العدد 49 / السنة العاشرة / (يوليو-أغسطس) 2015

  • 1
  • 2

هو الإسلام

د. عبد الرحمن العشماوي - avatar د. عبد الرحمن العشماوي - شعر

هو الإسلام

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ ويُبنى من مبادئه النظامُ وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق ولا عانتْ من الباغي شآمُ ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ له في الهند... إقرأ المزيد

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

صهيب مصباح - avatar صهيب مصباح - ثقافة وفن

 عندما يتأمل الإنسان طبيعة الحوار وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام -منذ بدايته- دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. ومن ثم فهو دين تفاعُل واتصال وخروج للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة -الغيبية، والعقلية، والكونية، والإنسانية، والتشريعية- على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين، بحثًا عن الحق وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام، فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم... إقرأ المزيد

 إن الأزمة الفكرية التي مرّت ببعض التجمعات الإسلامية أتنجت تطرفًا وغلوًا على الصُّعد الدينية والسياسية والاجتماعية، والأسباب التي أنتجت هذا التطرف كثيرة ومعقدة ولكن عتاب الفقه الصحيح للنصوص الشرعية والجهل بمقاصد التشريع للجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كان سببًا رئيسًا بل هو قاسم مشترك في أدبيات تلك الأفكار المتطرفة. ولعليّ اتناول قضيتين معاصرتين كشاهد على أهمية الوعي المقاصدي في علاج تلك الأزمات المعاصرة:

1-  مقاصد المقاومة المشروعة في العمل الجهادي الحاضر

استكمالاً للموقف الشرعي من الجهاد المعاصر، أشير إلى غياب مقاصدية المشروع الجهادي في كثير من ممارساته المعاصرة والتي أبطل بعضها شرعيته، أو مصالحه على الشعوب والأوطان المحرّرة، ولعلّي في هذه الوقفة أؤكد غاية الجهاد ومقصده الذي يجب أن يعود إليه، كلما تغيرت أحوال السياسة أو تفردت به أقوال بعض المفتنين.

  فالأصل أن مقاومة المحتل المغتصب، في كل الشرائع والملل، عمل بطولي مشرف مهما كانت طبيعة الغاصب المعتدي من حيث الفكر والجنس، ومهما كان هذا المقاوم من حيث الهدف والتوجّه. وجميع الشعوب البشرية تفاخر بشهدائها، وتقدّس دماءهم الزكية اللاهبة بالنُّصب التذكارية والأعياد السنوية كطبيعة لفطرة الإنسان وميوله نحو الحرية والعدالة ومقاومة الاستبداد.

والفلسفة الإسلامية للمقاومة ورد العدوان يُصطلح عليها بـ"الجهاد" –كما هو معروف في الأوساط الفقهية- وكمفهوم له دلالاته المستوحاة من معناه اللغوي؛ فمعطياته اللغوية واستعمالاته الشرعية تعود في مجموعها إلى بذل الجهد والاجتهاد في التبليغ والدعوة والقتال، والجهاد لم يشرع إلا كوسيلة لحفظ الدين ونشره والدفاع عن دعاته ومبلغيه، وحماية لبيضة المسلمين، ومواجهة جميع المعتدين والمحتلين لأراضي الأمة ومكتسباتها؛ ولا شك في أن هذا يقتضي بذل الغاية من الجد والاجتهاد.

والقائد المسلم حامل لواء العمل بالجهاد سواء أكان قتاله للطلب والدعوة أم للدفع والمقاوة، عليه مسؤولية كبرى في حماية هذا المسلك الخطير من النزوات النفسية والمطامع الدنيوية؛ حتى لا يكون جهاده تنفسيًا للغرور بالقوة أو العلو في الأرض، والقادة والجنود في حالة المقاومة أو النصرة عليهم واجب المراعاة التامة لمقاصد الجهاد في حفظ الدين وليس تضييعه وحقن الدماء، وليس سكبها رخيصة في كل وادٍ يمرون فيه، وأن الأرواح التي تزهق بسببهم هي في ذمتهم أحياء وأمواتًا، وقطرات الدم التي تُراق بغير وجه حق هي أعزّ عند الله تعالى من الكعبة ولو نقضت حجرًا حجرًا.

والتاريخ الإسلامي -في بعض مراحله- لم يسلم من تلك الخروقات المشينة لمحاسن ذلك التشريع، وحسبنا النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين أنموذجًا يقتدى به في حماية الجهاد من التضييع لمقاصده أو الإخلال بمعانيه. وبما أن الجهاد لم يكن بنفسه هدفًا أو غاية، بل كان وسيلة لتحقيق مقاصد الدعوة والإصلاح، فإنه لم يشرّع إلا في حالة استنفاد المسلمين خيار السلم والمحاورة بالتي هي أحسن، ثم بعد استنفاد خَيار الجزية بحماية الآخر مقابل مال عادل يؤخذ من أقويائهم، ويردّ في حماية أوطانهم؛ مع فتح الحدود لتبادل العلاقات ونشر الدين من غير إكراه أو إجبار. وحتى لو انقضت تلك الخيارات فإن المسلمين لا يقدمون على القتال، وما زالت هناك مجالات أخرى يحسن فيها تبليغ الدين من غير المواجهات أو القوة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم" (رواه أحمد). وهذا يدل على عموم مفهوم الجهاد لكل وسائل الدعوة والتبليغ، سواء أكانت بالوسائل السلمية الفكرية والإعلامية والمدنية أم من خلال الأدوات القتالية التي جعلها القرآن آخر الدواء، وأضعف المحاولات، وأكرهها على النفس؛ كما ورد في القرآن: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾(البقرة:216). وقال تعالى: ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾(الأنفال:7)، وغيرها من النصوص. هذه الفلسفة الجهادية لو تأمّلناها من خلال كل النصوص من غير تجزيء لمفرداتها، وأعملنا القواعد الكلية والمقاصد المرعية؛ فإن الجهاد يأتي، حينئذ، كلبنة في مشروع بناء مجتمع أمثل يعمه الأمن والاستقرار، ولا يأتي القتال إلا كحالة استثنائية لها شروطها الصارمة، وليس بابًا نحو الفتن والشرور وانتهاك الحرمات، لذا فهو جزء من معركة الإصلاح التي يدعو إليها الإسلام في معركته مع الأهواء المضلّة والنفوس الظالمة والعادات الباطلة، هذه الفلسفة الجهادية كانت واضحة في الوعي الديني لدي جيل التأسيس من الصحابة رضي الله عنهم عبّر عنها ربعي بن عامر رضي الله عنه لما سأله رستم عن هذه الفلسفة ومبادئ مشروعهم التوسعي فقال له: "الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام".

هذه القيم هي أبجديات الإصلاح المنشود من وراء أي مواجهة للمسلمين مع غيرهم، سواء أكانت حربًا مادية أم صراعًا حضاريًا أنتجته العولمة المعاصرة. وفقدان الفرد المسلم لهذه المعاني يحرمه من القوة المعنوية التي تمنحه الصمود والقيام بدوره في الشهود الحضاري.

والأمة الإسلامية، هي تمر بمحنة الاعتداء اللطيف والعنيف في بعض دويلاتها، حيث تحتل العراق وأفغانستان وفلسطين بذارئع ماكرة كتحرير الإنسان من الظلم أو نشر الديمقراطية الغربية، أو استعمار تلك الدول والنهوض بها، فكل تلك الشعارات قد احترقت، وتلاشت مع البوارج المدمّرة والطاءرات المحرقة والتفجيرات الانتحارية. فالوضع الراهن بوضوحه للرائي والسامع شجع على إحياء الدعوة للقتال من أجل رفع العدوان، ولا أستنكر هذا الخيار الذي دفعهم إليه، وسوّغه لهم الاستكبار الغربي والعنهجية الإمبريالية المعاصرة، ولكن قبل هذا العلاج هناك شروط مهمة وسنن ضرورية في جعل القتال مشروعًا إصلاحيًا، وليس وسيلة نحو المناكفة المهزوزة أو ردة الفعل السريعة الخاطئة.

إن تحرير الأوطان هو من أجل الأعمال؛ فهو إحقاق للعدل ورفع للظلم وبناء للمجتمع وحماية للإنسان، فإذا كان تحريرها على أيدي أبطال معركة السلاح من غير عدة متكاملة لمشروع الإصلاح الواعي؛ فإن مصيرهم الإخفاق في التحرير والاستقلال، والثورات العربية في منتصف القرن الماضي وقعت في هذا الخلل الذي جعل شعوبهم يحنّون إلى عصور الاستعمار الأجنبي، ولو كان بغيًا وعدوانًا! فالمقاتلون الذين لا ينظرون سوى إلى دحر العدو، قد يقعون في عداوة أنفسهم إن لم يهذِّبوها من الأطماع والمصالح الفردية، وهذا ما جعل الجهاد الأفغاني -الذي سَرَت في وديانه الكثير من الدماء الزكية والتضحيات الغالية، وهزمت على جباله جيوش السوفيات القمعية- يخفق في أول اختبار حقيقي مع النفوس التي لم تتحرر من أهوائها وحظوظها، ويُرجِع كل الإنجازات الماضية إلى ليل بهيم من الدمار، والتشتت والخراب المجتمعي.

لا أظن أن هناك مراجعة حقيقية للتجارب الجهادية المعاصرة، بل أرى أن الأخطاء تتكرر في كل ميدان ينقلب فيها الجهاد المشروع إلى معول للإرهاب والقتل الممنوع، وتستغل مشاعر الشعوب المقهورة بعنتريات مفضوحة يتكرر فيها أكل الثور الأبيض أمام مرأى المشاهدين الصامتين أنفسهم.  

 

 

 

إقرأ المزيد

ولد السلطان عبد الحميد الثاني خان في 21 سبتمبر عام 1842م في قصر "جيراغان" من الزوجة الرابعة للسلطان "عبد المجيد" وتدعى "تيرِموجْغان" (Tir-I müjgan) الشركسية الأصل. توفيت والدته وهو في العاشرة من عمره. فعهد به والده السلطان "عبد المجيد" في هذه السن إلى زوجته العاقر "برستو" (Perestu). وظل تحت رعايتها. ويقول هو نفسه عنها: إنه تربى على يد أم حنون بحق. لذا خلع عليها لقب "السلطانة الوالدة" عند توليه العرش بعد 28 سنة.

تلقى الأمير عبد الحميد الثاني، الذي عاصرت طفولته وصباه أزهى سنوات فترة التنظيمات، تعليمًا خاصًا مع شقيقه "مراد الخامس". وطبقًا لتقاليد القصر المعتادة، تلقى تعليمه الأول على يد أساتذة متخصصين مشهورين بإلمامهم التام بأمور الدولة وعلومهم الغزيرة. وكان شديد الذكاء، يتمتع بذاكرة قوية جدًا، وكان يسعد كثيرًا بممارسة الأعمال اليدوية. وتعلم اللغة التركية على يد "كَرْدَانْقِيران عمر"، والفارسية على يد "فريد أفندي"، وتعلم الفرنسية مع كل من "أدهم" و"كمال" باشا وأحد الفرنسيين يدعى "كاردت".

