أخرى باقية دائمة جليلة عظيمة مستقرة تليق به سبحانه، فهو يسوقنا إلى السعي الدائب لأجل تلك الممالك والديار، ويدعونا إليها وينقلنا إلى هناك".

هذا الكلام يظهر الاتجاه الوعظي الإرشادي الذي تميز به النورسي في كتاباته، لأن الهدف عنده ليس هو الإيمان بالله واليوم الآخر فحسب، بل إيصال الدعوة إلى أكبر عدد من الناس ذوي العقول النيرة، الذين لم تؤثر فيهم العلمانية التي انتشرت بمختلف البقاع الإسلامية في القرن العشرين بشكل كبير. لأن الدعوة وتحبيبها إلى المسلمين وخاصة التُركيين، كان هو الدافع الأساسي له، بغية تخليصهم من براثن عالم الماديات الذي استبد بالعقول والألباب، ذلك "أن الفكر المادي في عصرنا هذا، قد أسكر كثيرًا من الناس فأوغل الوهم والشبهة في أبسط الأمور البديهية". فالرجل كان "مستشعرًا لهذه الهجمة المادية، باثًّّا شكواه منها في مناسبات عديدة، وكان يدرك أنها نزعة تصيب أول ما تصيب من معتقدات المسلم إيمانه بالآخرة"، لذلك نجده ركز في مؤلفاته على ذينك الركنين الأساسيين؛ "الإيمان بالله" و"اليوم الآخر" أكثر من باقي الأركان، لأنهما ركيزتا الإيمان وأساساه، لهذا وردا مرتبطين في الكثير من آيات الذكر الحكيم، نحو قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ)(البقرة:177).

إن الإيمان بالله واليوم الآخر، هما عصبا الإيمان عند النورسي، بل في الشريعة الإسلامية، لذلك وجدناه يتصدى لأهل الضلالة الذي يقول ممثلهم: "إني أرى أن سعادة الدنيا، والتمتع بلذة الحياة، والرقي والحضارة، والتقدم الصناعي، هي في عدم تذكر الآخرة، وفي عدم الإيمان بالله، وفي حب الدنيا، وفي التحرر من القيود، وفي الاعتداد بالنفس والإعجاب بها... لذا سقتُ أكثر الناس ولا زلت أسوقهم -بهمة الشيطان- إلى هذا الطريق"؛ فيدعو الإنسان للعودة إلى رشده حتى لا يكون الشقاء مآله، وإلى التشبث بالقرآن الكريم والدخول في رضى الله، "إن النجاة من الإعدام الأبدي، والخلاص من السجن الانفرادي، وتحويل الموت إلى سعادة أبدية، إنما تكون بالإيمان بالله وطاعته ليس إلا"، ذلك لأن "الإيمان بالله نور حياتنا، ضياء روحنا، روح أرواحنا، فقلوبنا مطمئنة بالله لا تعبأ بالأعداء، بل لا تعدّهم أعداء"، "كما أن الإيمان نور وهو قوة أيضًا، فالإنسان الذي يظفر بالإيمان الحقيقي، يستطيع أن يتحدى الكائنات، ويتخلص من ضيق الحوادث مستندًا إلى قوة إيمانه، فيبحر متفرجًا على سفينة الحياة في خضم أمواج الأحداث العاتية بكمال الأمان والسلام".

فالإنسان، بالإيمان يسمو إلى مدارج الصالحين، ويرتبط بخالقه برباط متين، لا يملك أمامه إلا أن ينصاع لأوامره، وهذا الانصياع، الذي يحقق أسمى قضية من الإيمان وهي عبادة الله عز وجل، ثم جني ثمار الطاعة والعبادة في يوم الآخرة. لذلك كان الإيمان بالله واليوم الآخر، أساسين للإيمان، وما يأتي بعدهما مجرد وسائط لتحقيق العبادة الحقة، "فالملائكة هم جنود الله تعالى، وسفراؤه بينه وبين رسله، وأما الرسل فهم حملة رسالة العبادة الشاملة لكل نشاط، وأما الكتب فهي أوعية الشرائع والدساتير والأخلاق بدلائلها وحكمها، وأما القدر فهو تقدير الله تعالى -في الأزل- لما كان ويكون وسيكون في غيب عن كل كائن، والواجب الإيمان والرضى به إذا نزل ووقع في الوقت المقدر له".

إن الرسل والكتب، هي التي عرفت بالصانع الأكبر والحياة الأزلية؛ بل تلك الكتب والرسل، وخاصة القرآن الكريم، معجزة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، التي صدق بها جميع الأنبياء، هي التي أظهرت للناس عقائدهم ومناسكهم، بل هي التي بينت لهم السلوك والأخلاق التي عليهم أن يتحلوا بها. 

 

(*) أستاذة بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة / المغرب.

المراجع

(1) الكلمات، لبديع الزمان سعيد النورسي، دار النيل للطباعة والنشر، القاهرة، 2010.

(2) البعد الأخروي في رسائل النور، مؤسسة الثقافة والعلوم، مركز رسائل النور، إسطنبول، 2006.

(3) حلاوة الإيمان في الانتساب والدعوة والابتلاء، للمفضل فلواتي، مطبعة آنفو، برانت، فاس، 2005.

 

 

 

إقرأ المزيد

  تبقى القوة الإجرائية والتفاعلية لأي مفهوم من قوة المرجعية التي يستمد منها المفهوم، ومن مدى تماسك ونسقية مكونات هذه المرجعية من حيث تكامل وظائفها وتحقق مقاصدها، في جلب النفع والسعادة والمصلحة للإنسان، ودفع الضرر والشقاء والمفسدة عنه.

وليس ثمة مفهوم يستند إلى جهد بشري موسوم بالنسبية والقصور، بقادر على النهوض بكل تلك المهام، لإسعاد الإنسان في حياته الدنيا أو العاجلة، بله إسعاده في حياته الآخرة أو الآجلة. لذلك تبقى المرجعية الدينية في ثقافتنا الإسلامية -باعتبارها وحيًا مطلقًا مستوعبًا للزمان ومؤطرًا للإنسان- أولى من غيرها في هذا السياق وفي كل سياق.

من هنا تأتي أهمية هذه المقالة، أي في إحالتها لمفهوم الأسرة على القرآن وليس التاريخ، على المطلق الكلي وليس على النسبي الجزئي. ولو أن كل مفاهيمنا المكونة لثقافتنا وعلومنا ومعارفنا وآدابنا أعيد بناؤها على هذا الأصل، لكان حالنا غير هذا الحال قطعًا. إن من سنن الله تعالى في خلقه والتي فطر عليها مخلوقاته؛ الأداء والإنجاز الجماعي للكائنات حية أو جامدة، عاقلة أو غير عاقلة، يتضح ذلك من أبسط تأمل في آيات الأنفس والآفاق. وهذا الأداء والإنجاز الجماعي، هو ما يمكن تسميته بالعمل "المنظومي" الذي تتداخل وتتكامل فيه الوظائف العامة والخاصة.

القيم  ضرورة وجودية تؤسس للحالة السواء النموذجية أو المثالية المعيارية في الأسرة، انطلاقًا من بناء كل فرد فيها بما يؤهله للأداء الجماعي، فاللبنة الهشة في الجدار قد تكون سببًا في سقوطه، أو على الأقل منفذًا لعلل وآفات كثيرة. فلا يكون مصلحًا من لم يكن صالحًا، ولا مقيمًا للعدل والإنصاف مع غيره من لم يقم ذلك مع نفسه، ولا مؤمنًا بحرية غيره من لم يدرك حدود حريته

وهذا الأمر، كما يحدث في البنى والأنساق الاجتماعية، يحدث كذلك في البنى والأنساق الفكرية والثقافية، والعلمية والمعرفية. وهو الذي نسعى إلى بيان جزء منه في مجال القيم القرآنية عمومًا، وتلك المتعلقة بالأسرة خصوصًا.

1- منطق الاشتغال المنظومي للقيم في القرآن

بناء على ما تقدم، فإن القيم والمفاهيم في القرآن عمومًا، تبقى منظومة تشتغل وفق منطق ونظام خاص هو من سنن الله الدينية الشرعية المعادلة أو المكافئة لسننه الكونية القدرية. بمعنى أكثر وضوحًا، إن آيات الله تعالى في كتابه المسطور، معادلة من حيث نظامها واتساقها، موقعًا ودلالات لآيات الله الكونية القدرية في مواقعها في الفضاء الكوني أو الكتاب المنظور، كما قال الله تعالى: (فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ * إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ)(الواقعة:75-78). فنجد لكل مفهوم قيمة في القرآن الكريم؛ حركة أو وظيفة ذاتية لا يقوم بها إلا هو، وحركة أو وظيفة تشاركية أو تفاعلية يقوم بها مع غيره في سياق تكاملي للوظائف. والحركتان معًا -الذاتية والتفاعلية- تتمان في نفس الوقت بشكل نسقي متواز. وهو عمل أشبه ما يكون بأعضاء جسد الإنسان، أو قطع غيار محرك ما؛ فكل عضو في الجسد، يقوم بوظيفة خاصة لا يمكن أن يقوم بها غيره. وتأمل هنا عمل القلب أو الكبد أو الرئة أو غيرها، ثم وهو يقوم بهذه الوظيفة، لا يستطيع أن يقوم بها مفردًا مستقلاًّ، فلا بد له من شبكة علاقات تفاعلية مع الأعضاء الأخرى إمدادًا واستمدادًا. وتأمل قطعة محرك؛ أيًّا كان حجمًا ومجالاً، فلا قطعة تنوب عن غيرها، ولا هي بقادرة على الاشتغال دون دعم وسند غيرها، بل تلَف قطعة واحدة ضمن عشرات أو مئات القطع، يعطّل عمل المحرك أو يضعفه إضعافًا بحسب دورها المحوري الأساسي أو الثانوي التكميلي.

إن اشتغال القيم والمفاهيم عمومًا في القرآن الكريم هو أدق وأشمل من الصور التقريبية التي أشرنا إليها، حتى قيل إنه كلمة، وبنية، ونسق، ونظام ...إلخ. فأصل التوحيد أو الإيمان -مثلاً- أصل مهيمن، ولنقل بتعبير بعض الكتاب: قيمة عليا حاكمة. المفروض أن يكون له حضور في سائر المفاهيم الأخرى، يزودها بالمعنى ويحدد وجهتها وقبلتها، ويسدد كثيرًا من آليات اشتغالها.لكن للأسف، ضمر هذا الأصل وانحصرت معانيه ودلالاته في التداول التاريخي، حتى لم يبق لها حضور في مجالات العلم والمعرفة والمجتمع فلحقها من الآفات ما لحقها. ومثلُ التوحيد الاستخلاف والتكريم والعدل والتزكية والحرية والإخلاص والإحسان وغيرها، من حيث استقلالها بمعنى وتكاملها من خلاله مع سائر المعاني الأخرى.

