العدد 49 / السنة العاشرة / (يوليو-أغسطس) 2015

  • 1
  • 2

هو الإسلام

د. عبد الرحمن العشماوي - avatar د. عبد الرحمن العشماوي - شعر

هو الإسلام

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ ويُبنى من مبادئه النظامُ وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق ولا عانتْ من الباغي شآمُ ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ له في الهند... إقرأ المزيد

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

صهيب مصباح - avatar صهيب مصباح - ثقافة وفن

 عندما يتأمل الإنسان طبيعة الحوار وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام -منذ بدايته- دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. ومن ثم فهو دين تفاعُل واتصال وخروج للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة -الغيبية، والعقلية، والكونية، والإنسانية، والتشريعية- على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين، بحثًا عن الحق وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام، فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم... إقرأ المزيد

 قال الله جلت حكمته : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾(الذاريات:24-30).

يعرض القرآن المجيد في هذه الآيات الكريمات بشكل مختصر وجيز، لكن بعبارات متينة، مكتنزة بالحكمة، تسلط أضواء خاطفة قوية، على  مشاهد من تجليات العظمة الإلهية، وقدرته تعالى على العطاء والإنعام بما أراد، لمن أراد، كما أراد.

وكذا تجليات القدرة الإلهية في العقاب والانتقام من الطغاة الظالمين. وهذه القصص سيقت في هذه السورة، لبيان غلبة الله على أمره، وقدرته تعالى على خلقه، بحيث لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، وأن الكفار مهما طغوا وتجبروا فإنهم في قبضة يده، متى أراد أهلكهم ودمرهم تدميرًا، وقد جعل لذلك سنة جارية ثابتة، ليقرأها الناس ويتفقهوا فيها، رحمة بهم ونذارة لهم، سنة لها أسبابها ومقدماتها، ولها نتائجها المترتبة عنها حتمًا، ولو بعد حين. فكان تكرار ذلك واستقراره على منهج واحد، مؤديًا إلى ترسيخ أن وعد الله حق يقين، لا يدخله شك ولا ريب، وأن التاريخ شاهد بذلك، إلى جانب آيات الله في الأنفس والآفاق، فكل هذا وذاك مفض إلى نتيجة أساس، وهي أن التكذيب باليوم الآخر وما فيه، أمر مرفوض قطعًا من لدن الرحمن، مرفوض بشدة، وأن من كذب رسله، وعصى أمره قصمه، وأنه لا نجاة لأمة ولا لبشر إلا بالدخول تحت أمان اليقين. ونبين ذلك بحول الله فيما يلي :

أما القصة الأولى فهي مشهد من حياة نبي الله إبراهيم عليه السلام، وهي قصة متداخلة مع مشهد آخر من قصة نبي الله لوط عليه السلام ، ولم يُذكر اسم النبي لوط هنا، وإنما ذُكر قومه المجرمون لبيان مصيرهم الشقي، ولذلك فقد عددناهما قصتين، لا قصة واحدة، رغم اندماجهما في سياق واحد، وذلك لاختلاف التجلي في القصتين بين الإنعام والانتقام.

قال تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ * إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ * فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ * فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ * فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ * قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾. فهذا الاستفهام الذي ابتُدئت به القصة ﴿هَلْ أَتَاكَ﴾ بمعنى: هل بلغك؟ أو هل علمت؟ ليس المقصود منه السؤال، وإنما هو أسلوب عربي للتنبيه والتشويق لسماع القصة، وكذلك التعبير بلفظ "حديث" فيه دلالة على  ما يستأنسه الناس من سماع الجديد من الكلام، وما جُبلت عليه الفطرة الإنسانية من حب سماع الأخبار. وإنما سمي الحديث "حديثًا" في الأصل، لحداثة خبره، وجدته على السامع، حتى ولو كانت واقعته قديمة، ثم صار كل كلام حديثًا.