وتلقى الموسيقى والبيانو من الإيطاليَين "غواتَلِّي" و"لومباردي". ولديه كذلك جانب شعري إذا تأملنا الأشعار التي كتبها حتى لو كانت قطعة أو قطعتين.

اعتلى السلطان عبد الحميد خان الثاني عرش الدولة العثمانية يوم الخميس 21 أغسطس عام 1876م، بناء على وعد بينه وبين "مدحت باشا" ورفقائه الذين كانوا يطالبون بفتح مجلس المبعوثان وإعلان الدستور وترسيخ حكم دستوري يدعمه القانون، ولهذا السبب خلعوا كلاً من السلطان "عبد العزيز" و"مراد الخامس" عن العرش.

وكان ترتيبه بين السلاطين العثمانيين 36 إذا أخذنا في الاعتبار كلاً من الأمير "سلمان" والأمير "موسى جلبي" الذين أعلنا سلطنتهما في عهد "الفترة"، وإن لم نعتبرهما فترتيبه 34.

تمت مراسم "حفل الجلوس" في 31 أغسطس 1876م، في تمام الساعة 12 ظهرًا، حيث اعتلى كرسي العرش الذهبي في قصر "طوب قابي". وطبقًا للعرف تم ربط سيف على خصره، ثم توجه مع "جماعة حملة السيف" يوم الأربعاء 7 سبتمبر1876م إلى حي "أيوب" بالمركبة السلطانية. ثم ذهب إلى قصر "طوب قابي" وهو يمطي حصانًا. ومن هناك مر بالمركبة السلطانية أيضًا على قصر "ضُولْمَه باغْجَة" وعند عودته –وكما تقتضي العادة- قام بزيارة بعض بعض قبور أجداده، وقام بتوزيع الصدقات. وفي يوم 14 سبتمبر ذهب إلى "سَرْ عَسْكَرْلِقْ": القيادة العامة (جامعة إسطنبول حاليًا)، وتناول الطعام مع ضباط البحرية. وألقى هناك خطبة، وعقّب المشير "رادف" باشا على خطبته.

وفي مساء يوم 15 سبتمبر تناول الطعام في قصر "يِلْدِزْ" مع الوزراء ورجال الدولة ورجال القصر. وألقى خطبة عن عن حتمية أن ينسى جميع الحاضرين كل خلافاتهم، وأن يوجهوا جهدهم فقط لخدمة الدولة. وذهب يوم 18 سبتمبر إلى "هيئة الرقابة البحرية" في منطقة "قاسم باشا"، وتناول الطعام مع "الأَمِيرْ آلايات" والضباط من نفس أوانيهم. وفي يوم 5 أكتوبر زار "المشيخة" وتناول الإفطار مع السادة العلماء. وفي 9 نوفمبر سأل "حيدر باشا" عن حالة الجنود المصابين في المستشفى العسكري. وصاحب الأمراء والمحافظين في نزهات بحرية في بحر مرمرة والبسفور والبحر الأسود. وصلى مع العامة في المساجد.

وهكذا لمع السلطان كحاكم ديموقراطي لم يُر مثله من قبل. وتحتل فترة توليه الحكم كحاكم من سلاطين آل عثمان -التي استمرت 32 سنة و7 أشهر، و27 يومًا- من حيث طول المدة المركزَ الخامس بعد السلطان "سليمان القانوي"، و"عثمان الغازي"، و"محمد الرابع"، و"أورخان الغازي". بينما تحتل فترة حكم السلطان "محمد الفاتح" المركز السادس.

اتسمت فترة حكمه -التي بلغت مدتها الفعلية 30 سنة و5 شهور و8 أيام من مجموع فترة حكمه التي تقترب من 33 عامًا- بحكمه الفردي في إدارة الدولة. فشهد عصره تجميد مجلس النواب،ة وإعلان الدستور الثاني. وفي يوم 27 أبريل 1909م تم خلعه من العرش وهو 66 من عمره و7 شهور و7 أيام. ولكن بنص الدستور الثاني اعتبر خلعه وهو في 66 عام و9 شهور و5 أيام. وبعد خلقه تم نفيه هو وأسرته إلى "سلانيك". وعاش محبوسًا لمدة ثلاثة سنوات ونصف في عصر "آلاتيني" المملوك لأحد أثرياء اليهود. وبسبب اندلاع حرب البلقان عام 1913م، وتعرض مدينة "سلانيك" للخطر، تم إقناعه بصعوبة بأن يتنقل هو وأسرته إلى إسطنبول، على الرغم من رغبته ألا يبرح مكانه. وهناك عاش حياته تحت المراقبة في قصر "بَيْلَيرْبَيِي". وتوفي السلطان عبد الحميد الثاني بمرضه نتيجة تقدم السن به في 10 فبراير 1918م عن عمر يناهز 76 سنة. ويقع قبره في مبنى ضريح السلطان "محمود الثاني" بـ"جَمْبَرلِي طاش" بمدينة إسطنبول.

 سماته الشكلية وبعض مميزاته الشخصية 

"كان السلطان عبد الحميد عريض الصدر، مشدود القامة، متوسط الطول، يتمتع جسده بالتناسق والرشاقة. وكان هادئًا تبدو عليه ملامح الريبة على حد تعبير والده السلطان "عبد المجيد". حديثه شديد الهدوء، يتكلم كلمة كلمة. بشوش الوجه. وكان يأسر قلوب الناس بوجهه الباسم وحديثه العذب. لم يكن يُسعده الضحك قهقهة، لدرجة أنه لم يره أحد قط ضاحكًا بصوت عال. كانت مشيته متواضعة وشديدة الوقار. وكان غاية في الوداعة. كان مختلفًا في كل أحواله، رقيق الإحساس جدًا، حريصًا لأقصى درجة لكيلا يجرح قلب أحد. إكتسب بذكائه ومعاملته الرقيقة الودودة اقدير الغرباء. لذا كان يدير أموره بسهولة. وكان يفاجئ القائمين على خدمته بتصرفاته التي تكاد تقترب من الكمال في كل أحواله ومواقفه، وكانوا في ذات الوقت يعتزون بخدمته، ويتسابقون في تأديتها".

كان حريصًا على انتقاء الملابس النظيفة البسيطة المهندمة الملائمة لسنه، ولا يحبذ أن يُرص عليها الحلي من أمثال الرتب وما شابهها. فكان يحمل في رقبته نيشان "سلالة آل عثمان" فقط. وكان يرتدي -صيفًا وشتاء- معطفًا طويلاً من أقمشة رقيقة أو سميكة يصطف عليه من الأمام صنفان من الأزرار. وكان يفضل الأقمشة الأنسب للصحة. وكان يشير إلى أهمية الملبس  والمظهر، موضحًا أن فوضوية الزي تنبع من تشتت الفكر، وأن الزي النظيف المهندم إلى درجة الأناقة يعبر عن حياة منظمة. ومع نهاية القرن 19 وبدايات القرن 20 أصبح السلطان عبد الحميد الثاني أحد الشخصيات التي أكثر العالمُ في الحديث عنها.

يحكي عنه "عبد الرحمن شرف أفندي" أخر كاتب وقائع (مؤرخ الأحداث) الدولة العثمانية فيقول: "كانت أمارات السلالة العثمانية واضحة جدًا على وجهه وبنيته. كان رجلاً ذكيًا وحساسًا، سريع الفراسة، قارئًا جيدًا للأحداث من حوله. رقيق المعاملة دائمًا، عذب الصوت. يصون بكل كيانه وقارَ وعزةَ مقام الخلافة والسلطنة. لديه القدرة على توجيه تهديده في المكان الصحيح. يعرف متى يُظهر شدته، ومتى يسكن غضبه. لطيف دائمًا مع حاشيته، لديه القدرة على أسر الأجانب الذين يقابلونه. بينما يشرح "ناهد سري أوريك"، أحد شهود العيان على عصره، محللاً: "وفي حين أنه كان قليل البضاعة فيما كان يتمتع به أغلب أجداده من دراية جيدة بالشعر والموسيقى وفن الخط، إلا أنه بالمقابل كان ذا مهارة بارعة في حرفة النجارة، حتى يُروى أنه كان يصنع العصا للجنود الذين فقدوا أرجلهم في حرب اليونان. وتظهر تلك المهارة في عدة حزانات وغيرها صنعها بيده. واشتهر أيضًا بمهارته في استخدام السلاح وركوب الخيل. كان متوسط القامة، يميل وجهه للدمامة أكثر مما يميل للجمال بسبب أنفه الكبير. كان صوته غليظًا ولكنه كان متناغمًا. وعلى الرغم من قصر قامته إلى حد ما وعدم وسامته إلا أنه كان يتميز بالحلاوة المشوبة بالمهابة. وكان يفيض عذوبة ومودة تؤثران على محدثيه، يسلِّم بهذا من يحبه ومن لا يحبه. كان متواضعًا لدرجة أنه حينما كان يتحدث عن قصره كان يعبر عنه بـ"بيتنا" بدلاً من أن يقول: قَصْرُنا". 

 

 

 

إقرأ المزيد

 نشر درس جديد للأستاذ فتح الله كولن على موقع (herkul.org) يوم الأحد 23 أغسطس 2015 بعنوان "الحال والأمل "، حيث ركز الأستاذ كولن على قضيتين مركزيتين؛ أولاهما الالتزام بالأمل وخاصة في أحلك الظروف حيث قال "كلما كان الإيمان قويًّا كلما كان الأمل أكبر" ثم نبه في القضية الثانية إلى أهمية تمثيل الإسلام حق التمثيل معتبرًا أن أغلب المسلمين لم يكونوا بالمستوى المرجو منهم لدرجة أن كثيرًا منهم قد يصبحون حاجبًا للحقائق الإيمانية. هذا ويمكن تلخيص ما ذكره الأستاذ كولن في النقاط التالية:

  •   الذين يبتغون من عملهم وجه الله فقط، هم الوحيدون الذين يستطيعون الثبات أوقات الشدة.
  •   غايتنا التحقق بالإخلاص، وعلينا أن نربط كل عمل بمرضاة الله تعالى ونتَّشوق إلى لقائه عز وجل. وحتى لو أقبلت علينا الدنيا بملذاتها كلها فلا يجب أن نتزعزع قيد أنملة عن غايتنا.
  •   رضا الله أهم شيء، وهو هدف غال وصعب المنال.
  •   لغة الحال حل لكل إشكال.
  •   مع الأسف الشديد نحن كمسلمين بتمثيلنا السيء قمنا بحجب الحقائق الإيمانية عن الإنسانية، كما يحجب الكسوف والخسوف الضوء عن الأرض.
  •   في اللحظة التي يتخلص الإنسان من أنانيته سيستطيع فهم الحق وإعلاء كلمة الله وشد الرحال نحو غاية سامية.
  •   الإنسان إذا رسم غاية وعمل على بلوغها فسيقوم بشحذ كل حركاته وسكناته من أجل تحقيقها.
  •   سنُوصل دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كل حدب وصوب، وسنضع لكل مشروع عشرات الطرق والمسالك، وسنجلس ببسم الله ونتنفس ببسم الله ونتوقف ببسم الله ونتحرك ببسم الله، عندئذ ستفرش لنا الورود في طريقنا من حيث لا نحتسب.
  •   الأمل هو إيمان قبل كل شيء، فالمؤمن مفعم بالأمل دائمًا.
  •   الأمل هو الثقة بالله ومجاهدة النفس بالإرادة الجزئية، فالله إذا رزقنا هذه الإرادة فلماذا سنقع في اليأس؟.
  •   المجاهدة الحقيقية هي إزالة الموانع بين العبد وربه.
  •   كلما كان الإيمان قويًّا كلما كان الأمل أكبر.
  •   بالأمل نقطع المسافات الطويلة؛ وبالأمل نستطيع قطع أنهار القيح والدم، وبالأمل فقط نستطيع الثبات والوصول إلى الغايات السامية.
  •   الذين يخسرون في عالم الأمل يخسرون كذلك في حياتهم الدنيوية.
  •   إذا تمسكتم بالقرآن الكريم وبالقيم الإنسانية الكونية، ستستطيعون فتح القلوب بأمل منقطع النظير. 