ولهذا كان النظر الجزئي المفرد لبعض المفاهيم -بمعزل عن شبكة علاقاتها وسياقاتها- من أخطر الآفات التي أصابت كثيرًا من الدراسات وهي تحاول إبراز المنظور الإسلامي لقضية ما، كقضية الأسرة أو المرأة أو الإرث أو المساواة، وكثير من القضايا الاجتماعية والسياسية وغيرها. وهذا المنهج هو الذي عابه القرآن الكريم نفسه على (الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ)(الحجر:91)، أي أجزاء وقطعًا، أو أعضاء وفرقًا. وإن كان السياق واردًا في الذين يؤمنون ببعضه ويكفرون ببعضه، فإنه -منهجيًّا- عام على كل عمل انتقائي يخل بشرط الوحدة البنائية والنسقية التكاملية بين سائر مكوناته.

2- الأسرة والتكامل الوظيفي للقيم

إن الأسرة وإن لم ترد لفظًا في القرآن الكريم، لكنها المرادة عمومًا بألفاظ أخرى؛ كالآل والأهل، وأحيانًا العشيرة إذا اتسعت الدائرة قليلاً. وقبل النظر إليها وحدة مستقلة، لا بد من النظر إلى موقعها ضمن القيم الكلية المؤطرة؛ فهناك شبكة قيمية مؤطرة ولاحمة بين هذه الدوائر، تحفظها من التفكك والنزاع، وتقوم السلوك والأفعال والأقوال، وتحفظ العدل والأخوة والمساواة، وما إلى ذلك.

وبما أن الأسرة -في مبتدأ الأمر ومنتهاه- رجال ونساء وأبناء وعلاقات، فمفهوم الاستخلاف يتوجه على هؤلاء جميعًا، ومفهوم التكريم يشملهم جميعًا، وخطاب الإيمان والتكليف يعمّهم جميعًا كذلك، والعدل والإنصاف والمساواة والتقوى والورع متوجهة  إليهم جميعًا.

هذا فضلاً عن قيم أخرى ذات طبيعة تكافلية تضامنية، تقوي وتعضد من وشائج الأخوة والعلاقات بين الناس عمومًا، والأزواج فيما بينهم والآباء والأبناء؛ كالمودة والرحمة والبر والإحسان والإيثار والإخلاص وما إليها.

فمفهوم الأسرة محوط بشبكة قيمية داعمة مؤطرة وموجهة، والفرد في الأسرة، والأسرة في المجتمع، دوائر تراتبية منفتحة على بعضها، يكون أدناها رافدًا لأعلاها، وأعلاها خادمًا ومحافظًا على أدناها، وفي كل مستوى من هذه المستويات تتحدد وظائف ومسؤوليات، وتترتب حقوق وواجبات. فمفهوم الأسرة قائم أساسًا على فلسفة التكامل الوظيفي المراعي للخصوصيات والأدوار، تؤدي فيه كل دائرة وظيفتها الخاصة الذاتية، ووظيفتها العامة التشاركية والتفاعلية.

ولهذا فعدم إدراك الفرد -رجلاً أو امرأة- لوظائفه الخاصة كذات فاعلة، ولوظائفه العامة كذات متفاعلة، وللقيم المؤطرة لهذا المستوى وذاك، يوقع -لا محالة- في التنازع وتترتب على ذلك مطالب تؤسس للخلاف والنزاع أكثر من الوئام والوفاق كما سنبين لاحقًا. أي تنتهي إلى نقيض المراد والقصد من القيم ذاتها، المرتبطة بالإنسان كذات وكيان، أو بالأسرة كوظيفة.

فكل مفهوم قيمة إذن، لبنة أساسية في هذا الجدار، ويمكن الحديث عن قيم هي أصول وكليات، وعن قيم هي فروع متممة على نحو ما تقدم، كما يمكن الحديث في تصنيفات أخرى للقيم، عن قيم روحية نفسية، وعن قيم سلوكية تربوية، وعن قيم مادية وأخرى معنوية.

وتبقى القيم عمومًا، ضرورة وجودية تؤسس للحالة السواء النموذجية أو المثالية المعيارية في الأسرة، انطلاقًا من بناء كل فرد فيها بما يؤهله للأداء الجماعي، فاللبنة الهشة في الجدار قد تكون سببًا في سقوطه، أو على الأقل منفذًا لعلل وآفات كثيرة. فلا يكون مصلحًا من لم يكن صالحًا، ولا مقيمًا للعدل والإنصاف مع غيره من لم يقم ذلك مع نفسه، ولا مؤمنًا بحرية غيره من لم يدرك حدود حريته، ولا بحق وواجب غيره من لم يدرك حق وواجب نفسه.

فالقيم تؤسس للكينونة المبررة للوجود، وللمعنى والغاية والقصد من الإيجاد، وضمن هذا الفضاء تتأسس وتتحدد الوظائف والواجبات والمسؤوليات. ومنظومة القيم من شأنها أن تدرأ آفات التمركز والتحيز والنزاع والصدام، التي هيمنت الآن على كثير من النماذج الأسرية، بل تحولت إلى نظريات واتجاهات فكرية كما في كثير من النماذج التي تقدمها دول غربية اليوم للأسف.

3- درء آفات ومخاطر التفكك القيمي

المراد أولاً بالتفكك القيمي، هو ضرب البنية النسقية الكلية، والتكامل الوظيفي بين مكونات الأسرة، بحيث تنفرط النواظم الجامعة والموحدة والقيم اللاحمة بينها، ويحل محلها اعتبار الفرد والذات أكثر من الجماعة، فتنشأ المطالب الخاصة في الدوائر الضيقة دون اعتبار للمصلحة العامة، بل قد يتضخم الأمر إلى حد التمرد عليها وتجاوزها كما هو الحاصل في كثير من النماذج الغربية. ولهذا الأمر -طبعًا- ما يبرره في سياق تطور الحضارة الغربية التي انتقلت من تطرف لاهوتي خرافي كان يحكم باسم الدين، إلى تطرف مادي علماني يحكم باسم الدنيا فحسب، أي باستبعاد كلي أو جزئي لقيم الدين وتعاليمه، حيث تم تنصيب آلهة جديدة، كالعقل والعلم والطبيعة والحس والتجربة.

لتعرف بذلك هذه الحضارة تطورًا إلى ما هو أخطر بعد عصر النهضة والأنوار إلى الحداثة وما بعدها، حيث وقع التمرد على كل شيء، بما في ذلك تلك المبادئ الأصول والأسس، التي بني عليها الانتقال من مرحلة اللاهوت والخرافة إلى مرحلة العلم والدولة، ثم إلى العدمية والعبثية واللامعنى والثورة والتمرد على كل شيء. وبتعبير بعض النقاد؛ الانتقال من الحالة الصلبة التي تستند إلى مبادئ كلية كالعلم والعقل والمادة، إلى الحالة السائلة التي لا يمكن الإمساك بها على أساس معين؛ حالة اللامعنى والمتعة والاستهلاك، والإنتاج، والهيمنة والتوسع، التي هيمنت على العلوم والمعارف والسياسات المختلفة.

في هذا السياق وعلى مستوى البنيات الاجتماعية، وقع تضخيم كبير للذات والـ"أنا"، والتوجهات الفردانية والمتع اليومية، وتدخل منطق الإنتاج والاستهلاك لتوجيه الأذواق والأحلام والرغبات، فتضخمت بذلك المطالب والحقوق الفردية والنزعات المتمركزة حول الذات، ونشأت مفاهيم ودلالات سائلة غير منضبطة حول الحرية والحق والذات والإشباع، حيث هيمنت قيم الصناعة بديلاً عن قيم الفطرة والكينونة، مبنية على التقابل وليس التكامل، وعلى النزاع والصراع وليس المودة والرحمة.

كان هذا -طبعًا- مدخلاً مؤثرًا بقوة على تماسك الأسرة كبنية ووحدة داخل المجتمع، وعلى وظائفها ذات الطابع التكاملي، وعلى القيم الضرورية اللاحمة بين عناصرها. فأصبح للمرأة مطالب وحقوق مفردة، وللرجل مطالب وحقوق مفردة، وللأطفال مطالب وحقوق مفردة -صغارًا وكبارًا- وتحول المجتمع إلى أقليات متعددة لكل منها مطالب وحقوق -النساء، الرجال، الأطفال، العجزة- كما ظهرت تشكلات أسرية جديدة مثلية بين رجال أو بين نساء، أو مع حيوانات، وتحولت إلى كتل ضغط إعلامي وسياسي وحقوقي، لانتزاع حقها في التواجد القانوني.

عمومًا، هنالك هيمنة لقيم بديلة تلبي نزعات التملك وليس الكينونة حسب تعبير الناقد إيريك فروم. وفارق كبير بين أن تكون وتملك، وبين أن تملك دون أن تكون. ولا نلقي اللوم هنا على النموذج الغربي وحده مهما كان نافذ التأثير، فالأخطاء الذاتية التاريخية أكثر من أن تحصى. فقبل الاحتكاك بهذا النموذج، وقع انعطاف وتحول كبير عن القيم القرآنية الموجهة لحياة الأفراد والجماعات، ونشأت عادات وتقاليد من التداول الاجتماعي عبر التاريخ، فالتصق كثير منها بالدين وتقرر وكأنه دين. وكيف تكون دينًا وفيها من الظلم والجور والتسلط والعدوان، ما جاء الدين لإصلاحه وتقويمه أصلاً. إن الشرع قد راعى الأعراف، لكن ما لم تعد على أصوله بالإبطال كما هو مقرر عند العلماء. وكل ذلك يستوجب مراجعات ذاتية تصحيحية تنطلق من الوحي المطلق المعصوم وليس من التاريخ النسبي المتغير.

خلاصــــة

لسنا هنا بصدد المقارنة بين نموذجين، بل بصدد النظر في القيم الموجهة لبناء أسرة هي وحدة أساسية في بنية المجتمع. وسواء كان الخلل ذاتيًّا أو خارجيًّا في تمثل النموذج السوي، فإنه يبقى حاكمًا ومهيمنًا على غيره. ونعتقد أن مفهوم الأسرة في القرآن الكريم، إذا ما أحسن عرضه ابتداء من أصل التكريم لبني آدم، وانتهاء إلى أدوار الهداية والرحمة والشهادة على الناس بالحق والعدل التي ينبغي أن تقوم بها الأمة، من شأنه أن يقدم حلولاً لمشكلات كثيرة تعاني منها البشرية اليوم أمام عجز النموذج الغربي المادي الاستهلاكي على حل مخلفاته الاجتماعية، إلا عن طريق تصديرها وتعميمها للأسف.

 

(*) جامعة السلطان مولاي سليمان، بني ملال / المغرب.

 

إقرأ المزيد

 يرى علماء النفس المحدثون، أن هناك طريقتين مختلفتين اختلافًا جوهريًّا للمعرفة تتفاعلان لبناء حياتنا العقلية؛ طريقة العقل المنطقي، وهي طريقة فهم ما ندركه تمام الإدراك، والواضح وضوحًا كاملاً في وعينا. وهناك نظام آخر للمعرفة قوي ومندفع، وأحيانًا غير منطقي، هذا النظام هو "العقل العاطفي".