الله سبحانه الحكيم في كل ما قضى وقدر، العليم بما لقضائه من منافع ومصالح في معاش الناس ومعادهم. وقد قضى سبحانه أن يكون إسحاق عليه السلام نبيًّا يرث من إبراهيم عليه السلام دعوة التوحيد في بلاد الشام

ومن ثم كان التعبير بقوله تعالى : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ... الآية﴾، تنبيهًا مركبًا، القصد منه أن يستجمع المتلقي كافة قواه النفسية والعقلية لتتبع القصة، واستيعاب الحدث من بدايته إلى نهايته، فيحصل الفهم الأكمل، والتدبر الأعمق.

والمقصود بالضيف في الآية : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ﴾، جماعة من الملائكة. والضيف لفظ يقع على المفرد والجمع سواء، وأقل الجمع ثلاثة. وقد اختلفت كتب التفسير في عددهم وأعيانهم، فقيل : إنهم ثلاثة: جبريل وميكائيل وإسرافيل. وقيل غير ذلك. والحق أنه لم يثبت في هذا نص من كتاب أو سنة صحيحة، يكون حجة في التحديد والتعيين. وإنما العبرة عندنا بما أجمله القرآن من أمرهم، وأنهم ملائكة من ملائكة الرحمن نزلوا في صورة بشرية على إبراهيم، فدخلوا عليه مدخل الضيف. وحلاهم الله تعالى بوصف ﴿الْمُكْرَمِينَ﴾ لما حصل لهم من إكرام إبراهيم عليه السلام، وقد كان إكرامًا عظيمًا، ولما في ذلك الوصف أيضًا من الإشارة اللطيفة إلى طرافة الحدث، وعدم انتباه الخليل عليه السلام إلى طبيعتهم الملائكية، فعاملهم بما يعامل به ضيوف البشر من الإطعام والإكرام، فإذا بهم ملائكة يحملون له أخبارًا عظيمة من الخير والشر. فكانت النتيجة على غير ما توقع.

والآيات تشير إلى بعض التفاصيل في الإكرام النبوي، والخُلق الإسلامي الرفيع في الضيافة، كما أن المفسرين وقفوا كثيرًا عند اختلاف عبارة "السلام" في الآية ما بين النصب والرفع، في كل من قول الملائكة وقول إبراهيم عليه السلام، لما في ذلك من دلالة على رد التحية بأحسن منها. وهو قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلاَمًا قَالَ سَلاَمٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾(الذاريات:25)، فقول الملائكة: "سلامًا" هو مصدر دال على الجملة الفعلية، كأنهم قالوا: "نسلم عليك سلامًا"، بينما قوله: "سلام" هو دال على جملة اسمية تقديرها: "هذا سلام عليكم". ومعروف أن الجملة الإسمية -عكس الفعلية- أدل على الثبات والاستقرار وعدم التغير، فكأنه قال لهم: سلامي عليكم هو سلام أبدي خالد. وبذلك يكون إبراهيم عليه السلام قد رد التحية بأحسن منها.

وأما قوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ فنحن نرجح أنه حديث نفسي وقع في ذهن إبراهيم عليه السلام، إذ التصريح به في وجوههم مناف لأدب الاستقبال، وهو جملة غير منطوقة تقديرها: "هؤلاء قوم منكرون"، إنه استغراب نفسي من إبراهيم عليه السلام كشفه القرآن، إمعانًا في بيان خُلق الكرم العظيم، الذي كان نبي الله الخليل عليه السلام يتمتع به، إذ أكرم قومًا بحفاوة بالغة، وهو لا يعرف منهم أحدًا، ولا حتى ما جاء بهم ومن ثم قال: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾، والتعبير بفعل "راغ" لطيف عجيب، لأن الروغ والروغان هو الميلان في السير إلى الشيء، بحيث لا يُفهم من الرائغ قصدُه بالضبط. والمقصود هنا أن إبراهيم عليه السلام دخل على زوجته من مدخل خفي، أو بطريقة لا تُوحي بأنه سيأتي بطعام، أو أنه سيأمر بإعداد طعام، وذلك تلافيًا لمبادرة الضيوف إلى منعه من إعداد الطعام. كما أن من كمال الإكرام مفاجأة الضيف بالمائدة جاهزة، وعدم استشارته في ذلك، لأن الاستشارة تحمل نوعًا من الاعتذار عن الإكرام، كقول القائل لضيفه مثلاً: هل ترغب في طعام؟ أو ما تحب أن تأكل؟ فهذا وأضرابه إنما هو في الحقيقة يحمل في طياته رغبة في التهرب من قِرى الضيف وإكرامه.