 

 

 

إقرأ المزيد

 سمعتُ وقرأت عن التدبُّر، وبمحاولة صغيرة جرّبت تفعيل التخيُّل في القراءة، فتفتحت لي عوالم عجيبة مغرية!

هل ورد لفظ الخيال في القرآن الكريم؟

ورد بلفظ الفعل: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾(طه:66)، وبحث الخيال في القرآن لطيف طريف تمنيت أن تُكتب فيه رسائل علمية.

في "التكوير، والانفطار، والانشقاق"؛ حديث عن القيامة "كأنه رأي عين"؛ كما ورد في حديث عبد الله بن عمر مرفوعًا: "من سره أَن ينظر إِلى يوم القيامة كأَنه رأْى عين فليقرأ "إِذا الشمس كورت" و "إِذا السماء انفطرت" و"إِذا السماء انشقت" (رواه أحمد)، يجعل المؤمن يحس بأن انهيار نظام الكون المادي -كما وعد الله- آتٍ لا محالة، وربما قرأ السورة فتداعى إلى مخيِّلته المشهد كأنه يحدث الآن!

حين يحدِّثنا الله عن الجنة ونعيمها، ويُسمي لنا ما فيها، فذلك لأنه زوّدنا –سبحانه- بملكة التخيُّل؛ التي تجعلنا نتصوَّر تلك الأشياء، وإن كان ما في الجنة مختلفًا عما نعهد، ولكن يصدق عليه الاسم.

الفواكه، والأنهار، والمجالس، والسرر، والمتع، والنعيم.. تشبه ما عهدنا في الدنيا مع الفارق العظيم ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾(البقرة:25).

حتى قال ابْن عباس -رضي الله عنهما-: "ليس في الجنة شيء مما في الدنيا إلا الأَسماء" (رواه أبو نعيم ) في "صفة الجنة".

 حين تتخيَّل نفسك وأنت تدلف إلى الجنة، وتستقبلك حورها وقصورها، وأنت تعيش فيها آمنًا؛ بلا خوف من الزوال، ولا من المرض، ولا من الموت، ولا من الأعداء، ولا من أحد.. ولا سلطان للحزن، ولا للألم، ولا للزمن عليك.. بل تعيش بالحب، والرضا، والطلبات المحققة؛ بلا تردد، ولا تأخر، ولا انقطاع.

حين يسرح خيالك، وتجعل روحك تهيم في ذلك العالم؛ العلوي، الغيبي، الجميل، المبهر.. يتحوّل إيمانك إلى حقيقة قلبية وحافز للعمل والصبر، وحاجز عن الإغراق في المتاع الدنيوي؛ خاصة حين يكون مشتبهًا أو محرَّمًا؛ لأنك تعيش حلمًا موعودًا غير بعيد.

وهذا يجعل النقلة إلى ذلك العالم بالنسبة لك ليست انقطاعًا، ولا فناء وعدمًا محضًا، بل تحول من عالم ضيق محدود مشحون بالآلام والمخاوف والاحتمالات والمظالم، إلى عالم العدل المطلق، والرحمة، والفضل، والجود، والعطاء الإلهي.

وكذلك ما يتعلق بالوعيد والعذاب للمكذِّبين، والمفسدين، والظالمين؛ يغدو رادعًا لك عن العدوان على بشر أو حيوان أو طير، وسببًا لشفافية قلبك وحساسيته من البغي على العباد، ولو كان البغي بكلمة أو حركة أو أمر يسير. فأنت تراه بعينك وقد وضع في كفة ليست لك بل عليك.

وهو العدل الذي لا ظلم معه، فليس أحد يعذَّب في الآخرة وهو يصيح: أنا مظلوم!

كلا.. كلا؛ ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لأَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(الملك:11).

 وهذا يشعرك بالإنصاف، ويقرب إليك لحظة القصاص من المجرمين والمعتدين والقتلة؛ سواء كانوا قتلة باسم الدين، أو السياسة، أو لمجرد الإجرام.

تخيّل مشاهد الأنبياء وحياتهم ودعوتهم وأقوامهم، وتكرار ذلك بواسطة تكرار القراءة للقصص القرآني يحوّل العلاقة بهم إلى صلة وثيقة، ومعرفة متزايدة، وإدراك واقعي لكثير من تفصيلات أحداثهم.

صرت تعرفهم وتتذكر مواقفهم التي مرّوا بها كأنك شاهدتها من قبل، ليس عبر شاشة أو عرض درامي.. بل على الأرض والطبيعة والميدان.

والقرآن يسوق القصص والوعد والوعيد بمفردات وتعبيرات وأوصاف تحفز الخيال، وترسم ملامح المشهد الغائب وكأنه حاضر مشهود.

ولذلك أمثلة تفوق الحصر؛ كما في قصة ابن نوح والطوفان: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾(هود:42-43).

 وكما في حوار أهل الجنة وأهل النار في سورة الأعراف: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى اْلأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾(الأعراف:46).

وكما في وصف الفريقين في سورة الزمر: ﴿وَأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ﴾(الزمر:69). ثمَّ خيال يكشف لك المستقبل، ويستدعيه في صور تظل تلح عليك، وتفعل فعلها في وجدانك وشخصيتك.

وثمَّ خيال يصوِّر الحاضر البعيد الذي لا تطاله عيناك.

وثمَّ خيال يرسم الماضي، وينقلك إلى الغابر من أحوال الأمم والرسل، وصراع الحق والباطل.

الله تعالى وحده لا يلحقه خيال ولا تصور، فكل ما خطر ببالك فالله ليس كذلك: ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾(طه:110)، ﴿وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاءَ﴾(البقرة:255).

ولعل هذا من معاني قول الحق –سبحانه-: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾(الصَّافَّآت:180)، فيشمل تنزيهه تعالى عما لا يصح من صفات النقص وأوضاع المخلوقين؛ كما كان يقول المشركون والمحرِّفون.

ويشمل رفض كل خيال يلحق ذهنك حين تقرأ أسماء الله وصفاته وأفعاله، فالقارئ لا ينفك عن خيال، ولكنه خيال منفي؛ لأنه سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾(الشورى:11).

وبمقدور المؤمن أن يُثبت كمال البارئ وجماله وجلاله، وسائر ما أثبت لنفسه من جميل الأسماء والأوصاف والأفعال دون أن يقع في تخيُّل صورة ما، بل يجرِّد مولاه عن تلك التصورات المعيبة؛ التي تداعت إلى الذهن بحكم الدلالة اللغوية أو العرف البشري المحدود، فالله أعظم من أن يُحيط به عقل، أو يُدركه وهم، أو يلحقه خيال.

وهنا يتجلَّى الفرق الكبير بين الروح الصافية الواعية العاقلة المترقية في مدارج الكمال والعبودية، وبين الأرواح الكثيفة الضعيفة المأسورة المقهورة المتثاقلة كأرواح العوام!

ويظل المؤمن مجاهدًا في تحقيق هذا المقام الأعظم والترقِّي فيه، وفي التوازن بين الشعور بالحب، والشعور بالخوف منه، وبالرجاء فيه، وفيما عنده؛ مستعينًا بربه في الوصول إلى أكمل حالاته؛ التي يحب أن يلقى ربه عليها.

وله الحمد، وهو المستعان، وبه المستغاث، وعليه التكلان، ولا حول ولا قوة إلا به.

 

 

 

إقرأ المزيد

 تعرضت أمتنا عبر آماد طويلة لحملات شرسة من التهديم التي أتت على كل نافع وجميل، وهي تحتاج لجهود كافة القادرين على البناء في شتى ميادين الحياة التي صارت يبابًا في كثير من مساحاتها، ولاسيما في ميدان الإنسان.

 ولابد أن يمتلك هؤلاء البناؤون من الخِلال والخلائق في دائرتي المعرفة والإخلاص ما يمكنهم من إعادة الأمة إلى أصلها الثابت حتى يشمخ أنفها في عنان السماء.

   إنه في عمارته للحياة وطلبه للرزق "يَنْصَبُ" في عمله، ولا يمكن أن يكون "نصّابًا"، يجد ويجتهد، يدأب ويتعب، يُسدي حُزم المعروف ويحارب سُدف المنكر، يحب فواضل الأمور ويكره فواحشها.

   يتخلق بخِلال البناء، فهو عميق الفكر عقيم المكر، غزير العلم مجدب التآمر، شهيته مفتوحة على النفع سقيم الضر، اهتمامه شديد بتوفير الفرص ومعالجة التحديات، بمراكمة الخيرات وتثمير المكاسب، وبتفريج الكرب وتنفيس الهموم.

   لا يكف عن العمل من أجل أن يستوي الشباب على سوقهم، وتقوم المجتمعات على أساساتها، وتعود الأمة إلى أصولها والمياه إلى مجاريها والطيور إلى أعشاشها.

   يهتم اهتمامًا بالغًا بتجسير الفُرج واستئصال الفُرقة.

 إذا رأى خطأ أو اعوجاجًا فإنه ينصح ولا يفضح، يؤثر اللطف على العنف، واليسر على العسر، واللّين على الشدة، ويدرك أن الصراحة غير الوقاحة، وفي حواراته يحتج ولا يتحجج، يتفق ويختلف، ينقد باعتدال ويعترض بأدب، يُحسن بمقاله تشقيق الكلام، ويجيد بفعاله تجفيف منابع الشقاق!