ويقترب هذا التقسيم الثنائي -إلى عاطفي ومنطقي- من التمييز الشائع بين العقل والقلب. فحين يعرف الإنسان بقلبه أن هذا الشيء صحيح، فهذا أمر يختلف عن الاقتناع، وهو نوع من المعرفة أعمق من اليقين وأكثر من التفكير فيه بالعقل المنطقي. فهناك علاقة طردية بين سيطرة العواطف وسيطرة المنطق على العقل، فكلما كانت المشاعر أكثر حدة، زادت أهمية العقل العاطفي وأصبح العقل المنطقي أقل فاعلية.

هذان العقلان (العاطفي والمنطقي) يقومان معًا في تناغم دقيق دائمًا بتضافر نطاقيهما المختلفين جدًّا في المعرفة بقيادة حياتنا. ذلك لأن هناك توازنًا قائمًا بين العقل العاطفي والعقل المنطقي؛ العاطفة تغذي وتزود عمليات العقل المنطقي بالمعلومات، بينما يعمل العقل المنطقي على تنقية مدخلات العقل العاطفي، وأحيانًا يعترض عليها. ومع ذلك يظل كل من العقلين ملَكتين شبه مستقلتين كل منهما يعكس عملية متميزة، لكنهما مترابطتان في دوائر المخ العصبية.

ويخبرنا المحلل النفسي "دانييل جولمان" في كتابه "الذكاء العاطفي"، أن هناك بين العقلين -في كثير من اللحظات أو في معظمهما- تنسيقًا دقيقًا رائعًا؛ فالمشاعر ضرورية للتفكير، لكن إذا تجاوزت المشاعر ذروة التوازن، عندئذ يسود الموقف العقلي العاطفي، ويكتسح العقل المنطقي.

• الذكاء العاطفي: انتهى العلماء المختصون في هذا المجال، إلى أن الذكاء الأكاديمي، لا يعدّ المرء في الواقع لما يجري في الحياة من أحداث مليئة بالاضطرابات، أو لما تتضمنه من فرص، ومن ثم فإن أي ارتفاع في مستوى معامل الذكاء، لا يضمن الرفاهية، أو المركز المتميز، أو السعادة في الحياة، ذلك أن مؤسساتنا التعليمية وثقافتنا، تقف في ثبات عند القدرات الأكاديمية متجاهلة الذكاء العاطفي الذي هو مجموعة من السمات، قد يسميها البعض "صفات شخصية"، ولها أهميتها البالغة في مصيرنا كأفراد.

إن الإسهام الوحيد للتعلم بالنسبة لنمو الطفل، هو مساعدته على التوجه إلى مجال يناسب مواهبه، ويشعر فيه بالإشباع والتمكن. لقد افتقدنا تمامًا هذه الرؤية، وبدلاً منها ما زلنا نُخضع كل فرد إلى نوع من الدراسة؛ إذا نجح فيها لن يكون -في أحد الأحوال- أكثر من أستاذ في إحدى المدارس أو الجامعات.

كما أننا نكتفي بتقويم كل فرد، وفقًا لما حققه في مسيرة حياته بهذا المستوى المحدود من النجاح. ثمة واجب علينا أن نقلل من الوقت الذي ننفقه في تحديد مستويات الأطفال، ونبذل وقتًا أطول في مساعدتهم على تحديد قدراتهم ومواهبهم الفطرية، ونقوم برعايتها وتنميتها، وهناك المئات من سبل النجاح، وعديد من القدرات المختلفة التي ستساعدنا على تحقيق ذلك.

وقد جاء العالم "جاردنر"، وبيّن أن أساليب التفكير قديمة فيما يخص الذكاء، وقد انتهى عصرها الذي كان يصنف الناس على أنهم إما أذكياء وإما عكس ذلك؛ حيث تقوم الاختبارات على فكرة اختبار نوع واحد من القدرات التي تحدد مستقبلك. وقد أثبت "جاردنر" -في كتابه "أطر العقل" (Frames of Mind) الذي صدر عام 1983- دحْض فكرة "معامل الذكاء"، معتبرًا أن هناك أنواعًا كثيرة متعددة من الذكاء. وقد توسع "جاردنر" وزملاؤه الباحثون، في قائمة أنواع الذكاء، حتى امتدت لعشرين نوعًا منها. ولا شك أن هذه الرؤية التعددية للذكاء، تقدم صورة أكثر ثراء لقدرة الطفل، والمواهب لدى الأطفال، على أساس مقياس "ستانفورد بنيت"، والذي كان يومًا المقياس الذهبي لاختبارات معامل الذكاء.

العالم الداخلي للطفل منذ ميلاده، ليس صفحة بيضاء يمكن أن نملأها بما نراه مناسبًا؛ فالطفل يولد ولديه طاقات ونزوات، وهي تتفاعل فيما بينها وتتصارع، وتتدامج وفق برنامج جامد ومحدد سلفًا بشكل مقنن وراثيًّا، وصولاً إلى مرحلة النضج. 

وأخذ تفكير "جاردنر" حول تعدد أنواع الذكاء يتطور مع الوقت، وبعد عشر سنوات من نشر نظريته أول مرة، لخص وجهة نظره في الذكاء على النحو التالي: "إن الذكاء في العلاقات المتبادلة بين الناس، هو القدرة على فهم الآخرين وما الذي يحركهم، وكيف يمارسون عملهم، وكيف نتعاون معهم... والواقع أن الناجحين من العاملين بالتجارة، والسياسيين، والمدرسين، والأطباء، والزعماء الدينيين، يتمتعون في الغالب بدرجات عالية من الذكاء في مجال العلاقات العامة. فالذكاء الخاص بين الناس، هو القدرة على تبادل العلاقات فيما بينهم التي تتحول إلى قدرة داخلية. إنها المقدرة على تشكيل نموذج محدد وحقيقي للذات، لكي يتمكن من التأثير بفاعلية في الحياة".

• الوعي الذاتي: ويرى كثير من الباحثين، أن كل هذا يندرج تحت مفهوم "الوعي الذاتي"، الذي أصبح مفهومًا ضروريًّا بالنسبة للآباء في معرفتهم ببواعثهم وانفعالاتهم وإمكاناتهم النفسية والعقلية، وكذلك بالنسبة للأطفال أنفسهم، الذين نقوم على مساعدتهم في معرفة وتقويم قدراتهم الذاتية، وإمكاناتهم الفكرية والعاطفية.

و"الوعي بالذات" بإيجاز: "أن نكون مدركين لحالتنا النفسية وتفكيرنا بالنسبة لهذه الحالة المزاجية نفسها" وفقًا لقول "جون ماير" (John Mager) -العالم السيكولوجي بجامعة هابتشير- الذي وضع نظرية الذكاء العاطفي مع "بيتر سالوفي" بجامعة ييل. ويمكن أن يكون الوعي بالذات انتباهًا للحالات النفسية الداخلية، لكنه غير متفاعل أو قادر على تكوين رأي. لكن "ماير"، يرى أن هذه الحساسية قد تكون أيضًا أقل صرامة، لأن الأفكار المعهودة التي تعبر عن الوعي الذاتي بالانفعالات، تتضمن أفكارًا مثل "ينبغي أن لا أشعر بهذه الطريقة"، أو "أنا أفكر في أشياء جميلة لكي أشعر بالبهجة"، أو "لا تفكر في هذا الأمر" وهي الفكرة التي تطرأ على الذهن كرد فعل لأمر محبط للغاية.

ولذلك يقول "دانييل جولمان" في كتابه "الذكاء العاطفي": "وعلى الرغم من التمييز المنطقي بين أن نكون مدركين لمشاعرنا، والقيام بالأفعال من أجل الأهداف العملية كلها، يسيران عادة جنبًا إلى جنب ويدًا بيد. ذلك لأن مجرد إدراكنا أن المزاج سيء، فهذا معناه الرغبة في التخلص منه. والتعرف على الحالة النفسية شيء متميز عما نبذله من جهود، حتى لا نقوم بفعلٍ ما بدافع انفعالي. فعندما نقول لطفل يدفعه غضبه لضرب زميله في اللعب: "كفى"، نستطيع بهذه الصيحة أن نوقف الضرب، لكن الغضب يظل يمور بداخله، وتظل أفكار الطفل ثابتة على زناد الغضب وهو يقول: "لقد سرق لعبتي"، ويستمر الشعور بالغضب دون تهدئته وتخفيفه". فالوعي النفسي، تأثيره في المشاعر أكثر قوة، لأن الإنسان الغاضب إذا أدرك أن ما يشعر به وهو الغضب، فهذا يوفر له حرية كبيرة ليختار عدم إطاعة هذا الشعور، بل أيضًا خيار محاولة التخلص من قبضة هذا الغضب.

إذن، العالم الداخلي للطفل منذ ميلاده، ليس صفحة بيضاء يمكن أن نملأها بما نراه مناسبًا؛ فالطفل يولد ولديه طاقات ونزوات، وهي تتفاعل فيما بينها وتتصارع، وتتدامج وفق برنامج جامد ومحدد سلفًا بشكل مقنن وراثيًّا، وصولاً إلى مرحلة النضج. بل هو أقرب ما يكون إلى الإمكانية التي يجب أن تبُنى متخذة شكل المشروع الوجودي، وقد تنجح عملية البناء هذه، أو تتعثر بدرجات متفاوتة.

فالعالم الداخلي للطفل، لا هو ساكن ولا هو متماسك ومنسجم، بل هو الأقرب إلى الواقع، وخلال نمو شخصيته بتكامل إمكاناتها وقواها، يمر الطفل بسلسلة من الأزمات التي يتعين الخروج منها. هناك إذن ورشة شغل لترتيب البيت من الداخل، وصولاً إلى التماسك والانسجام وتنمية الإمكانات الداخلية، كي تتآلف العواطف مع العقل وتغذي بعضها بعضًا. وهناك شغل على العواطف والانفعالات لتحرير الطاقات الذاتية وإطلاقها، وصولاً إلى اكتساب الثقة بالنفس. ويشكل مجابهة الصعاب الداخلية مهمة لا مندوحة عنها، حتى إنها لتكاد تصبح جوهر الوجود الإنساني.

ولذلك يقول الدكتور مصطفى حجازي: "فمنذ الشهور الأولى، تطرح على الطفل مهام حاسمة لتقرير مستقبل وجوده الإنساني، أبرزها الدخول في العلاقات الإنسانية، وبناء أسس الهوية النفسية، وأسس السيطرة على النزوات. تتم المراحل الأولى لهذه المهام قبل سن السنتين، وحتى سن الثالثة يتعين قيام نظام متوازن من التماهيات مع الأم والأب يسمح للطفل ببناء هويته النفسية الجنسية (هوية الصبي أو البنت).