فقوله: ﴿فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ﴾، دال على أنه تحرك بخفاء، فاختار عجلاً سمينًا من حظيرته. -وقد كان إبراهيم عليه السلام صاحب بقر كما قيل- فذبحه ثم أدخله في تنور الشواء، فلم يمض إلا وقت يسير حتى كان قد وضعه مشويًّا على مائدة ضيفه وضعه بين أيديهم حيث هم جالسون، ولم ينقلهم إلى مكان غيره، بل قربه إليهم. وفي ذلك من أدب الإكرام والحفاوة بالضيف ما فيه. وقد كان التعبير بفاء العطف في سائر الجمل دالاً على تتابع العمل وتعاقبه، لا تراخي فيه ولا بطء. لكن المفاجأة أن الضيف لم يأكلوا فتلطف بهم إبراهيم عليه السلام بكلمة ترحيب: ﴿قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ﴾ وهو تعبير لطيف فيه من التحبيب والتقريب، ما يشرح صدر الضيف ويفتح شهيته، إذ عبر بصيغة الاستفهام الدالة -في هذا السياق- على الحض والترغيب في الأكل، دون العبارات الخشنة الجافة، التي تنبني على الأوامر الصارمة المنفرة لكن الضيف مع ذلك لم يأكلوا، وهنا ارتاع قلب إبراهيم عليه السلام، وداخله الخوف، لأن العادة أن إمساك الإنسان عن طعام شخص ما، لا يكون إلا لشر يريده الممتنع عن الطعام. وقد عبر تعالى عن هذا الموقف نفسه في سورة هود بقوله سبحانه: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾(هود:70).

وقال هنا في الذاريات: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لاَ تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلاَمٍ عَلِيمٍ﴾(الذاريات:28). وهذا من أروع المفاجآت فأن يتحول حال الإنسان في لحظة واحدة، من الخوف والتوجس وتوقع الشر، مباشرة إلى فرح كبير، وأمن عظيم، وسلام مكين، حيث يكتشف إبراهيم عليه السلام حقيقة الضيف، وإنما هم ملائكة الرحمن، ويتلقى منهم -فوق ذلك- خبرًا سارًا يهمه في حياته الخاصة، بشرى غلام عليم يكون له من زوجه العجوز العقيم، فإن ذلك كله مما لا تطيقه خفقات القلب فرحًا.

والجميل في التعبير أنه بمجرد ما دخل إبراهيمَ الخوفُ، وظهرت علاماته على وجهه، بادر الملائكةُ إلى طمأنته، وطرد الشعور بالخوف من فؤاده، بالكشف عن هويتهم الملائكية الكريمة، وتعزيزها بإلقاء بشرى الولد، بردًا وسلامًا على إبراهيم. فالرسول آمن عند ربه، وما كان ليروعه شيء ولا أحد أبدًا وإنما كان خوف إبراهيم عليه السلام توجسًا، أي شعورًا خفيًّا، فقوله: ﴿فَأَوْجَسَ﴾ من الوجْس، وهو: إضمار الشعور بالخوف في النفس. ومع ذلك سارعت الملائكة إلى طرد ذلك الخاطر من قلبه، وتمكين وجدانه من رَوح الأمن والسلام.