   يميل في دعوته إلى البساطة والتلطف، ويكره العنف والتكلف، لا يحب التأليب والتحريض، إلا إذا كان ضد الباطل الذي له من الله فيه برهان!

 قد "يسكن" لكنه أبدًا لا "يسكت" أمام الخطأ، وقد "يهادن" لكنه أبدًا ﻻ "يداهن" الباطل!

   "يراجع" الخطط والوسائل والأساليب والتكتيكات، لكنه لا "يتراجع" عن تحقيق الأهداف والغايات!

   قد يكون "قاصرًا" في بعض الجوانب لكنه لا يتعمد "التقصير"، يسدد السادرين في الغيّ ويهدي الحيارى في المتاهات.

   يهيم حبًا ووجدًا، ولا يهيم ضلالاً وفسادًا، يهيم بقلبه ولا يهيم على وجهه!

 يبتهج عند الفرج ولا يأسى عند الشدة، يؤرقه استرقاق الضعفاء ويُسهده استغلالهم، ويأسى على استغفالهم.

   هو بالحق "ظاهر" وعلى الباطل "ضاهر"، إذا استبيحت محارم الأمة "زمجر"، وإذا أهملت حاجات الناس "زرجن"!

   لأنه يعشق التجديد فإن نبرة صوته لا تعرف الجمود، ولا يعرف يراعه السكون، ولا تعرف جوارحه الرتابة.

 يكره الاجترار والتكرار، ويحب الابتداع والاختراع.

   لا يسقط في الدوامات الماحقة ولا يتزحلق نحو الهُوَّات السحيقة، ولا يهوي في الحفر العميقة.

   لواعجه مترعة بمواجع أمته، وجوانحه مدنفة بآهات مجتمعة، "أشواق" الحرية تتحول في قلبه إلى "أشواك"!!

عَبَرات العِبرات

    كنت أسير ذات نهار في مدينة حيدر أباد الباكستانية، فوجدت على بوابة إحدى مقبراتها عبارة معبرة تقول: "أيها الواقفون هنا بالأمس كنا مثلكم واقفين، وستكونون غدًا مثلنا"!

 حياة القلوب

   الموعظة الحية لا تنبعث إلا من قلب حي، والقلب الميت لا يستطيع أن يَلد موعظة حية، إذ أن فاقد الشيء لا يعطيه.

 الفناء في الله

   ورد في الآثار بأن الله قال لنبيه داوود: "أنين المذنبين أَحَبُّ إليّ من صياح العابدين"!

     وذلك أن العبودية الحقة هي فناء في الذات الإلهية، ولا يصل المؤمن إلى منتهاها إلا بإنكار ذاته تمامًا، من خلال الشعور بالعدم أمام الله واجب الوجود، ولهذا كان بديع الزمان النورسي يخاطب نفسه قائلاً: "يا سعيد كن صعيدًا"!

    معركة التحرير

إن معركة تحرير المسلمين من الاستبداد والاستعمار الذي مازال جاثمًا بكل صوره الثقافية بل وعاد بصورته العسكرية من جديد، يجب أن يسبقها معركة تحرير القلوب المحبوسة عن فاطرها، والأفئدة المحجوبة عن بارئها، وتحرير العقول التي تسقط في مقبرة الغرور، وتعيش في أسر الهوى وفي سجن الغَرور!

    عجب

أخرج الله آدم من الجنة بـ"صغيرة"، ويريد بعضنا العودة إليها مع اقتراف "الكبائر"، وطرد الله إبليس من رحمته "بخطأ" اقترفه، فهل نطمع بالدخول في رحمة الله مع اقترافنا لكثير من "الخطايا"؟!

   الفتنة الثلجية

 عقل المؤمن المسلط على ظواهر الكون لا يني عن الاستثمار لآلائه والاستهداء بآياته، حيث يستخرج جواهر العبر من سائر الظواهر والسنن، وكمثال على ذلك عندما يرى حبة البَرَد الصغيرة تتدحرج في جوّ البرد القارس، يدرك أن الفتن مثل كرة الثلج التي تتضخم كلما تدحرجت، وعندما تشرق الشمس تذوب جبال من الثلوج، وكذلك عندما تشرق شمس الحقيقة تذوب كُرات الكذب وتزهق جبال الأكاذيب كأن لم تكن!

 تذكر

للأرض حركتان: اﻷولى تدور فيها حول نفسها مرة كل أربع وعشرين ساعة، والثانية تدور فيها حول الشمس خلال سنة كاملة، يذكرني هذا اﻷمر بمشيئتي اﻹنسان: اﻷولى تدور حول ذاتها والثانية تدور في إطار مشيئة الله، وكما أنه ﻻ تعارض بين الحركتين فلا تعارض بين المشيئتين.

 ومضة

العبر جواهر تتخفى في أعماق التأريخ والكون، وفي بطون المحن واﻻبتلاءات.

عجائب الأعراب

   تعاني أمتنا من خفة وزنها الحضاري، واختلال أوضاعها المدنية، نتيجة كثرة الفراغات في جذرها، واتساع مساحة الخواء فيها، وذلك على مستويي الفكر والفعل.

   وبسبب هذا الفراغ، نجد أكثر الأشياء تتدحرج، ولو كانت مليئة لتصلّبت، ونجد أكثر الأشخاص يَضُجّون، ولو كانت ذواتهم مليئة لفعلوا وما انفعلوا، ونجد أكثر الأحزاب تلتصق وتتضاءل، ولو كانت سمينة بأفكارها وأفعالها لما حدث ذلك، ونجد أن أكثر الأفكار والمشاريع في بلداننا ﻻ تستطيع أن تستقيم لأنها فارغة، ثم إن كثيرًا من العقول ﻻ تأتي بجديد، إذ أنها فارغة، وفاقد الشيء لا يعطيه!

نديم الندم

     تسمي اللغة العربية الأصدقاء "نُدامى"، كأنها راعت أن صحبة كثيرين منهم تُورث "الندم"!

التعب من الوقوف

     يشعر العرب بالتعب أكثر من غيرهم، لأنهم واقفون في أماكنهم لا يتحركون!

تباين

    من عجائب بعض العلماء أنهم يكتمون العلم ولا يكتمون الأسرار، ويستجيبون للغَرور في تزيينه للغُرور!

عرفوا فلزموا

     لأن القراءة تُهذِّب الطبائع وتشحذ الهمم وتضعف الشهوات، فقد قرر الأعراب أن لا يقرؤوا!!

قاموس العزة

"الخنوع" ليس أقل سوءًا وجُرمًا من "الخنا"!

"الهوان" ليس أقل سوءًا وجرمًا من "الهوى"!

"الجبن" ليس أقل سوءًا وجرمًا من "الجناية"!

"الخَوَر" ليس أقل سوءًا وجرمًا من "الخراب"!

"الجَزَع" ليس أقل سوءًا وجرمًا من "العجز" الذي استعاذ منه "صلى الله عليه وسلم"!

السفاهة المحمودة

   طبيعة الحياة تقتضي النسبية، ولهذا راعى اﻹسلام النسبية في كل شيئ، حتى في السفاهة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ليس بعزيز من ليس في قومه سَفيه"، وقال الأحنف بن قيس: "ما قلَّ سفهاءُ قوم إلا ذلّوا.."

     ويبدو أن عرب عصرنا يستكثرون من السفهاء حتى لا يكونوا عرضة للذل!

    قال الشاعر:

    ولا يلبث الجهال أن يتهضموا أخا الحلم ما لم يستعن بجهول.

     غير أن كثرة سفهاء أعراب العصر لم تغن عنهم شيئًا، فما زال الذل مخيمًا لا يريد أن يفارقهم، حتى يفارقونه في رحلة إيابهم إلى الإسلام.

أعجب غرائب العرب

يعاقر العرب كل أسباب الفرقة ويقولون: اللهم وحِّد صفوفنا، ويتنافسون على نيل رضا أهل الكتاب ويقولون: اللهم دمر اليهود والنصارى، يسلكون كل سبيل لتنزل الذل والمهانة ويقولون اللهم أعزنا، يسيرون في طريق "الغواية" ويطلبون من الله "الهداية".

ومضة

   العرب بدون إسلام يصيرون "أعرابًا"، ﻻ محل لهم من "اﻹعراب"!

وَمَضَات العارفين

 بغض التكلف

     جاء رجل إلى اﻹمام الشعبي فقال: ما اسم امرأة إبليس؟ قال الشعبي: ذاك عرس ما شهدته!

     لقد كان علماء السلف يكرهون التكلف ويمقتون التنطع، ويبغضون الانشغال بالسفاسف، ذلك أن "الكبار" لا ينشغلون بـ"الصغائر"، ولأن "العظماء" لا تشغلهم "التوافه"!

 مقت الشذوذ

     لكثرة الأوضاع المقلوبة في عهد الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله روي عنه قوله: "إذا رأيتم اليوم شيئًا مستقيمًا فتَعَجَّبوا"! ترى لو بقي إلى اليوم ماذا كان سيقول؟

 خبير "العواطف"

    في كتابه "هكذا علمتني الحياة"، بدا د. مصطفى السباعي كخريج ممتاز من جامعة الحياة، حتى أنه رغم حسن ظنه بالمسلمين، أدرك أن خيريتهم ماتزال تقف عند الجوانب العاطفية، وحتى هذه فإنها تتآكل عامًا بعد عام، ولذلك قال: "لو هُدمت الكعبة لما ضجّ المسلمون اليوم أكثر من ثلاثة أيام"!

    يا الله! ما أعرفك أيها السباعي بأعراب عصر الظلام، حتى الانفعالات صارت "قصيرة العمر" عند "طويلي العمر"!

 الخرافات لا تغير الحقائق

     مهما تزخرفت الخرافات بزينة العصر، ومهما تسربلت بأثواب العلمية، فإنها تظل متهافتة منحطة، ولا تستطيع أن تغير من الحقائق شيئا الحقائق التي خرجت من رحم التفكير المنطقي ومن بطون العلم اليقيني.

    ولا تستطيع أن تغير الحقيقة سطوة القوة، فعندما استخدمت أوروبا في القرون الوسطى سلطة رجال الدين وسطوة رجال الدولة، للقول بأن الأرض ليست كروية ولا تدور، هل توقفت الأرض عن الدوران؟!

 الحرية القَلْبية

    الحرية قيمة ذاتية لا خارجية، يقول ابن تيمية: "الحرية حرية القلب، والعبودية عبودية القلب".

     وما لم يُرِدْ المرء ذاته التحرر فلن يحرره أحد، وما لم تستمرئ نفسه العبودية فلن يستعبده أحد!

 الإسلام سلوك

    يقول المسيح عليه السلام: "الدين ما تعمل لا ما تَعْلم"، فإذا كان هذا هو مقياس التدين، فأين هو الإسلام إذن؟ إننا نعاني من الانفصام الذي أوجد مسلمين بالاسم دون الفعل أو مسلمين مع وقف التنفيذ، والذي عبَّر عنه الشيخ محمد عبده بقوله: "ذهبت إلى أوروبا فوجدت إسلامًا ولم أجد مسلمين، وعدت إلى الشرق العربي فوجدت مسلمين ولم أجد الإسلام"!!