ويحدث ذلك خلال ترسيخ الروابط العاطفية واستقرارها وسلامتها. ثم تطرح عليه واحدة من أخطر المهام؛ وهي تمثل القانون ذاتيًّا مما يؤسس لنظام الضوابط الذاتية والنجاح في هذه المهام جميعًا، هو الذي يُرسي دعائم النمو النفسي العاطفي والعلائقي، وصولاً إلى الاستقلالية الشخصية.

ويسير تعزيز هذا البناء قدمًا ما بين سنّي 3-6 سنوات، فيكتمل تكوين الهوية النفسية، وتبرز الـ"أنا" والوعي بالذات، وما يصاحبها من أزمة معارضته للكبار واستعراض لهذه الذات، كما تنتظم أركان الشخصية. ولا بد من انتظار أواسط الطفولة المتأخرة (أي سن 7 إلى 8 سنوات) حتى تصفى الأزمات الداخلية، ويتم التنسيق والتكامل وتقيض السيطرة للذات، كما تُصفى معها مسألة الاعتماد الطفلي على العلاقات مع الوالدين. وهذا ما يسمح لطفل ذي هوية طفلية متماسكة بالاستقلال، والدخول في العلاقات الاجتماعية، والانتماء الاجتماعي من ناحية، والتحول في اهتماماته من العالم الذاتي الداخلي إلى العالم الموضوعي من ناحية ثانية.

العالم الداخلي للطفل، لا هو ساكن ولا هو متماسك ومنسجم، بل هو الأقرب إلى الواقع، وخلال نمو شخصيته بتكامل إمكاناتها وقواها، يمر الطفل بسلسلة من الأزمات التي يتعين الخروج منها. 

لا تمر هذه العمليات في مختلف مراحلها، بدون أزمات يفرضها التناقض بين النزوات واصطراع الرغبات داخليًّا، وقيود وإحباطات العالم الخارجي من الناحية الأخرى. وكثير من هذه القضايا والأزمات التي يعيشها الطفل، لا تُصفى دفعة واحدة، وإنما تستمر بصورة مختلفة، وتتخذ أشكالاً وديناميات متنوعة تبعًا لكل مرحلة من مراحل النمو.

وفي كل مرة يحرز الطفل بعض التقدم في مسيرته التي قد تتعرض للتعثر والانتكاس، ولكنه لا يتخلى عن المحاولة فيعاود الكرة ويستأنف تصفية المشاكل والسعي إلى التكامل في أركان شخصيته. ومن خلال النهاية الطيبة والعودة المظفرة والانتصار، والتقدم والنمو عبر كثير من الوسائط الثقافية -كاللعب، والرسم، والقصص المكتوبة، والمسرح، والقراءة، ومشاهدة المسلسلات من الدراما، والخيال المصور في القصص التعليمية والخيالية- تتكامل شخصيته وتنمو ذاته، وتتحول فيه قوى التهديد والتدمير، لتغلب عليها قوى البناء واللقاء الإنساني، مما يعني تصفية للحسابات على الجبهة الداخلية، والسيطرة على العالم الذاتي.

• التوافق النفسي: إننا بحاجة إلى من يُشعرنا بأن الحب الذي طالت هجرته، وتاهت في مهب الريح أخباره، لا بد أن يعود أقوى مما كان؛ لأنه وصفة العلاج الوحيدة التي ستمنحنا الأمن العاطفي والاستقرار النفسي. ومن الطبيعي أننا لن نجد هذه الوصفة العظيمة على أرفف الصيدليات، ولا في حوانيت العطارين.

إن الأسئلة التي تغوص في أعماقنا متنوعة وكثيرة، ومعظمها قد تشرق في ظلام تلك الأعماق الجائعة اللاهثة المريضة، ليطفو همها على لسان الحقيقة الصارخة. من المسؤول الأول عن هجرة الحب من مهده الخصيب، ليشعل في مكانه نار الحرمان لهب أسود، وقودها العصيان والتدمير والموت؟ من المسؤول عن وسطية إشباع الغرائز وتوجيهها وتنظيمها ونموها في محاضن تربوية سليمة، حتى لا تنحرف عن مسارها القديم، والجوانب الإنسانية التي قد يصيبها العطن بغياب الدفء العاطفي؟

ومن هنا نفهم الأهمية البالغة التي يوليها القرآن الكريم في تهذيب العاطفة كونها تشكل مساحة واسعة في نفس الطفل الناشئ؛ فهي التي تُكوّن نفسه، وتبني شخصيته، فإن أخذها بشكل متوازن كان إنسانًا سويًّا في مستقبله وفي حياته كلها، وإن أخذها بغير ذلك -سواء بالزيادة أو النقصان- تشكلت لديه عقدًا لا تُحمد عقباها.

ومهمة التربية الإسلامية هنا، أو التربية السوية أيًّا كان مصدرها، هي السمو بتلك العاطفة الإنسانية ووضعها في مسارها الصحيح، ومن ثم توجيهها إلى أهم عاطفة وهي عاطفة محبة الله عو وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ثم عاطفة محبة الوالدين والإخوة وذوي القربى، وعاطفة الحب في الله، إلى غير ذلك من العواطف الإنسانية... والتي تتعدى بتأثيرها إلى كل الإنسانية، كالعدل والرحمة والإيثار والتنافس في بذل الخير ورفع السوء والضُر.

ولا ننسى هنا، أن العلاقة بين الأفراد في المجتمع، تشكل العامل الأهم في تحقيق التقارب النفسي والاندماج العاطفي الودي، والذي بدوره يساعد على الارتقاء الاجتماعي والثقافي والنفسي بالمجتمع، خاصة وأن الفرد يصبح أكثر التصاقًا بالآخرين، من خلال تبادل الأدوار، ونكران الذات، وسيادة لغة الحوار... فينشأ عن ذلك كله، الحب المغلف بالعطف، والحنان والاحترام المتبادل، والمشاعر الحساسة والمشاركة الوجدانية. ولذلك يعتبر من أهم العوامل التي قد تكون سببًا في الحرمان العاطفي، عدم فتح قنوات للتحاور مع المقربين لنا وإهمالهم، وعدم مراعاة مشاعرهم وتلبية طلباتهم وسماع أصواتهم. ولذلك لا بد هنا من تبني إستراتيجية تربوية ناجحة.  

 

(*) رئيس قسم الفلسفة والاجتماع، كلية التربية، جامعة عين شمس / مصر.

 

 

إقرأ المزيد

 في ظل تسارع الأحداث الدولية وتعاظم ابتلاءات الأمة الإسلامية، يحز في النفس أن نرى زُمرة من العلماء الكبار بين متَّهم أو مطارد أو مسجون... يحز في النفس أن نرى ذلك في زمن كَثُر فيه اللغط حول كثير من المصطلحات ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب... يحز في النفس أن نرى ذلك يتزامن مع تشريع الأبواب أمام كل ناعق يطلب الحرية في كل مجالات الحياة، حتى أصبحت المطالبة بتغيير المعلوم من الدين بالضرورة حق يُصان للمطالبين به، بل وصل الأمر إلى تواتر أصوات تطالب بالحق في السِّحاق واللِّواط ويرون أنه حق مشروع لهم.

لكن في الضفة الأخرى، نرمُق معاناة كثير من النزهاء والشرفاء والصالحين عبر رقعة هذا العالم الفسيح وهم يئنّون تحت وطأة الظلم أو التضييق أو التشويه. ذنبهم الوحيد أنهم اختاروا طريقًا غير الذي أريدَ لهم، أو قالوا رأيًا لا يروق ولاة أمرهم، أو دافعوا عن فكر لم يخرج من عباءتهم.

المدهش في الأمر هو وجود تواطؤ غريب، أو إجماع سكوتي -بلغة الأصوليين- على ما يُكابده عدد من علماء الأمة في زمن العولمة من مظالم ومضايقات، جعلت الكثيرين منهم يفرون إلى بلدان أحسنت ضيافتهم بعد ما خذلهم بنو قومهم أو غدروا بهم، مُفارقين الأهل، مُغرَّبين عن الأوطان، لا أنيس لهم في وحشتهم إلا الله تعالى. وجريرتهم أنهم: (قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُو)(فصلت:30)، وتهْمتهم أنهم صدعوا بما يرونه حقًّا، وعملوا على تبليغه للناس صدقًا.

كل هذا قد يتجرعه الإنسان في ظل مُسوغ معين إن تعلق بالعوام، لكن حين يُبتلى بذلك السلوك الشنيع فطاحلة علماء الأمة والهامات في الفكر والإبداع والتجديد، من الذين يعدّهم الناس أبطالاً في التضحيات والعطاء، وجعلوهم في مقدمة ورثة الأنبياء... حين تسير الأمور في هذا الزقاق، حقيق بالعقلاء أن يتساءلوا: لماذا يكال الناس بمكيالَين؟ ومَن المستفيد من التضييق على هذه النخبة الطيبة من أعيان الأمة وورثة الأنبياء؟ بل من المسؤول الحقيقي الكامن وراء هذه الشطحات التي لن ينساها التاريخ، ولن تُهدر يوم الحساب الأكبر؟

وفي ظل هذه الأزمات الفردية والمجتمعية والعالمية، تتسابق بعض الجهات -وبحسن نية- من أجل التسويق لفكرة الابتعاد عن كل ما من شأنه الزج بالناس في متاهات لا يعلمون مآلاتها. حينها يحق للعقلاء التساؤل: ألسنا أمة الشهادة التي وصفها الله تعالى بقوله: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ)(البقرة:143)، ألم يقل لنا ربنا سبحانه: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ)(المائدة:8)؟!

إن مناقشة هذه القضية جزء من مبدأ أصيل في العرف والقانون كما في الدين ولو ظهر بمسميات شتى، إنها قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي توسع علماء أمتنا الأصلاء في تحديد مواصفاته وشروطه ووسائله فضلاً عن مجالاته وأهله. وقد عده الكثير منهم قاعدة محورية في الدين كما في الدنيا.

إن التطاول على علماء الأمة المشهود لهم بالسبق بين أهل العلم، أصبح من منكرات العصر. ولعل أمثلة الراقصين على جراحنا كثيرة في هذا الباب، إلا أن آخرها نزل مثل الصاعقة على كثير من الصادقين من أبناء أمتنا العظيمة. إنه العلامة النابغة، المبدع المجدد، العابد الزاهد القدوة، الأستاذ محمد فتح الله كولن، الذي شُنت عليه هجمات منظمة منذ سنوات بعيدة، ليس ما يحدث اليوم إلا مشهدًا من فصولها. والغريب أن كل الابتلاءات السابقة واللاحقة تكاد تدور حول تهمة واحدة، وهي اتهام هذا الرجل الصادق الأصيل بمحاولة الانقلاب على الدولة. والأغرب من ذلك أن أحدًا من كل المتهِمين قديمًا وحديثًا، لم يستطع تقديم دليل واحد على كل تلك الاتهامات، ومع ذلك فهي مستمرة اليوم ظلمًا وعدوانًا. والعجيب في الأمر أن هذا الرجل الذي ابيضّ شعره وتعب جسمه وتقدم سنه، استمر قابضًا على دينه ومنهجه كالقابض على الجمر، لم يَعْيَ أو يمل من تجرع كل تلك الاتهامات ولسنوات طويلة بصبر غريب، ونفي للتهم بأسلوب لبيب، وتلمس الأعذار للمتّهمين عجيب... إنه نموذج من الذين نقرأ عنهم في التاريخ.

والذي عنده أدنى معرفة بمنهج الأستاذ فتح الله كولن، يعلم أنه يدعو -وفي سلمية منقطعة النظير- إلى أن إصلاح أوضاع الأمة لا تستقيم إلا بالرجوع إلى الإسلام، سالكًا في ذلك أقصى درجات التعاون والتعايش والحوار والتلطف. 

والذي عنده أدنى معرفة بمنهج هذا الرجل، يعلم أنه يدعو -وفي سلمية منقطعة النظير- إلى أن إصلاح أوضاع الأمة لا تستقيم إلا بالرجوع إلى الإسلام، سالكًا في ذلك أقصى درجات التعاون والتعايش والحوار والتلطف. وبمنهجه الرشيد استطاع أن يتفوّق في العمل المدني الذي تنبه إلى أهميته منذ الستينات، للتعبير عن آرائه وأفكاره، حتى آمن بفكره ومنهجه تيار واسع من المؤيدين في كل أرجاء العالم. بل استطاع هذا الرجل أن يكسب احترام فئات عريضة من المفكرين ذوي التوجهات الدينية والفلسفية والفكرية والحقوقية، داخل المنظومة الإسلامية وخارجها.

وإني أزعم أن الرجل لو كان يطمع في السلطة السياسية -كما يروج البعض اليوم- لما استطاع أن ينافسه فيها أحد منذ زمن وإلى اليوم، الشيء الذي يؤكد صدقه في توجهاته الدعوية الإصلاحية، وبُعد نظره في أهدافه الإنسانية. والمقام لا يسمح في هذه العجالة بالتفصيل في رأي ثلة كبيرة من العلماء المعتد برأيهم -من داخل الأمة وخارجها- حول إعجابهم بهذا الرجل العبقري، وكلامهم فيه، وأوصافهم له بالعلم والفقه والخلق والولاية والإبداع والتجديد، من أمثال السادة العلماء: وحيد الدين خان، وسلمان العودة، وعائض القرني، والمرحوم فريد الأنصاري، ومحمد عمارة، وغيرهم كثير.

وإذا كان خير الكلام كلام الله تعالى، فقد دبج كتابه العظيم بعدد من القصص والأحداث لهداية العامة وتوجيه الخاصة من الناس. فما أشبه اليوم بالبارحة، حين قال الله تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)(المائدة:27). قال الشهيد سيد قطب في ظلاله: "هذه القصة تُقدم نموذجًا لطبيعة الشر والعدوان، ونموذجًا كذلك من العدوان الصارخ الذي لا مبرّر له، كما تُقدم نموذجًا لطبيعة الخير والسماحة، ونموذجًا كذلك من الطيبة والوداعة، وتقفهما وجهًا لوجه كل منهما يتصرف وفق طبيعته. وترسم الجريمة المنكرة التي يرتكبها الشر والعدوان الصارخ الذي يثير الضمير، ويثير الشعور بالحاجة إلى شريعة نافذة بالقصاص العادل، تكف النموذج الشرير المعتدي عن الاعتداء، وتخوفه وتردعه بالتخويف عن الإقدام على الجريمة، فإذا ارتكبها -على الرغم من ذلك- وجد الجزاء العادل المكافئ للفعلة المنكرة، كما تصون النموذج الطيب الخير وتحفظ حرمة دمه، فمثل هذه النفوس يجب أن تعيش، وأن تصان، وأن تأمن في ظل شريعة عادلة رادعة".

نعم قد يكون ظلم الخصوم أو المخالفين في التاريخ أو العقيدة أو الدين أو الوطن، مفهومًا أو مبررًا لممارساتهم الظالمة، لكن أن تحصل الاتهامات المجانية والقذف والتشهير ممن يعدون من ذوي القربى، فهذا ما يجعل الجرح أكبر إيلامًا. ومثل هذا الصنف من الناس ما داموا مسلمين، كمثل القابض على الجمر أيضًا، فهم ولو نجحوا في تعليل ظلمهم أو تبرير فِعالهم، لا شك أن ضمائرهم ستستيقظ في لحظة من اللحظات أو يوم من الأيام فيقول قائلهم: (يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ)(المائدة:31). ومهما حصل، لا شك أنهم سيعانون من تبعات ذلك، في العاجل أو الآجل من الزمن.

ورحم الله طرفة بن العبد حين أُحضر أمام ابن عمه -الملك عمرو بن هند- وقد عزم على معاقبته فقال:

وظلْم ذوي القربى أشد مضاضة                                          على المرء من وقْع السهام المهنّد

إن من العلماء من يكون في مرتبة الولاية التي كثيرًا ما ذكر الله تعالى مواصفاتها، وكرّم أهلها وقرّبهم وأثنى عليهم بما هم أهل له عنده سبحانه وتعالى. وهذا يدفعنا للتأمل مليًّا في ما تتعرض له كوكبة من العلماء الأجلاء من أعيان أهل العلم في عصرنا من التطاول والإهانة والقذف والافتراء.

فنقول: إذا كان لجلّ المخلوقات تحت الشمس في زمن العولمة يوم أو مناسبة للوفاء والتكريم والاعتراف بالجميل -من الرجال والنساء والأطفال والأبطال والفنّانين وحتى الحيوانات- فما هو نصيب العلماء -بله الأولياء- من هذا التكريم البشري المزعوم؟

إن التطاول والتجاوزات التي تطال العلماء في هذا العصر، بلغت مبلغًا مخيفًا من التهميش والتضييق، إلى التحرش والحصار والمطاردة والتهديد الذي يتم على مرأى ومسمع من كل العالمين. نعم إن مآسي الناس في عالم اليوم تزاحمت، لكن مأساة العلماء أعظم لأنهم ورثة الأنبياء، فما بالك بالأولياء!؟ لكن وبالرغم من كل ما يلاقونه، فهم المنافحون عن إرث النبوة وهديها حتى يبلغ أقصى مدى يمكن بلوغه. وهم حريصون على تبليغ الحق، قابضون على أسبابه كالقابض على الجمر الذي لا يسلم من الأذى مهما حاول تجنبه.

وإذا كان أولياء الله تعالى قومًا مصطفين بمحبّته فآثرهم على الناس بفضله ورحمته، لا لشيء إلا لأنهم آثروا حياة الخلود -التي وعد الله بها عباده الصالحين- على حياة الترف والشهوات التي لم يصبر على التمتع بها كثير من المترفين. أولئك الأعلام هم الذين وُفّقوا عبر التاريخ إلى تلمس أسباب السعادة الحقيقية والنجاح المعتبر، من خلال الاجتهاد في البحث عن رضى الله تعالى، والتفاني في بذل كل شيء من أجل الآخرين في هذه الحياة الفانية، دون أن يأخذوا منها شيئًا.

من أجل ذلك فتَح الله عليهم بالقبول، وجعل لهم حظوة بين الناس تغيظ المُقصرين والمخالفين والمترفين، الذين يلهثون وراء هذه الحظوة بكل ما يملكون من وسائل مشروعة وغير مشروعة، لكنهم -وعبر التاريخ- إنما يَجْرون وراء السراب. وقد استوقفني حديث قدسي يهزّ كياني كلما تأمّلته، وهو الحديث الذي رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الله تعالى قال: من عادى لي وليًّا فقدْ آذنتُه بالحرب، وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبّ إليّ مما افترضْتُه عليه، وما يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنوافل حتى أُحبّه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه التي يَبطش بها، ورجلَه التي يَمشي بها، وإن سألني لأعطينّه، ولئن استعاذني لأُعيذنّه".

هذا الحديث أخرجه البخاري، وخرجه الإمام أحمد بمعناه، وخرجه الطبراني عن أبي أمامة وغيره. وقد قيل إنه أشرف حديث روي في ذكر أولياء الله تعالى. فقوله صلى الله عليه وسلم: "من عادى لي وليًّا، فقد آذنتُه بالحرْب" يعني: فقد أعلمتُه بأني محارب له، حيث كان محاربًا لي بمعاداة أوليائي. ويدعم هذا المعنى الزيادة التي وردت في حديث عائشة رضي الله عنها: "فقد استحل مُحاربتي"، وزيادة أبي أمامة وغيره في رواية أخرى: "فقد بارزني بالمحاربة". ولا نملك في مثل هذا المقام إلا الإشفاق على من تورّط في معاداة العلماء وأولياء الله تعالى، لأنهم من جهة إخواننا في الدين، ومن جهة ثانية فهُم قد يفتحون أبوابًا لا يملكون مفاتيح إغلاقها، ويلِجون حربًا لا قِبَل لهم بجُنودها.

والنتيجة أن أولياء الله تجب موالاتهم وتُحرم معاداتهم، قال تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)(المائدة:55-56).

ولأن الخواص من المؤمنين ألجموا أهواءهم بلجام الحق والصدق مع الله تعالى، وجاهدوا أنفسهم، ونأوْا بها عن ما ينغمس فيه عموم الناس، فقد استحقوا من الله تعالى العون والوقاية من مزالق الأهواء التي أهلكت عددًا من أولي الأمر من الخواص فضلاً عن العوام عبر التاريخ، وإن سنة الله في فتنة الذين آمنوا ظاهرة على مر الزمان، قال الله تعالى: (الم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ)(العنكبوت:1-2). وإن صور تلك الفتنة والابتلاء تعدّدت وتنوّعت حتى غابت عن كثير من الناس؛ فقد تكون بالخير وتكون بالشر كما بالشدة والرخاء، وقد تصدر عن الخصوم كما ترد من الأدعياء بل من الأقرباء. ومن ثم بشّرهم الله تعالى بقوله: (أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ)(يونس:62).

إذا كان التواطؤ والعدوان سنّة الله تعالى في ابتلاء المؤمنين، فإن خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم أخبرنا في ما أخرجه ابن ماجة وصحّحه عن مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه قال: قلتُ يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: "الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه". فهنيئًا للذين حُشروا في صفّ الأنبياء، والذين تأسّوا بهم وساروا على دربهم.. هنيئًا.. هنيئًا.. هنيئًا.  

 

(*) جامعة أبو شعيب الدكالي، مدينة الجديدة / المغرب.

 

 

 

إقرأ المزيد

 لو تأملنا تعاليم القرآن والأوامر والنواهي، نلاحظ أنها مليئة بالسلوك الإيجابي، ولذلك، فإن المؤمن أكثر الناس سعادة في حياته، وهذا ما أثبته العلماء مؤخرًا.