 العارفون لهم وميض كوميض النجوم، إنه نور العرفان!

 

إقرأ المزيد

 شعر السلطان العثماني بالغضب الشديد جراء هذه الهزيمة في المعركة البحرية التي وقعت في المنطقة بين "يَدِي قُولَه" و"لاَنْجَا"، وكذلك بسبب وصول سفن المساعدات إلى البيزنطيين، وفكّر في إعدام قائد الأسطول "سليمان بك" الذي اتهمه بالجبن والعجز والفشل، وقد عزل قائد الأسطول من منصبه بعد ما استطاع أن ينجو بحياته بفضل تدخل كبار رجال الدولة، وعيّن مكانه "حمزة بك" قائدًا للأسطول.

اجتمع أعضاء مجلس الحرب العثماني ليلة عشرين أبريل / نيسان للتشاور حول عرض السلام الذي قدمه الإمبراطور البيزنطي لرغبته في استغلال الأزمة الناجمة عن الهزيمة التي تعرض لها الأسطول العثماني، واندلع نقاش حاد بين مؤيدي متابعة الحصار من رجال الدولة العثمانية ومعارضيهم، كما حدثت حالة من الفوضى بين الجود، وبدأت حالة من التفكك تنشب بين مؤيدي الحصار ومعارضيه بين صفوف الجنود، ولقد زاد هذا الفشل من دعم الفريق المعارض للحصار الذي كان يقوده "خليل باشا"، وتروي لنا المصادر التاريخية العثمانية الأحداث التي وقعت في تلك الأيام كالتالي:

"شعر سكان القسطنطينية بسعادة غامرة، وبدؤوا يتطاولون بالكلام على العثمانيين لعدم تمكن العثمانيين من الاستيلاء على المدينة من خلال الأسوار، ولقد أحسّ المسلمون بخيبة أمل كبيرة هذه الواقعة، واعتبر معارضو الحصار هذه الواقعة حجة وبرهانًا، وحاولوا إقناع السلطان بالتنازل عن فكرة مواصلة الحصار، وقد اتفق معظم أركان الدولة مع الصدر الأعظم "خليل باشا" في اتخاذ طريق رفع الحصار وعقد المصالحة مع العدوّ، لكن السلطان محمد كان يبذل جهدًا حثيثًا من أجل فتح المدينة بفضل همّته العالية ودعم عدد قليل من رجال دولته، وكان من بين الذين يدعمون قرار السلطان عدد قليل من علماء الدين، لا سيما "آق شمس الدين" و"ملا أحمد جوراني"، والوزير "زَاغَانُوسْ باشا" من أركان السلطنة، ولم يكن هؤلاء الأشخاص راضين تمامًا عن عقد اتفاق سلام مع الكفار الواقعين تحت الحصار، ولقد بذل السلطان جهودًا كبيرة من أجل فتح المدينة، ولا يرى أن عقد اتفاق سلام مع الإمبراطور سيكون مناسبًا".

رغم معارضو فكرة مواصلة حصار القسطنطينية أن جيشًا صليبيًا كبيرًا ربما يأتي من أوربا في حالة طول فترة الحصار، ودافع هذا الفريق عن فكرة الاكتفاء بضريبة بقيمة سبعين ألف قطعة ذهبية تحصل من البيزنطيين، وعلى النقيض، عارض مقترح "خليل باشا" كل من "شهاب الدين باشا" و"زَاغَانُوسْ باشا" و"طُورْخَانْ باشا"، ومن العلماء "آق شمس الدين" و"مُلاّ جُورَانِي"، ودعموا السلطان وكان السلطان قد مال لبرهة إلى تنفيذ فكرة "خليل باشا" ورفع الحصار عن المدينة، وبعد ساعات من التور الشديد والمناقشات الحادّة بين الفريقين، أخمدت أصوات الفريق المؤيد لرفع الحصار، وصدر قرار في النهاية برفض عرض الإمبراطور ومواصلة الحصار. أرسل "آق شمس الدين" في تلك الليلة الصعبة والمتوترة بعد الهزيمة، خطابًا مهمًّا للغاية إلى السلطان موقّعًا باسم "خضر"، وهذا الخطاب محفوظ اليوم في "متحف قصر طوب قابي" بإسطنبول، ولا يوجد احتمال أن يكون هذا الخطاب مفبركًا أو مزوّرًا، فهو بمثابة الوثيقة الوحيدة التي لنص هذا الخطاب بعدما أعاد البروفيسور "د. فريدون أمجان" نشره بشكل متوافق مع اللغة التركية المعاصرة: "لقد حدثت هذه الواقعة بسبب ركّاب تلك السفينة، وقد أدخلت الملل وخيبة الأمل إلى قلوبنا، ولاحت أمامنا عوامل كثيرة، وانقلب الوضع ضدّنا، وأحد هذه العوامل هو شعار الكفار بسعادة كبيرة وأريحيّة تامّة وارتفاع مستوى المعنويات لديهم، وأما العامل الثاني فهو عدم استطاعتكم إدارة الأمور جيدًا بالقدر الكافي، وتراخي الجنود في تنفيذ أوامركم، ويمكننا أن نضيف لذلك بعض الآراء والقناعات التي كانت ترى أن دعائي وتبشيري لا أساس له، والآن ليس وقت الدّعة والإهمال، فيجب في مثل هذه الحالات المبادرة إلى البحث والوصول إلى مَن تسبب في وصول الوضع إلى ما هو عليه الآن، ثم ينبغي فرض عقوبات فورية رادعة للمسؤولين عن هذه الوضعية، ومن ثمّ عزلهم من مناصبهم، وإلا فإنهم سيتصرفون بتوانٍ عندما تهجم قواتنا على القلعة وتبدأ الخنادق تمتلئ بالجنود، وكما تعلمون فإن معظم هؤلاء من المسلمين الكسالى، ومن أهل الأفعال القسرية، وهناك القليل من الذين يضحون بأرواحهم في سبيل الله، فهؤلاء عندما يرون المصلحة والغنائم يهمّون إليها ويلقون بأنفسهم في النار من أجل متاع الحياة الدنيا. وأرجو منكم الآن أن تمارسوا سلطتكم، وتضربوا بيد من حديد، وأن تعيّنوا شخصًا جافًّا غليظًا للتعامل مع أمثال هؤلاء، وهذا تصرف أيدته الشريعة؛ إذ يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾(التوبة:73). ولقد حدثت واقعة عجيبة بينما نحن تسيطر علينا حالة من الملل، فنظرنا إلى القرآن الكريم فصادفتنا هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾(التوبة:68). والآن فهؤلاء ليسوا مسلمين مخلصين، وهم في حكم المنافقين، وسيعذبون في جهنم مع الكفار، فقد وردت الإشارة بهذا، وبناء على ذلك؛ يجب التصرف بشدة وحزم.

اسحذوا همّتكم حتى لا تؤول عاقبتنا إلى خيبة الأمل والخذلان، واعلموا أننا سنستعد وننتصر بحول الله ومدده، بيد أن الأمر كله بيد الله ويأتي منه، لكن علينا أن نعمل ما بوسعنا وألا نتوانى، فهذا هو طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام، ولقد نمتُ بعدما قرأت القرآن الكريم وأنا حزين، والحمد لله أن شهدت ألطافًا كثيرة وأخبارًا مفرحة وسارة، وقد وجدت سلوى كبيرة لأني لم أشهد أشياء كهذه منذ زمن بعيد، فأرج أن تأخذ كلامي هذا بعين الاعتبار لأنه نابع من صميم حبي لكم".

وفي يوم الحاجي والعشرين من أبريل / نيسان بدأت المدافع العثمانية المركزة شمالي أسوار "جالاطة" تدك السفن الجنوية والبيزنطية الراسية في الخليج، ولما لم العثمانيون إلى ما كانوا يطمحون إليه من خلال هذه الهجمات؛ بادر السلطان إلى التكليف بصناعة مدافع ذات ماسورات عمودية، لتدخل التاريخ بوصفها أول "مدفع هاون" في التاريخ، وكانت قذائف المدافع الجديدة تصيب أهدافها وهي تطير من فوق المنازل الواقعة في منطقة "جلاطة"، وكانت الأسوار البرية هي الأخرى تتعرض لقصف مكثف في الوقت نفسه، وكان القصف العثماني للمدينة مكثف وعجيب لدرجة أن أحدًا لم يكن يتجرأ أن يرفع رأسه، والأبراج تتمزق، ولم يكن أحد يرى أمامه بسبب الغبار الكثيف، وصارت الأسوار التي كان يعتقد أنها غير قابلة للتدمير تنهار واحدة تلو الأخرى أمام قذائف الهاون التي لم تشهدها البشرية من قبل، وبدأ سكان المدينة ينتظرون هجومًا شاملاً عقب هذا القصف المكثف، وحلّ الانتظار القلِق محل السعادة التي عمت سكان المدينة جراء الانتصار الذي حققته بحريتهم على الأسطول العثماني، وامتلأت سماء المدينة بطبقة من الدخان الكثيف والأسود الناجم عن قذائف المدافع وطلقات البنادق، لكن هجومًا لم يقع كما كان متوقعًا، ما دفع حامية المدينة لاستغلال هذه الفرصة من أجل ترميم الأسوار المحطمة والثغرات المفتوحة واتخاذ احتياطات دفاعية جديدة على الفور. ومن ناحية أخرى؛حاول الأسطول العثماني "حمزة بك" تنفيذ عدة هجمات من أجل كسر السلاسل المنصوبة عند مدخل الخليج من أجل العبور، وكان السلطان يهدف من وراء هذا القصف المكثف أن يضغط على المدينة والجنويين في "جالاطة" من نواح عدة في سبيل إخقاء الاستعدادات التي كان يقوم بها من أجل مشروعه الكبير، وكان هذا الأمر في الواقع حركة تضليل للعدوّ، وبهذا الشكل غاب عن الجنويين الطريق المعبّد أمام أسوار "جالاطة".