في مقالة نشرها موقع بي بي سي، وجد الباحثون بجامعة تكساس، أن السلوك الإيجابي يؤجل مراحل الشيخوخة. وأضاف الباحثون أن الأشخاص الذين ينظرون إلى الحياة بنظرة يملؤها الأمل، تقل عندهم ظهور علامات الهرَم مقارنة بالمتشائمين. وقال الباحثون إن نتائج الدراسة التي نشرت في مجلة "سيكولوجي أند إد جينج"، تشير إلى أن العوامل النفسية بالإضافة إلى الجينات والصحة البدنية، تلعب دورًا في تحديد مدى سرعة بلوغ سنّ الشيخوخة.

وأجرى فريق البحث بجامعة تكساس تجارب على 1558 من كبار السن، لبحث ما إذا كانت هناك علاقة بين الأحاسيس الإيجابية، وبداية مرحلة الوهن. وفي بداية الدراسة قبل سبع سنوات، كان جميع المتطوعين للمشاركة في الدراسة، في صحة جيدة.

وقام الباحثون بقياس تطور أعراض الشيخوخة عند المشاركين، من خلال قياس فقدانهم للوزن والجهد وسرعة السير وقوة قبضتهم. وتوصل الباحثون إلى أن المشاركين الذين يحملون رؤية إيجابية للحياة، كانوا أقل عرضة لأعراض الوهن من غيرهم. وأكد الباحثون على الحاجة لإجراء مزيد من الأبحاث لتوضيح السبب في هذه العلاقة.

غير أن الباحثين تكهنوا بأن المشاعر الإيجابية قد تؤثر بشكل مباشر على الصحة عن طريق تغيير التوازن الكيميائي في الجسم. وربما كان السبب في هذه الصلة هو أن التوجه المتفائل يساعد في تعزيز صحة الإنسان من خلال ترجيح نجاح هؤلاء الأشخاص في الحياة.

لقد عثر فريق من العلماء على دليل يثبت ما للتفاؤل من محاسن على حياة المرء؛ فقد توصل فريق من علماء النفس الأمريكيين إلى أن الأشخاص المنشرحي البال، المتفائلين في نظرتهم إلى التقدم في السن، يعيشون لمدة أطول من أقرانهم الذين يستبد القلق بهم.

وهنا أود أن أتذكر معكم قوله تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ((يونس:58)؛ فهذه الآية تخبرنا بأن المؤمن يفرح برحمة الله تعالى. هذا الفرح هو نوع من أنواع السلوك الإيجابي، وهو نوع من أنواع التفاؤل الذي يمنح المؤمن السعادة وطول العمر، ويزيد من مناعة جسده ضد الأمراض.

يقول الدكتور "جلين أوستير" رئيس فريق البحث: أعتقد أن هناك علاقة بين العقل والجسم، حيث إن أفكارنا وسلوكنا ومشاعرنا تؤثر على الوظائف البدنية وعلى الصحة بشكل عام، إما عن طريق آليات مباشرة مثل وظائف جهاز المناعة، أو عن طريق آليات غير مباشرة مثل شبكات الدعم الاجتماعية.

وقد أشارت دراسة أخرى نشرت في المجلة نفسها، إلى أن التوجه العقلي قد يؤثر في الأداء البدني. وفي هذه الدراسة طلب فريق البحث بجامعة نورث كارولاينا من 153 شخصًا من مختلف الأعمار، إجراء اختبارات على الذاكرة بعد أن سمعوا كلمات إيجابية وسلبية.

وتضمنت العبارات السلبية الاضطراب والعته والخرف، أما العبارات الإيجابية فتضمنت الإنجاز والنشاط والتميز. وأظهرت النتائج أن أداء الذاكرة عند المشاركين في الدراسة من البالغين، كان ضعيفًا بعد أن تعرضوا لعبارات سلبية.

وعلى النقيض، كان هناك اختلاف كبير في أداء الذاكرة بين الشباب والبالغين الذين تعرضوا لعبارات إيجابية. وقال الباحثون: إن دراستهم تشير إلى أنه إذا تم التعامل مع كبار السن على أنهم أعضاء فاعلون في المجتمع، فإنهم سيكونون كذلك. وقال "توماس هيس" رئيس الفريق العلمي: قد تكون هناك أسباب اجتماعية ذات تأثير قوي على أداء ذاكرة البالغين.

وهنا نتذكر حديثًا نبويًّا رائعًا ومليئًا بالتعاليم الإيجابية، يقول صلى الله عليه وسلم: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كلٍّ خيرٌ" (رواه مسلم). فهذا يحرِّض المؤمن على أن يكون قويًّا ليس في جسده فقط، بل في إيمانه وثقافته وأخلاقه وصبره.

والصبر هو سلوك إيجابي عظيم لم يدرك العلماء أهميته إلا حديثًا، ولكن الله تعالى جعل جزاء الصبر دخول الجنة بغير حساب: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ)(الزمر:10).

كذلك فإن القرآن يخبرنا بأن المؤمن لا يحزن أبدًا، لأن الحزن سلوك سلبي. ولو تأملنا كلمة "تحزن" في القرآن، وجدناها مسبوقة بكلمة "لا" دائمًا، وهذا يدل على أن المؤمن لا يحزن. ولنتأمل في هذه الكلمات النبوية التي جاءت في أصعب الظروف التي مر بها النبي الأعظم صلى الله عليه وسلم وهو في الغار، يقول تعالى:  (إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا)(التوبة:40).

التفاؤل لزيادة العمر

وقد عثر فريق من العلماء على دليل يثبت ما للتفاؤل من محاسن على حياة المرء؛ فقد توصل فريق من علماء النفس الأمريكيين إلى أن الأشخاص المنشرحي البال، المتفائلين في نظرتهم إلى التقدم في السن، يعيشون لمدة أطول من أقرانهم الذين يستبد القلق بهم.

الآن لنتأمّل هذه الآية في قوله تعالى: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين((آل عمران:139)؛ إنها آية تحث المؤمن على السلوك الإيجابي في عدم الوهن وعدم الحزن. ويقول العلماء: إن إحساس الإنسان بالوهن، يضعف من جهاز المناعة لديه، كذلك شعور الإنسان بالحزن الدائم، يسبب له الاضطرابات النفسية المختلفة.

وجاء في بحث أنجزه الفريق التابع لجامعة "ييل" في ولاية كونيكتيكات، أن الأشخاص الذين يتملكهم الخوف من الشيخوخة، تظهر عليهم أعراض التقدم في السن بسرعة أكبر. ويضيف العلماء في البحث الذي نشروه في مجلة "بيرسوناليتي أند سوشيال سايكولوجي" بأن من يتقبلون الأمر برحابة صدر، يمكن أن يعيشوا سنوات أطول ممن يحاولون الكف عن التدخين أو يمارسون التمارين الرياضية.

إن المؤمن لا يخشى الشيخوخة، بل يحب لقاء الله، ولذلك قال تعالى: (مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ((العنكبوت:5). والمؤمن يكون سعيدًا لحظة الموت فلا يخاف ولا يحزن، يقول تعالى: إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ((فصلت:30). وتأملوا كم تحوي هذه الآيات من رسائل إيجابية للمؤمن، تجعله يعيش فرحًا سعيدًا فلا يحزن ولا يخاف، وبالتالي إن هذه الآيات تعالج القلق حيث تفشل وسائل علم النفس.

وقد تبين للباحثين الأمريكيين، أن من لا يخيفهم تَقدُّم قطار الحياة، يعيشون في المتوسط سبع سنين ونصف أكثر من أولئك الذين يقضون وقتهم حسرة على ما مضى من أيامهم. كما أعرب الفريق الذي تقوده الدكتورة "ريبيكا ليفي" عن اعتقادهم بأن التعامل السلبي مع عملية الشيخوخة، يكون له تأثير مباشر على التشبث بالحياة.

وقال العلماء: إن إيجابيات القبول بقانون الشيخوخة، أكبر بكثير من العمليات ذات الطابع الفيزيولوجي؛ كخفض ضغط الدم، والكوليسترول، اللذين يعتقد أنهما يمنحان فرص حياة تبلغ أقصى درجاتها أربع سنوات إضافية.

وهذا يعني أن العامل النفسي أهم بكثير من العامل الفيزيولوجي، بمعنى آخر؛ فإن التعاليم الإيجابية التي يتلقاها الإنسان ويمارسها، لها أثر كبير على سعادته وطول عمره أكثر من تأثير الدواء والعناية الطبية. ولذلك فإن القرآن مليء بالتعاليم الإيجابية والتي لا يتسع لها هذا البحث، ولكن كمثال على ذلك، نتأمل قوله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ)(الزمر:53)؛ إنها آية مفعمة بالرحمة، ومليئة بالتفاؤل وعدم اليأس. وهذا يذكرنا بقصة سيدنا يعقوب عليه السلام بعد ما فقَد ابنيه يوسف وأخاه، فلم ييأس من رحمة الله، حيث خاطب أبناءه: (يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللهِ إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ((يوسف:87)؛ لقد اعتبر القرآن أن اليأس هو كفر بالله تعالى، وذلك ليعطينا رسالة قوية بأن اليأس من رحمة الله محرم في الإسلام، وهذا ما مارسه المسلمون الأوائل، فمنحهم القوة، وفتحوا به الدنيا.

كما أن تأثير التعامل الإيجابي مع التقدم في السن، يكون أوضح من عوامل أخرى؛ كالحفاظ على خفة الوزن، والامتناع عن التدخين، وممارسة التمارين الرياضية... وهي عوامل يسود الاعتقاد بأنها يمكن أن تضيف -في أقصى الأحوال- ثلاث سنوات إلى حياة المرء.

وقد بنى الباحثون خلاصتهم على بحث شمل 660 متطوعًا، تتراوح أعمارهم بين خمسين عامًا فما فوق. وقد قورنت معدلات الوفاة عند من شملهم البحث، بكيفية إجابتهم على استطلاع للرأي أجري قبل اثنين وثلاثين عامًا. فقد سئل المستَجْوبون عن موافقتهم أو اعتراضهم على مجموعة من المقولات من قبيل: "بقدر ما تصبح كبيرًا في السن بقدر ما تصبح عديم الفائدة". ويقول فريق الدكتورة "ليفي": إن التشبث الأكيد بالحياة يفسر -بشكل جزئي- العلاقة بين التفكير الإيجابي وطول العمر.

غير أن هؤلاء الباحثين يشيرون إلى أن هذا ليس السبب الوحيد لذلك، فبرأيهم يلعب الإجهاد دورًا آخر في التأثير على القلب. وكان بحث سابق قد أظهر أن قلوب وشرايين المتشائمين من التقدم في السنّ، لا تستجيب بشكل جيد للإجهاد والضغط.

ويقول الباحثون: إنه من المحتمل أن التشبع بمواقف المجتمع السلبية من الشيخوخة، قد يكون لها تأثير على المرء وفيه، من دون أن يعلم بذلك. ويؤكد العلماء أن دراستهم تحمل رسالتين؛ أولاهما محبطة، ومفادها أن النظرة السلبية للذات، تقلل من احتمالات الحياة. والأخرى مشجّعة، وفحواها أن النظرة الإيجابية للذات، يمكن أن تطيل العمر. ونبه العلماء في الوقت ذاته، إلى أن تعامل المجتمعات الغربية بشكل غير إيجابي مع المتقدمين في السنّ، يمكن أن يفاقم المشاكل.