وأما في ليلة الثاني والعشرين من أبريل / نيسان وضع السلطان العثماني الشابُّ مخططًا غير مألوف، فبفضل التصميمات التي أُعدّت منذ وقت طويل والأعمال التي بدئت قبل ذلك بأيام استطاعت القوات العثمانية تسوية التلال الواقعة خلف أسوار "جالاطة" وتطهيرها، وتم تثبيت ألواح خشبية وأشياء مستديرة في المنطقة البرية الممتدة من "بحر مرمرة" إلى الخليج، وتمّ طليها بالزيت لكي يتشكّل معبر مناسب لمرور السفن، وسُيّرت السفن الصغيرة تلك الليلة أولاً، ثم سيرت السفن الكبيرة بعد ذلك بفضل الطرق الجديدة التي طبّقتها قوات البحرية العثمانية من خلال الخبرة التي اكتسبتها في هذا المجال، وأنزلت قطع الأسطول الصغير المرلف من سبعين قطعة إلى مياه الخليج عبر أراضي "دُولْمَابَهْجَة قُويُو" و"قَابَاطَاشْ"، وقد أصيب البيزنطيون باندهاش كبير عندما رأوا السفن العثمانية في الخليج صبيحة اليوم التالي، وتبدل الفرح الذي عم المدينة جراء النصر الذي حققه الأسطول البيزنطي في المعركة البحرية التي وقعت مع العثمانيين، إلى خوق وهلع كبيرين جراء هذا الهجوم، وقد انتهى المناخ الكئيب الذي كان مسيطرًا على الجيش العثماني، وازداد الإيمان لدى الجنود بالفتح. ويروي المؤرخ البيزنطي "دوكاس" الشهير –الذي يعتبر من الأعداء القساة للعثمانيين عامة وللسلطان محمد خاصة، والذي يعرف السلطان شخصيًا- واقعة إنزال السفن العثمانية إلى خليج القرن الذهبي بهذه العبارات الحماسيّة: "لم ير أحد أو يسمع حركة كهذه، وكان ملك الفرس "كيخسرو" قد أنشأ جسرًا فوق مياه البحر، وعبر بجنوده إلى الشاطئ المقابل وكأنه يسير على اليابسة، وأما السلطان محمد، الإسكندر الجديد أو أعظم سلاطين زمانه في رأيي، فقد حوّل اليابسة إلى بحر، واستطاع تسيير السفن من على تلال الجبال بدلاً من الأمواج، وعليه فإن هذا السلطان تفوق حتى على "كيخسرو"، ذلك أن هذا الأخير عبر مضيق الدردنيل، لكنه هزم أمام الأثينيين وعاد أدراجه يجرجر أذيال الهزيمة والعار، وأما السلطان محمد فقد عبر اليابسة كما في البحر، ودمّر حصون البيزنطيين، واستطاع السلطان العثماني السيطرة على القسطنطينية ملكة مدن العالم، والتي كانت تلمع كالذهب الحقيقي".    

وبعد أن نزل العثمانيون أسطولهم المتواضع في مياه الخليج، أرسل الإمبراطور جزءا من قواته الدفاعية لحماية الأسوار المحيطة بالخليج لتوقعه أن يقوم العثمانيون بالهجوم من هذه الجهة، وهو الأمر الذي أدّى إلى ضعف الأسوار البرية للمدينة، وكان الجميع يفكر في أن المدينة المحاصرة من كل جانب ستسقط وأن مساعيهم لإنقاذها ستنفد واحدة تلو الأخرى، وقد وافق الإمبراطور على أقسى الشروط وأعرب عن رغبته في السلام تحت أي ظرف، فأجاب السلطان بقوله: "لا يمكنني أن أغادر المدينة، فإما أن آخذها أو تأخذني هي، حيًّا أو ميتًّا، فإذا أراد الإمبراطور أن يغادر المدينة فسأتنازل له عن شبه جزيرة بيلوبونيز، وأوقع معه اتفاق صداقة، وأمنح شقيقه الموجود هناك ولاية أخرى وأما إذا لم أدخل المدينة بالسلام ودخلتها محاربًا، فسوف أعاقب الإمبراطور وكافة النبلاء وقادة الدولة بالموت، وسأوزع سكان المدينة بين جنودي كعبيد وإماء، وأما أنا فتكفيني المدينة وإن كانت خاوية على عروشها". 

وكان هذا ردّ السلطان على عرض الإمبراطور، وهو ما أظهر عزمه وتصميمه على إنجاز هذه المهمّة التي بدأها. شعر قوّاد البحرية اللاتينيون والبيزنطيّون بالقلق من هجوم السفن العثمانية المنزلة إلى مياه الخليج بالتعاون مع السفن المنتظرة عند السلاسل، وكانوا يتابعون كلّ شيء بحذر كبير، وقد انعقد مؤتمر في المدينة قرّر الحاضرون فيه حرق السفن العثمانية الراسية في الخليج كإجراء احترازي لحماية المدينة، وعندما تأجّل تنفيذ هذه العملية التي كان من المقرر تنفيذها يوم الرابع والعشرين من أبريل / نيسان، نزولاً على مقترح جنويي جالاطة، وصل الخبر إلى السلطان محمد الذي أصدر تعليماته باتخاذ التدابير اللازمة، واستطاعت البحرية العثمانية بنجاح صدّ هجوم حاول البحارة البندقيّون تنفيذه على الخليج يوم الثامن والعشرين من أبريل / نيسان، وقد أصابت قذيفة مدفعيّة سفينة القائد البندقي صاحب التخطيط للهجوم وقائده "جاكومو كوكو"، مما أدّى إلى غرق السفينة ومن كان على متنها بمن فيهم القطبان، ومات حوالي مائة وخمسون شخصًا غرقًا، ويصف لنا "ليوناردو" المنحدر من جزيرة "خيوس" هذه الواقعة بعدما شرح الحصار بشكل مفصل اعتمادًا على مشاهداته، فيقول: "عادت سفُنُنَا وهي تهيمُ على وجهها حتى دخلت الميناء، ووصل بعض البحّارة الذين سقطوا في الماء إلى الشاطئ، لكن العدوّ أسرهم، وأمر حكامهم الظالمون بضرب أعنقاهم أمام أعيننا في اليوم التالي، ولما رأى رجالنا هذا المشهد جنّ جنونهم واقتادوا الأسرى العثمانيين الذين كانوا في أيدينا وذبحوهم بوحشية أمام رفاقهم فوق الأسوار، وبهذه الطريقة ازدادت وحشية الحرب بهذا المزيج من الكراهية والقسوة". لم تحاول القوات العثمانية القيام بهجوم شامل في هذه المرحلة، وفي الوقت الذي واصل فيه الجيش العثماني قصف المدينة من جانب الأسوار البرية قصفًا مدفعيًّا عنيفًا، عمدت وحدات المدفعية العثمانية أيضًا إلى قصف الأسوار المطلة على الخليج الذهبي، وفي تلك الأثناء بدأت –اعتبارًا من الأول من مايو / أيار- المجاعة والفوضى والسوق السوداء والاستغلال، كل هذا بدأ يغزو المدينة بشدة إلى أن أنهك سكانها، ويصف لنا "ليوناردو" المنحدر من جزيرة "خيوس" تلك الأيام بقوله:

"رأينا مرات عديدة البيزنطيين الخائفين يتركون محالّ وظائفهم متحججين بحقولهم وشرابهم والتعب الذي حلّ بهم، بعضهم كان يقول إن أسرته تحتاج للرعاية، والبعض الآخر يشتكي من قلة النقود ويقول إنه مضطرّ للذهاب من أجل البحث عن عمل لكسب المال، وعندما عاتبتهم وأنا أقول لهم إنهم لا يخاطرون بأنفسهم فقط، بل يخاطرون بالنصرانيّة وأتباعها، أجابوني بقولهم "كيف يمكنني أن أفكّر في الجيس بينما تعيش أسرتي في حاجة وعوز؟" وقد صدرت أوامر بتوزيع الخبز بالتساوي بين سكان المدينة حتى لا يدرك الجنود أماكنهم على الجبهة بحجة رعاية أسرهم، وكذلك حتى لا يخشوا الجوع أكثر من السيف بعدما عمد رجال الأسواق السوداء إلى تخزين الأطعمة أو بيعها بأسعار أعلى، غير أن النظام القائم بالمدينة كان قد تزعزع، وفقد الإمبراطور جَلَدَه وثباته؛ إذ لم يكن يعاقب أو يقطع رأس من ينفِّذ أوامره أو يتجاهلها".

فتح القسطنطينية (1)

 

 

 

إقرأ المزيد

عندما اعتقد حكيم صغير أن السماء بيضة، وأن الأرض مثل صفارها، سأله سائل: "وكيف تبقى هذه الأرض وسط محيط السماء؟" فأجاب: "مثل قنديل معلّق في الهواء، فهي لا تتحرك إلى أسفل، ولا إلى أعلى".

وقال هذا الحكيم: "إنها باقية في الهواء بسبب جذب السماء من جهات ست. فالسماء مثل قبة سبت من المغناطيس، وقد بقيت قطعة من الحديد معلقة في وسطها".

وقال آخر: "ومتى كانت السماء الصافية تجتذب إليها الأرض المظلمة؟ بل إنها تدفعها من جهات ست، ولهذا فقد بقيت الأرض معلقة وسط العواصف".

وهكذا تبقى أرواح الفراعنة في الضلال، بدفع خواطر أهل الكمال. وبدفع هذا العالم وذاك العالم، بقي هؤلاء الضالون بدون هذا ولا ذاك.

فإذا عصيت عباد ذي الجلال، فأعلم أنهم –من وجودك- يعروهم الملال. إن لديهم كهرباء، لو أظهروها، لأشاعوا الوله في قشة وجودك. فإذا ما أخفوا كهرباءهم، فسرعان ما يجعلون تسلميك طغيانًا. (فحالك معهم) كمرتبة الحيوانية، التي هي أسيرة خاضعة لمرتبة الإنسانية!

فاعلم –أيها السيد- أن الإنسانية خاضعة لقبضة الأولياء، "خضوع" الحيوان "للإنسان".

لقد دعا أحمد جملة العالم عبادًا له حين قرأ عليهم قوله تعالى: "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله". إن عقلك كالجمّال وأنت الجمل، وهو يقودك في كل سبيل وأنت رهن حكمه المرّ.

والأولياء هم عقل العقول، والعقول –حتى النهاية- مثل الجمال. فتأملها ملتمسًا منها العبرة! إن هناك دليلاً واحدًا ومائة ألف نفس "تتبعه".   

ما الدليل وما الجمال؟ ألا فلتوجد عينًا تبصر الشمس! أو ليس العالم يبقى بالليل موصودًا، ينتظر النهار الذي يتوقف "بزوغه" على الشمس؟ فهناك شمسًا قد احتجبت في ذرة، وأسدًا ضاريًا في جلد حمل.

وهاك بحرًا مختفيًا تحت التبن، فحذار! لا يلتبس عليك الأمر فتضع فوق هذا التبن قدمك!

إن هذا الاشتباه والظن في باطن "الطالب" رحمة من الحق للمرشد. لقد جاء كل رسول منفردًا إلى هذه الدنيا. كان منفردًا ولكن كان له مائة عالم خفي.

فسحر بقدرته عالمًا كبيرًا، بينما انطوى هو في هيكل صغير! ولقد ظنه البلهاء فردًا ضعيفًا، ومتى كان ضعيفًا من أصبح نديم الملك؟

لقد قال البلهاء إنه ليس أكثر من رجل. فالويل لمن لم يتدبر العواقب.

 

إقرأ المزيد

 

حان الوقت لتعلم العربية

تحتل اللغة العربية المرتبة الرابعة عالميًّا بين أكثر اللغات تحدثا وانتشارا، وتعد بحسب تقرير لغات المستقبل الصادر عن المجلس الثقافي البريطاني أكثر ثاني لغة أهمية لبريطانيا في المستقبل.

لطالما شكل تعلم اللغات الأجنبية جزءا أساسيا من حياة البشر ولطالما قامت مواد تعليم اللغة بدور هام في عملية تعلمها. وبالنظر إلى المواد المتاحة لتعليم اللغات، يجد المرء بونًا شاسعًا بين الكتب التعليمية والمواد المتاحة لتعلم لغة كالإنجليزية وبين غيرها من اللغات.

فالخيارات المتاحة والخاصة بالكتب التعليمية والمواد التدريسية للغات من غير الإنجليزية تتسم بالقلة، كما يعوز تلك الكتب الكثير من التطوير فيما يخص منهجها ومحتواها. وليست العربية بدعا من ذلك كله.

ولملئ الفجوة التي يشهدها سوق تعليم العربية وتلبية للحاجة إلى وجود كتاب تعليم للغة العربية المعاصرة، اضطلعت دار النيل للنشر، ومقرها القاهرة بجمهورية مصر العربية، بتطوير سلسلة جديدة وديناميكية لكتب تعليم العربية على يد فريق من المؤلفين المصريين من ذوي الخبرة والكفاءة. وأطلقت عليها اسم "التكلم".

إن العربية لا تكتسب أهميتها من خلال احتلالها المركز الرابع عالميا بين أكثر اللغات استعمالا وتحدثا فقط، بل لأنها لغة القرآن الكريم. وبناء عليه، يهتم معظم المسلمين اليوم بتعلم الحروف العربية فقط رغبة منهم في اكتساب القدرة على قراءة القرآن الكريم وتلاوته. ولكنهم لا يتعلمون اللغة كي يتمكنوا من التواصل بها مع الآخرين.

ويعد أحد أهم أسباب ذلك هو الاستمرار في استخدام مواد تعليمية وتدريسية بالية، تتبع طرقا ومناهج تقليدية عتيقة بدلا من استخدام المناهج الإبداعية والتواصلية المستخدمة في معظم كتب تعليم اللغات في الوقت الراهن.

كما أن هناك سببًا آخر ألا وهو ما تعرضت له اللغة العربية القياسية من تجاهل، ونتج عن ذلك أنه بعد  نحو عشرين عامًا من دراسة اللغة العربية الفصحى يجد الطلاب أنفسهم عاجزين عن التواصل بشكل لائق باللغة العربية المعاصرة أو الوقوف على معاني الصحف المكتوبة بها. ونظرا لأن "التكلم" قد صيغ خصيصا لمعالجة تلكم الصعوبات، فقد ذاع صيت السلسلة وشاع خبرها وتبنتها منذ نشرها في أكتوبر 2014 العديد من المؤسسات حول العالم، من الولايات المتحدة وحتى المملكة المتحدة، ومن البلقان وحتى أفريقيا.

تتميز سلسلة التكلم عن السلاسل التعليمية الأخرى بما يأتي: تبنيها لتقنيات التعليم الحديثة، ومقاربتها المتدرجة من السهل إلى الأصعب وهو ما يجد المتعلمون معه شعورًا بالأريحية والاستعداد لمواجهة تحدى تعلم لغة جديدة. هذا فضلا عن الأعمال الفنية التوضيحية، وطريقة الإخراج البسيطة والسهلة، والطباعة الفاخرة، والدعم بمواد تكميلية مباشرة تحتوي على التدريب على المهارات، واختبارات التقدم والمعاجم  المدعمة بخمسة عشرة لغة لمساعدة كل من المتعلمين والمعلمين على حد سواء.

تعد الفئة العمرية المثالية للتعلم بين يدي هذه السلسلة الشاملة هي فئة الشباب والبالغين. ويمكن للمدارس الثانوية، ومعاهد تعليم اللغة العربية، والجامعات  في معاهدها التحضيرية باللغة العربية، وكذا المعلمين الخاصين، يمكن لكل هؤلاء الإفادة من هذه السلسلة التعليمية الجديدة.

 

 

 

إقرأ المزيد

 قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾(البقرة:2)

إن كنتَ تريد أن تعرف مدى ما في الإيمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة، فاستمع إلى هذه الحكاية القصيرة:

خرج رجلان في سياحة ذات يوم، من أجل الاستجمام والتجارة. فمضى أحدُهما وكان أنانيًا شقيًّا إلى جهة، ومضى الآخر وهو رباني سعيد إلى جهة ثانية.

فالأناني المغرور الذي كان متشائمًا لقي بلدًا في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاء وفاقًا على تشاؤمه، حتى إنه كان يرى -أينما اتّجه- عجَزة مساكين يصرخون ويولولون من ضربات أيدي رجال طغاة قساة ومن أعمالهم المدمّرة. فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من أماكن، حتى اتخذت المملكة كلُّها في نظره شكلَ دار مأتم عام. فلم يجد لنفسه علاجًا لحاله المؤلم المظلم غير السُكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعرَ بحاله، إذ صار كلُّ واحد من أهل هذه المملكة يتراءى له عدوًا يتربّص به، وأجنبيًّا يتنكّر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم لِما يرى فيما حوله من جنائزَ مُرعبة ويتامى يبكون بكاء يائسًا مريرًا.

السلامة والأمان إذن لا وجود لهما إلاّ في الإسلام والإيمان. فعلينا أن نردد دائمًا: الحمد للّٰه على دين الإسلام وكمال الإيمان.

أمّا الآخر، الرجل الربّاني العابد للّٰه، والباحث عن الحق، فقد كان ذا أخلاق حسنة بحيث لقيَ في رحلته مملكة طيّبة هي في نظره في منتهى الروعة والجمال. فهذا الرجل الصالح يرى في المملكة التي دخلها احتفالات رائعة ومهرجانات بارعة قائمة على قَدم وساق، وفي كل طرف سـرورًا، وفي كل زاويـة حبـورًا، وفي كل مكان محاريب ذِكر.. حتى لقد صار يرى كل فرد من أفراد هذه المملكة صديقًا صدوقًا وقريبًا حبيبًا له. ثم يرى أن المملكة كلَّها تعلن -في حفل التسريح العام- هتافات الفرح بصيحة مصحوبة بكلمات الشكر والثناء. ويسمع فيهم أيضًا أصواتَ الجوقة الموسيقية وهي تقدّم ألحانَها الحماسية مقترنة بالتكبيرات العالية والتهليلات الحارة بسعادة واعتزاز للذين يُساقون إلى الخدمة والجندية.

فبينما كان ذلك الرجلُ الأول المتشائم منشغلاً بألَمِه وآلام الناس كلِّهم. كان الثاني السعيدُ المتفائل مسرورًا مع سرور الناس كلِّهم فَرِحًا مع فرحهم. فضلاً عن أنه غَنِم لنفسه تجارة حسنة مباركة فشكر ربَّه وحمده.

ولدى عودته إلى أهله، يَلقى ذلك الرجلَ فيسأل عنه وعن أخباره، فيعلم كل شيء عن حاله فيقول له: "يا هذا لقد جُنِنتَ! فإنّ ما في باطنك من الشؤم انعكس على ظاهرك، بحيث أصبحتَ تتوهم أن كل ابتسامة صراخ ودموع، وأن كل تسريح وإجازة نَهب وسلب. عُد إلى رُشدك، وطهّر قلبَك، لعل هذا الغشاء النكد ينـزاح عن عينيك. وعسى أن تبصر الحقيقة على وجهها الأبلج. فإن صاحب هذه المملكة ومالكَها وهو في منتهى درجات العدل والمرحمة والربوبية والاقتدار والتنظيم المبدع والرفق... وإن مملكة بمثل هذه الدرجة من الرقي والسمو مما تريك من آثار بأم عينيك... لا يمكن أن تكون بمثل ما تريه أوهامُك من صور".

وبعد ذلك بدأ هذا الشقي يراجع نفسَه ويرجع إلى صوابه رويدًا رويدًا، ويفكر بعقله ويقول متندمًا: "نعم لقد أصابني جنون لكثرة تعاطي الخمر... ليرضَ اللّٰه عنك، فلقد أنقذتَني من جحيم الشقاء".

فيا نفسي! اعلمي أن الرجل الأول هو "الكافر" أو "الفاسق الغافل". فهذه الدنيا في نظره بمثابة مأتم عام، وجميع الأحياء أيتام يبكون تألما من ضربات الزوال وصفعات الفراق.

أما الإنسان والحيوان فمخلوقات سائبة بلا راع ولا مالك، تتمزق بمخالب الأجَل وتعتصر بمعصرته. وأما الموجودات الضِّخام -كالجبال والبحار- فهي في حُكم الجنائز الهامدة والنعوش الرهيبة. وأمثال هذه الأوهام المدهشة المؤلمة الناشئة من كفر الإنسان وضلالته تذيق صاحبَها عذابًا معنويًا مريرًا.

أما الرجل الثاني، فهو "المؤمن" الذي يعرف خالقَه حق المعرفة ويؤمن به. فالدنيا في نظره دارُ ذكر رحماني، وساحةُ تعليم وتدريب البشر والحيوان، وميدانُ ابتلاء واختبار للإنس والجان. أما الوفيات كافة -من حيوان وإنسان- فهي إعفاء من الوظائف، وإنهاء من الخدمات. فالذين أنهوا وظائف حياتهم، يودِّعون هذه الدار الفانية وهم مسرورون معنويًّا، حيث إنّهم يُنقَلون إلى عالم آخر غير ذي قلق، خالٍ من أوضار المادة وأوصاب الزمان والمكان وصروف الدهر وطوارق الحدثان، لينفسح المجالُ واسعًا لموظفين جُدد يأتون للسعي في مهامهم.

أما المواليد كافة -من حيوان وإنسان- فهي سَوقة تجنيد عسكرية، وتسلُّمُ سلاح، وتسنّم وظائف وواجبات، فكل كائن إنما هو موظف وجندي مسرور، ومأمور مستقيم راضٍ قانع. وأما الأصوات المنبعثة والأصداء المرتدّة من أرجاء الدنيا فهي إما ذكر وتسبيح لتسنّم الوظائف والشروع فيها، أو شكر وتهليل إيذانًا بالانتهاء منها، أو أنغام صادرة من شوق العمل وفرحته.

فالموجودات كلها -في نظر هذا المؤمن- خدّام مؤنسون، وموظفون أخلاّء، وكتب حلوة لسيده الكريم ومالكه الرحيم.