ونستطيع أن نستنتج من هذه الدراسات ما يلي:

1- التفاؤل يزيد من مقاومة الجسم للأمراض، ويمنح الإنسان السعادة في حياته. وهذا سلوك نبوي، لأن سيدتنا عائشة رضي الله عنها عندما سئلت عن أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم قالت: "كان خُلُقُه القرآن" (رواه مسلم)؛ فقد طبق صلى الله عليه وسلم القرآن تطبيقًا كاملاً، ولذلك حصل على السعادة الحقيقية، ويجب علينا أن نقتدي به في سلوكنا، فتكون أخلاقنا هي القرآن.

وعلى سبيل المثال، هناك قاعدة إلهية للتعامل مع المصاعب والمشاكل اليومية، وحيث يعجز الطب النفسي عن إعطاء الرضى بالواقع، نجد القرآن يمنحنا هذا الرضى، يقول تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ)(البقرة:216)؛ فلو طبقنا هذه الآية، زالت جميع المشاكل والهموم وما تسببه من قلق وخوف، لأن المؤمن يرضى بقضاء الله ولو كان الظاهر أن فيه الشر والسوء، ولكن الخير قد يكون بعد ذلك، فينتظر المؤمن هذا الخير، فيكون قد حقق التفاؤل المطلوب، وابتعد عن الحزن، وهذا علاج ناجع للقلق.

2- التفكير الإيجابي أهم وأكثر فاعلية في علاج الأمراض من العلاج الطبي. بل إن أطباء الدنيا فشلوا في منح الأمل أو السعادة لإنسانٍ أشرف على الموت، ولكن تعاليم القرآن تمنحنا هذه السعادة مهما كانت الظروف.

لقد قالت فاطمة رضي الله عنها وأبوها صلى الله عليه وسلم على فراش الموت: وا كرباه، فقال لها صلى الله عليه وسلم: "لا كرب على أبيك بعد اليوم". انظروا إلى هذا التفاؤل؛ النبي صلى الله عليه وسلم لحظة الموت، كان سعيدًا وفرحًا بلقاء ربه، فماذا عنا نحن المسلمين؟

3 - التعامل مع الواقع برضى نفس وقناعة، يجعل الإنسان أكثر سعادة. والإنسان الذي يتذمر ولا يرضى بما قسم له من الرزق، نجده أكثر تعاسة، ويكون نظامه المناعي ضعيفًا. وهذا دليل على أن التفكير بالأمراض والخوف والحزن والتفكير السلبي، يزيد من احتمال الإصابة بالأمراض المزمنة. فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تفاؤلاً برحمة الله، وكان يحضّنا على التفاؤل والرضى، حيث يقول: "ما من عبدٍ مسلم يقول حين يُصبح وحين يُمسي ثلاث مرات: رضيتُ بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًّا، إلا كان حقًّا على الله أن يُرضيه يوم القيامة" (رواه الترمذي).

إن كل ما سبق تلخصه لنا آية خاطب بها الله نبيَّه، ليعلمنا كيف نسلك سلوكًا إيجابيًّا في حياتنا، يقول تعالى: (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ)(النحل:127). الصبر وعدم الحزن وعدم التذمر والضيق، كل هذا له نتيجة، ولكن ما هي؟ هذا ما نجد الجواب عنه في الآية التالية: (إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ)(النحل:128).

 

(*) باحث في الإعجاز العلمي والرقمي في القرآن والسنة / سوريا.

المراجع

(1) http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/sci_tech/newsid_3652000/3652066.stm

(2) http://news.bbc.co.uk/hi/arabic/sci_tech/newsid_2159000/2159103.stm

 

 

 

إقرأ المزيد

 شاء الله سبحانه وتعالى أن يكون الإنسان هو أعظم مخلوق وأسمى كائن؛ ميزه بالعقل والإرادة، وأمر ملائكته بالسجود له تحية وتكريمًا، ومن هنا أنشأ الله سبحانه وتعالى.

لهذا الإنسان الحقَّ في الكرامة والسمو عن بقية المخلوقات. وكان من مقتضى نعمة هذا التكريم، حرمة النفس، وبعث الرسل، وتنزيل الشرائع الضابطة لعلاقة الإنسان بالإنسان، والمنظمة لها تنظيمًا يحفظ ما منحه الله إياه من تكريم: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)(الإسراء:70). فالكرامة قيمة عليا جامعة خص الله عز وجل بها الإنسان، وتعني فيما تعني؛ النفاسة، والرفعة، والعزة، وعلو الشأن، وانتفاء أي معنى من معاني الخسة والصغار والذل والهوان والابتذال.

من تجليات التكريم الإلهي للإنسان

تأتي خلافة الإنسان في الأرض -بطاقاته وقدراته الروحية والعقلية والعملية الخلاقة- في مقدمة تجليات التكريم الإلهي، قال تعالى: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا((هود:61). والمعلوم أن كرامة الإنسان قد شملتها أصول الرسالة المحمدية، على مستوى العقيدة أولاً، ثم في الجانب السياسي والاجتماعي والحضاري بكل مظاهره وكامل أنشطته.

إن مشكلة كل أمة هي في جوهرها، مشكلة حضارتها، ولا يمكن لأمة أن تفهم مشكلتها وتُعالجها ما لم ترتفع بفكرتها إلى الأحداث الإنسانية التي تكمن فيها، وفيها وحدها عملية قيام الحضارة أو انهيارها.

والذي تتعين الإشارة إليه، هو أن ما خص الله سبحانه وتعالى به الإنسان من عطايا ونعم -متمثلة في صورة قويمة في الخلقة وسامية في الفطرة: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ((التين:4)، وعقلٍ رُفع به فوق جميع الكائنات- كل ذلك هو للإنسان من حيث هو إنسان، فلا يتوقف على عقيدة أو جنس أو لون أو ثقافة أو قوة أو ضعف.

ويمكن أن نجمل هذه التجليات أو المظاهر في نقاط محددة، طبقًا لآي القرآن الكريم، فيما يأتي:

• خلق الله تعالى إياه بيده ونفخه فيه من روحه، وهذا لم يحصل لكائن آخر: (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ((ص:71-72).

• إسجاد الملائكة له تكريمًا وتحديدًا للأدوار: (إِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ)(البقرة:34).

• إعطاؤه العقل الناقد المميِّز بين الحق والباطل وهو ما لم يعط لغيره، وأمره بالتفكر: (قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا((سبأ:46).

• تخييره بين الخير والشر: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ((البلد:10)، ولا يوجد معه كائن مختار -غير الجن- والكائنات كلها بعد ذلك مسيرة.

• تسخير الكون كله له -سمائه وأرضه، أحيائه وجماداته- قال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ((الجاثية:13).

• مكافأته بعد ذلك إن وفق، ومعاقبته إن أساء: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ )(فصلت:46)

من مقتضيات الكرامة الإنسانية

أ- المساواة: انعكست تلك الرؤية للكرامة انعكاسًا تامًّا على مسألة جليلة الأهمية، وهي قضية "المساواة".

المساواة في الأساس -وطبقًا لما أقره الإسلام- تعم الجنس البشري، وهي المساواة في القيمة الإنسانية المشتركة التي تتمثل في الاعتقاد بأن جميع الناس "سواسية" في طبيعتهم البشرية، وعنصرهم الإنساني من حيث هو، وخلقهم الأول، وأن ليس هناك جماعة تنحدر من سلالة خاصة ينتقل أصلها هذا إليها بطريق الوراثة، إنما يقوم التفاضل بين الناس جميعًا على أسس خارجة عن ذلك كله، مثل الكفاية والعلم والأخلاق والعمل.

إن مبدأ المساواة في الإسلام يتأسس على قاعدتين راسختين هما: وحدة الأصل البشري، وشمول الكرامة الإنسانية لكل البشر، وذلك من منطلق قوله تعالى: (وَاللهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا)(فاطر:11)، وقوله عز وجل: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا)(الحجرات:13)، وقوله عز وجل: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)(الإسراء:70)، وقوله صلى الله عليه وسلم : "الناس بنو آدم وخلق الله آدم من تراب" (رواه الترمذي).

إن ضمان الشعور بالكرامة الإنسانية، هو ما يحرر الفرد من كل خوف وضغط يميلان عليه. لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، حينئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريق فهم الحياة وإزهارها.

ولو تلمسنا سرّ هذه المساواة، لوجدناه نابعًا من عقيدة التوحيد ذاتها وما يتأسس عليها من عبادات وتعاليم. فالجميع -طبقًا لهذه العقيدة- ينتظم سلك العبودية المطلقة لله تعالى وحده، ومن تطاول فوقها، وجب قمعه حتى يستكين في مكانته لا يعدوها:  (إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا((مريم:93). كما أن المسلم في نظرته إلى الناس -قويهم وضعيفهم- يدرك أن زمام أمورهم في النهاية بين يدي الله تعالى، فلا يكون هيابًا لجبار، أو أسيرًا لتقسيم طبقي عنصري يسلبه إنسانيته، لثقته في قول الله عز وجل له: (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ((الأنعام:17-18). فلا شك أنه "بهذه الروح المفعمة باليقين والإباء، أبى الإنسان المسلم الاعتراف بأن يكون لأحد من الخلق اختراق أسوار المساواة العامة، والاستعلاء على غيره من الناس".

إذن فلا تفريق بين الناس -كل الناس- من هذه الجهة، على اعتبار الديانة أو المذهب أو العرف أو الجنس أو الشعب أو الدولة أو الأمة أو اللون أو اللغة أو النسب أو السلالة، أو أي امتياز طبقي ووراثي.

ولقد اتخذ الإسلام ذلك دعامة لجيمع ما سنه من نظم لعلاقات الأفراد بعضهم ببعض، وطبقه على جميع المناحي والأحوال والظروف التي تقتضي العدالة الاجتماعية وكرامة الإنسان أن يطبق في شؤونها.

وإنما يكون التفضيل على أساس بعيد عن نطاق الجوهر "الإنساني" الواحد عند جميع البشر. ولا شك أن تحقق المساواة يتطلب -أو يلزم عنه بالضرورة- قيام العدالة واقعًا، وتمتع الناس بها.

بـ- كفالة الحريات: إن الحريات على اختلافها، التي ضمنها الإسلام للإنسان؛ من حرية الاعتقاد، إلى حرية التفكير والتعبير، والعمل، والحرية السياسية، وضرورة حفظ العرض والنفس والمال -مع التأكيد الشديد على أن ذلك كله أساسه عدم الاعتداء على حق الآخر- هي في الحقيقة من أهم مقتضيات الكرامة، وهي في الوقت نفسه، تعزيز لقيمة الإنسان، وعمل على ترسيخ وتجذير التكريم الإلهي له. وغضب الفاروق عمر  عندما اشتكى القبطي إليه عمرو بن العاص رضي الله عنه وابنَه، وقولته المشهورة "متى استعبدْتم الناسَ وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا"، دلالة على احترامه البالغ للكرامة الإنسانية. وهذا نابع من روح الإسلام، ونظرته السامية إلى الإنسان مسلمًا كان أم غير مسلم.

جـ- مشكلة الرق: ثم يجيء موقف الإسلام من قضية الرق، ومعالجته العميقة لها إنسانيًّا واجتماعيًّا، تأسيسًا على ما كرسه من قيم الكرامة والعدالة والحرية والمساواة. وفي مقدمة عناصر تلك، المعالجة الجامعة -دون الدخول في تفصيلات وتفريعات سبق العلماء إلى درسها- أنه جعل تحرير الرق من مصارف الصدقات، ومن بين كفارات الأيمان، والقتل الخطأ، والفطر في رمضان والظهار.

وخلاصة ذلك كما يصوغها الباحثون، أن رسالة الإسلام أغلقت المصادر والروافد التي تمد نهر الرقيق بالمزيد والجديد، ولم يبق سوى الحرب المشروعة، وحتى رقيقها أو أسراها شرع لهم الفداء سبيلاً لحريتهم، بل ندب المنّ: (فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً)(محمد:4). ثم ذهب الإسلام، فوسع المصادر التي تؤدي إلى تجفيف هذا النهر، بالعتق والتحرير.

ولنا على ضوء ذلك أن نتصور قيمة الدور الذي اضطلع به الإسلام في التكريس لقضية كرامة الإنسان، ومن ثم إحاطة المساواة وأخواتها من حرية وعدالة وغيرهما بسياج متين، عقديًّا واجتماعيًّا وسياسيًّا ومعنويًّا وماديًّا، بما يؤسس -هذا وغيره- لانطلاقة الإنسان في ظل ذلك، نحو تحقيق رسالته، وغاية وجوده على الأرض من بناء وتعمير حضاريين.

من أسس البناء الحضاري

أ- الإنسان: ليس من شك في أن بحث العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها، أمر ضروري وبالغ الأهمية. ولعل من الدقة القول بأن مشكلة كل أمة هي في جوهرها، مشكلة حضارتها، ولا يمكن لأمة أن تفهم مشكلتها وتُعالجها ما لم ترتفع بفكرتها إلى الأحداث الإنسانية التي تكمن فيها، وفيها وحدها عملية قيام الحضارة أو انهيارها. ومن هنا فإن مسألة بناء الحضارة، تتطلب أن نفكر أول ما نفكر، في عناصر ومقومات هذا البناء.

إن إنجاز الحضارة ونموها، يتحقق متى حفظت للإنسان حقوقه الأساسية في الكرامة والحرية والمساواة، حتى تجد طاقته -بما تحفل به من مواهب وطاقات متعددة- مناخها الصالح الذي يتيح لها أن تنمو وتنتج، وإن فقدت هذا المناخ، انكمشت وضمرت، وفقدت قابلية التحرك المجدي والإنتاج النافع

ويرى فلاسفة الحضارة، أن هناك عوامل عديدة تؤسس لقيام أية حضارة، منها العلم والقيم من حقٍّ وخير وجمال. وللقيم دور كبير ليس في تأسيس الحضارة فحسب، ولكن في الحفاظ عليها وضمان استمرارها، ومع هذا يمثل الإنسان الأهمية المقدمة في هذا الصدد. فالحضارة تعتمد على أقصى تطور ممكن في قوى الكائنات الإنسانية الفردية، وما القيم المذكورة إلا تجليات لتجربة الأفراد. ولهذا يرى المنظرون لإشكالية قيام الحضارات وانهيارها، أن أي نظام، سياسي أو ديني أو تعليمي أو ثقافي أو اجتماعي، لا يوفر المناخ الإنساني المناسب لخصوبة الحياة والعطاء والإبداع، لا تلبث أن تتلاشى وتتبخر في حرارة الطغيان والاستبداد. وانطلاقًا من ذلك، لا بد من استحضار قضية حرية الفرد بصورها المختلفة، إذ لا سبيل إلى الوصول للحضارة بغير "حريات" الفرد.

إن الحضارة تقوم أول ما تقوم على الإنسان، وتقوم للإنسان، حيث إن هدفها الأساس هو تنميته، وتطويره، وتلبية حاجياته، وتحقيق إنسانيته في أبعادها وجوانبها المتنوعة؛ السياسية والاجتماعية والاقتصادية. ولهذا فدوره في منظومة الحضارة مركزي إلى أبعد حد، أو هو -كما يرى بعض الباحثين- الخلية الحضارية الأولى التي يجب تكوينها وبناؤها ورعايتها متناغمة مع شروط النهضة وحيثيات الحضارة. ولو توفر الحرص على تنمية قدراته، وصقل مواهبه، ونفض غبار التخلف عن عزيمته وتفجير طاقاته، لاستيقظت روح العمل فيه وتدفق عطاؤه الحضاري. ويمكن القول في هذا السياق، إن أعظم اكتشافات اليابان هو الإنسان ذاته، إذ به نهضت، وبه تجاوزت نكبة القنبلة الذرية، وبه شيدت حضارة تطاول بنيانها.

إذن، فضمان الشعور بالكرامة الإنسانية، هو ما يحرر الفرد من كل خوف وضغط يميلان عليه. وفي ذلك يرى مؤرخ الحضارة "ول ديورانت" أن الحضارة تبدأ حيث ينتهي الاضطراب والقلق؛ لأنه إذا ما أمن الإنسان من الخوف، تحررت في نفسه دوافع التطلع، وعوامل الإبداع والإنشاء، حينئذ لا تنفك الحوافز الطبيعية تستنهضه للمضي في طريق فهم الحياة وإزهارها.

ويرى الفيلسوف "هيجل" أن فكرة الحرية هي جوهر العقل، والعقل هو الذي يحكم العالم، وعبقرية الأمة التي تتجلى في الأفراد هي الخالق الحقيقي للحضارات.

أما مالك بن نبي -واتساقًا مع ما سبق شرحه- فيرى أننا إذا أردنا تحليل منتجات أية حضارة لنقف على أسس بنائها، نجدها تتكون من ثلاثة عناصر: الإنسان لأنه ولد هذه المنتجات بفكره وصنعها بيده، التراب ومنه كل شيء على الأرض وفي باطنها، الزمن وهو الوقت الذي اختمرت فيه فكرة هذا المنتج أو ذاك وتبلورت في صورتها القائمة.

ويمكن صياغة ذلك في معادلة رياضية، يحرص مالك بن نبي على إيرادها في غير موضع على هذا النحو: الحضارة = الإنسان + التراب + الوقت

وبقليل تأمل إذن، نقف على الدور المحوري المقدم للإنسان في المسألة الحضارية، وهذا يستوجب إعداد هذا الإنسان وتكوينه، وبناءه بناء يجعله قادرًا على صنع الحضارة، لا على "تكديس" منتجاتها واستهلاكها.

بـ- الروح والمادة في البناء الحضاري: ليست غائبة عنا فكرة الدين ودورها الأساس في بناء الحضارة، بما تقدمه من رؤية مرجعية في الثقافة والسياسة والاجتماع والاقتصاد، بل ورؤية أشمل إلى الكون والوجود والإنسان ذاته، تتبدى على مكونات الحضارة ومقوماتها المختلفة، وهنا تبرز أهمية الإنسان وقيمته وكرامته في الثقافة الإسلامية. إذن الفكرة الدينية رافقت دائمًا تركيب الحضارة خلال مسيرة التاريخ الطويل، وهو أمر معروف -أو محسوم في أكثر الأحيان- لدى الباحثين والمفكرين.

وفي هذا الإطار، يرى بعض فلاسفة الحضارة، أن الحقيقة الأولية الواضحة التي تنذر بانحلال الحضارة الغربية، هي أن تقدمها المادي أكبر بكثير من تقدمها الروحي، وهذا اختلال للتوازن. فالاكتشافات التي جعلت قوى الطبيعة تحت تصرفنا على نحو لم يسبق له مثيل، هي نفسها التي أحدثت ثورة سلبية في العلاقات بين الأفراد بعضهم ببعض، وبين الجماعات والدول.

وبعيدًا عن الاختلاف الشديد حول مفهوم الحضارة والثقافة، فلعل من الجدير ذكره أن مفهوم الحضارة يشمل كل ما من شأنه تحقيق الحياة الإنسانية الكريمة والرقي بالإنسان؛ ثقافة وقيمًا وسياسة واجتماعًا واقتصادًا. وقد أكد بعضهم أننا مهما فرقنا بين المدنية والحضارة، فلا يمكن تجاهل التأثير المتبادل بين النشاط الروحي والنشاط المادي في الحياة، ولكل دور بالغ في توجيه الآخر.

إن أي مجتمع إنساني، يتخذ السمة الحضارية، إذا توفرت فيه شروط أساسية، تتجاوز المظاهر المادية إلى القيم المعنوية تحقق لديه الاستقرار. فالوحدة في أصل النشأة لدى البشر، قيمة معنوية ذات مدلول بالغ وأثر فاعل في المسألة الحضارية، لما ينشأ عنها من التعاون وتضافر الطاقات فيما ينفع البشر جميعًا، لأن هذه القيمة المعنوية توفر الاستقرار النفسي والاطمئنان الوجداني الذي يدفع إلى الإنجاز المثمر.

ولهذا يمكن الجزم بأن إنجاز الحضارة ونموها، يتحقق متى حفظت للإنسان حقوقه الأساسية في الكرامة والحرية والمساواة، حتى تجد طاقته -بما تحفل به من مواهب وطاقات متعددة- مناخها الصالح الذي يتيح لها أن تنمو وتنتج، وإن فقدت هذا المناخ، انكمشت وضمرت، وفقدت قابلية التحرك المجدي والإنتاج النافع.

إذن إن الكرامة التي يقررها الإسلام للشخصية الإنسانية، تشمل الحماية والحصانة المكفولة للإنسان، والتي يستغلها من طبيعته: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)، وتشمل عزة وسيادة تتغذيان من عقيدته: (وَلِلهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ)(المنافقون:8)، ليترتب على ذلك كرامة أخرى هي كرامة استحقاق وجدارة، يستوجبها بعمله وسيرته في حقل الإثمار الحضاري بأبعاده المختلفة، قال تعالى:  (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا)(الأحقاف:19)، وقال تعالى: (وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ)(هود:3).

وإجمالاً، تنتهي الحضارة -أية حضارة- عندما تفقد في شعورها معنى الإنسان. والحضارة الإسلامية انطفأت جذوتها يوم فقدت في أساسها قيمة الإنسان. وإذا كانت هناك محاولات نهوض حقيقي في العالم الإسلامي، فلن تنجح إلا بقدر ما تضع في ضمير المسلم من قيمة وكرامة، له وللآخر، حتى لا يقع في هاوية العبودية أو الاستعباد.

(*) جامعة الأزهر الشريف / مصر.

 

 

 

إقرأ المزيد