وهكذا يتجلى من إيمانه كثير جدًا من أمثال هذه الحقائق التي هي في غاية اللطف والسمو واللذة والذوق. فالإيمان إذن يضم حقًا بذرة معنوية منشقة من "طوبى الجنة". أما الكفر فإنه يخفي بذرة معنوية قد نفثته "زقومُ جهنم".

فالسلامة والأمان إذن لا وجود لهما إلاّ في الإسلام والإيمان. فعلينا أن نردد دائمًا: الحمد للّٰه على دين الإسلام وكمال الإيمان.

المصدر: الكلمات

 

 

 

إقرأ المزيد

  اختارت حركة الخدمة التركية التي أسسها تلامذة الشيخ فتح الله كولن عدة مسارات عملية إيجابية لإعمال الفعالية الروحية وتشغيلها، من أهم تلك المسارات مسار التعليم، واختارت لنفسها في التعليم، أن تبني نماذج تحاكي أفضل مؤسسات التعليم العالمية، وهو ما يأخذ في معظم الدول التي تنتشر فيها تلك المدارس في قارات العالم، شكل المدارس الدولية، وعلى الرغم من أنني زرت بعضا من تلك المدارس في تركيا، ومصر، وأوكرانيا، فلأول مرة يقدم لي أحد مسئولي تلك المدارس شرحا للنظام التعليمي المطبق فيها، وكان ذلك في مدرسة رينبو الدولية (RIS) في سيئول بكوريا الجنوبية.

هذه المؤسسات التعليمية وغيرها من مؤسسات الخدمة كلها أقيمت بأموال وتبرعات أهل الخير في تركيا، والذين رأوا أن يساهموا في إعادة تشكيل عقول ووجدانات أجيال المستقبل من خلال مدارس لا تقل عن مستوى أفضل المدارس في العالم، وهي مؤسسات غير هادفة للربح، ولكنها تحافظ على الاستدامة بأن تستكفي وتستقل ماليا، منها المدارس الدولية، ومنها المدارس المستقلة أو الخاصة والتي تقدم الخدمة التعليمية بأسعار أقل وبنفس جودة ومستوى التعليم الدولي، وسوف نقدم هنا مدرسة رينبو كنموذج لتلك المدارس:

يعمل في مدرسة رينبو الدولية حديثة النشأة (2012) 25 من أعضاء هيئة التدريس، ويدرس بها حتى الآن 105 تلميذ فقط حتى المرحلة الثامنة (توازي نهاية المرحلة الإعدادية)، ولا يزيد عدد طلاب الفصل عن 16 تلميذا في المراحل من 1 إلى 5، و10 تلاميذ في المراحل التالية. المدرسة معتمدة من مجلس المدارس الدولية  (CIS)الرابطة الغربية للمدارس والكليات (WASC)، وهي عضو منتسب في الرابطة الوطنية للمدارس المستقلة (NAIS)، والمجلس الإقليمي لشرق آسيا للمدارس الخارجية (EARCOS)، والمجلس الكوري للمدارس الخارجي (KORCOS).

هذه المؤسسات التعليمية وغيرها من مؤسسات الخدمة كلها أقيمت بأموال وتبرعات أهل الخير في تركيا، والذين رأوا أن يساهموا في إعادة تشكيل عقول ووجدانات أجيال المستقبل من خلال مدارس لا تقل عن مستوى أفضل المدارس في العالم، وهي مؤسسات غير هادفة للربح

تعلم المدرسة للطلاب منهجا واسعا ومتوازنا، يشتمل على ثلاثة عناصر أساسية هي: المحتوى، والمهارات، والتقييم، وتتبنى المدرسة المعايير المشتركة الأساسية للدولة (CCSS)، ومقاييس العلوم للجيل القادم (NGSS)، والمعايير الوطنية للدراسات الاجتماعية، وهي كلها دعوة للتفكير عالي المستوى في مجالات المحتوى الأساسية، وتعلم المدرسة اللغة الإنجليزية والرياضيات والعلوم والدراسات الاجتماعية والفنون الأدائية، والتربية البدنية، والفنون، واللغات الكورية والتركية، والتكنولوجيا، ويتم تقييم الطلاب عبر اختبار مقاييس التقدم الأكاديمي (MAP) ثلاث مرات في العام خلال أشهر سبتمبر وفبراير ومايو.

 تنبني فلسفة المدرسة على إدراكها أننا نعيش في مجتمع معولم، أن المدرسة قد تم تأسيسها لتلبية احتياجات الطلاب من جميع الأعراق والثقافات والأديان، وبهذا يتعلم الطلاب أن ينتموا لعائلة من بني الإنسان، تحترم اختلافات بعضها البعض. وهي مدرسة غير ربحية، تهدف لجعل التعليم الدولي متاحا لأكبر عدد ممكن من الطلاب، وكل طفل في المدرسة له قوميته وعرقه ودينه ومعتقده الثقافي المعترف به من قبل المدرسة، سواء داخل الفصول الدراسية أو في الاجتماعات أو في المجال الرياضي. ويعني الطيف الواسع من الأنشطة الصفية واللاصفية أن أمام الطلاب فرصة لاتباع المسار الذي يرغبون فيه إلى المعاهد الثانوية الملائمة. والغرض من المدرسة هو مساعدة الطلاب على التطلع إلى المستويات العليا في جميع جوانب التعلم مع الحفاظ على فضولهم وإبداعهم، وسيتعلم الطلاب من المدرسة التعاطف مع الآخرين والتفكير في قيمهم وقيم الآخرين، وهذا سوف يساعدهم على العيش في الشركات أو الجامعات في جميع أنحاء العالم مع الاحتفاظ بفضولهم وإبداعهم، وهو ما يمكنهم من العيش والنجاح في المهنة التي يختارونها.

تلتزم المدرسة بخلق بيئة تعليمية آمنة، يحظى فيها التلاميذ بالرعاية والاحترام من أجل تعزيز وتطوير معارف ومهارات وقدرات التلاميذ، وتسعى المدرسة إلى إشراك المعلمين والطلاب وأولياء الأمور للعمل معا كمجتمع لتحقيق التوقعات التعليمية لأجيال القرن الواحد والعشرين، حيث تعد المدرسة طلابها كي يكونوا:

ذوي تفكير نقدي وإبداعي: لديهم القدرة على تحليل الحجج واتخاذ قرارات عقلانية، يبحثون عن الحلول المبتكرة والملائمة والأخلاقية للمشاكل، يمكنهم التعامل بثقة واقتدار مع مواقف الحياة اليومية والتي تتطلب استخدام المفاهيم الرياضية والتكنولوجية، يستخدمون قدراتهم في التعرف على وجهات النظر المختلفة ويبحثون عن مواقف أكثر دقة ونزاهة بغض النظر عن ومصالحهم ورغباتهم الخاصة.

متعلمين مستقلين: يستطيعون صياغة ومتابعة الأهداف ويسعون لتعلم شيء جديد كل يوم، لديهم القدرة، معتمدين على ذواتهم، ولديهم دافعية ذاتية، يحلون المشاكل ويتجاوزون الصعوبات لدى اتضاحها لهم، يطورون القيم والمواقف، والمعارف والمهارات اللازمة كي يتخذوا قرارات مسئولة.

متواصلين بفعالية: التواصل بوضوح ودقة باللغة الإنجليزية مع احترام التنوع اللغوي، الإنصات إلى وتفسير واستخدام المعلومات بفعالية، يستخدمون التكنولوجيا كأداة للتواصل.

مشاركين برحمة: يسعون جاهدين للخدمة والقيادة في مجتمعاتهم، يحترمون مشاعر الناس وأفكارهم وقدراتهم وتنوعهم الثقافي، يمارسون المسئولية والملاطفة والخدمة والتعاون، يفهمون أهمية التعاطف والصدق والإنصاف والعدل.

متعلمين ذوي أدبيات وأخلاقيات: يسعون لتكوين علاقات صحية مع أقرانهم ومعلميهم ومع الإدارة، يبدون الاعتبار والاحترام والتقدير والقبول تجاه الآخرين، يفهمون ويحترمون القضايا القانونية والأخلاقية مثل الغش والانتحال وقوانين حقوق التأليف والنشر.

متعلمين متقدمين تكنولوجيا: يستخدمون التكنولوجيا كأداة فعالة لتعزيز التعلم، يبدون القدرة على التكيف والتعامل مع التكنولوجيا للاستفادة من بيئة التعلم، يستخدمون التكنولوجيا كوسيلة للوصول إلى المعلومات وإعداد الواجبات والتواصل، يفهمون ويحترمون القضايا القانونية والأخلاقية.

أشخاص أصحاء: يطورون ويتابعون برامج الصحة واللياقة البدنية مدى الحياة، يكتسبون مهارات بناء الفريق من خلال النشاط البدني.

ولأن التعليم ليس فقط مناهج ومقررات داخل جدران الفصول فإن مدرسة رينبو تقدم طيفا واسعا من الأنشطة اللاصفية التي يختار التلميذ من بينها 3 مرات أسبوعيا لتلاميذ الصف الأول والثاني، ومرتين أسبوعيا لباقي الصفوف، وتنظم تلك الأنشطة من خلال ما يعرف بالأندية الطلابية التي تعبر عن اهتمامات الطلاب المختلفة، إضافة لمسابقات الأولمبيات الدولية، والفعاليات الفنية والرياضية والثقافية المختلفة، والرحلات الميدانية الترفيهية التعليمية في المتاحف والمصانع والمتنزهات والحدائق المتاحة في المدينة وحولها، إضافة إلى نشاط الصحافة المدرسية والذي يشمل إصدار عددين من نشرة RIS Echo في كل فصل دراسي، إضافة إلى نشرة شهرية باسم Rainbow تحمل أخبار المدرسة، كما ينتخب التلاميذ مجلسا طلابيا من 5 من زملائهم من الصفين السابع والثامن يمثل الطلاب ومصالحهم ويشارك في وضع منهج لأنشطة بناء الشخصية Character Education كما ينظم فعاليات ومسابقات وحملات لتمويل الأنشطة الطلابية ولمساعدة الطلاب المحتاجين داخل البلاد وخارجها. كل هذه الأنشطة الهدف منها خلق الشخصية المتوازنة التي لا تميل للتحصيل المدرسي فقط، ولكنها تجمع إلى ذلك التعلم والنمو الشخصي من خلال تلك الفعاليات والأنشطة، والتي يتوقع وينتدب جميع الطلاب للمشاركة فيها، كل حسب ميوله ورغباته.

الاطلاع على تجربة تلك المدارس وشقيقاتها الكبرى من الجامعات في تركيا والعالم ضرورية لكل المهتمين بالتعليم، وضرورة للمعنيين بتشغيل الفعالية الروحية في الأمة وحسن استثمار مواردها المالية والبشرية.

للاطلاع تفصيليا على كل ما يخص المدرسة (كنموذج):

https://www.facebook.com/ris.seoul/timeline

http://www.rischool.org/

المصدر: http://www.masralarabia.com/

 

 

 

إقرأ المزيد