وأما الغلام العليم المبشر به ههنا، فقد كان نبي الله إسحاق عليه السلام. والنبوة رأس العلم وقمته. وإسحاق هو المصرح به في سورة هود، قال تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾(هود:71). والمرأة المذكورة هي سارة زوج إبراهيم عليه السلام، وكانت امرأة عقيمًا منذ شبابها الأول، وبقيت مع إبراهيم عليه السلام حتى شاخا ولم تنجب له شيئًا، مع أنه هو عليه السلام أنجب من هاجر سريته ولده إسماعيل عليه السلام، الذي وُلد له قبل إسحاق، ولذلك لما سمعت سارة البشرى من الملائكة بهتتها المفاجأة، فصرخت برنة، ولطمت وجهها تعجبًا  فالصَّرَّة: الصيحة، وهو الصياح. والصَّكُّ: اللطم والصفع. وهو قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ وقد ورد أنها قالت في صرتها أو صيحتها: "يا ويلتى"، جاء ذلك في قوله تعالى من سورة هود: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾(هود:72). كل ذلك تصرفات نسوية، وردود أفعال أنثوية، تقع منهن كلما فزعن أو تلقين خبرًا غريبًا. وقد سجلها القرآن هنا بدقة، وبين أنها أمور من عادات النساء منذ الزمان القديم.

وجاء جواب الملائكة الكرام قاطعًا لتعجب سارة واستغرابها للبُشرى: ﴿قَالُوا كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾، أي: كذلك قضى ربك. فقول الله هنا قضاؤه وقدره. وإذا كان الله جل جلاله هو الذي قضى الأمر وقدره، انتفى التعجب والاستغراب، لأنه سبحانه هو رب العالم، الذي يُخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، وإنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له: "كن فيكون" لا عبرة عنده بسنة جارية، ولا عادة ثابتة، ولا قانون مطرد، لأنه هو تعالى خالق السنن والطبائع والقوانين الكونية جميعًا، إذا شاء أعملها وإذا شاء خرقها وأهملها.

وهو سبحانه الحكيم في كل ما قضى وقدر، العليم بما لقضائه من منافع ومصالح في معاش الناس ومعادهم. وقد قضى سبحانه أن يكون إسحاق عليه السلام نبيًّا يرث من إبراهيم عليه السلام دعوة التوحيد في بلاد الشام، ثم يورثها لابنه يعقوب عليه السلام ، فيتناقلها أنبياء بني إسرائيل إلى عهد عيسى عليه السلام، كما ورث إسماعيل عليه السلام النبوة من أبيه إبراهيم عليه السلام في أرض الحجاز، وبث دعوة التوحيد في عرب الجزيرة، واستمرت زمنًا، حتى حرفها المشركون، فبعث الله من نسله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، بتجديد دين إبراهيم عليه السلام ورسولاً إلى كل العالمين، إلى يوم الدين.

 

 

 

إقرأ المزيد

    غار حراء... هو نقطة انطلاق خطاب الله إلى البشرية  ومحطة التماس بين السماء والأرض... هو الموقد الذي خرجت منه جذوة النار المقدسة وتحولت إلى نور انداح في آفاق الدنيا… حمله الرساليون وأرباب العزائم جيلاً بعد جيل

وفي ليلة رمضانية إفطار أقامه إخوتي من هيئة تحرير "حراء" المباركة… فتحركت أشجاني… على إيقاع اسم المجلة وبركة الحضور فكتبت هذه الخواطر شعرًا أسوقه لإخوتي في هيئة تحرير المجلة وقبلهم إلى الداعية الكبير الأستاذ: محمد فتح الله كولن والذي فتح الله عليه بهذا العمل الخالص المتوازن المبارك.

إليهم وإلى طلائع البعث الإسلامي والحراك الدائر الآن والذي سيصب إن شاء الله في وعاء حركة الإسلام.

إلى أولئك وهؤلاء …. هذه الخواطر الرمضانية …

 

رياح الخريف بدت من بعيد

تباشيرها خلف تلك التلال
ومن خلفها فيلق المؤمنين

وأهل التعبد والامتثال
قوافلهم يممت في ثبات

تدك الصخور وتطوي الرمال
وقد ادلجت في الظلام البهيم

بدفء اليقين وعزم الرجال
ويحدوا القوافل وجد قديم

وتدفعهن شجون طوال
تصارع في سيرها المزعجات

وريح اليمين وريح الشمال
بها ظمأ طال عبر العصور

لمعنى قديم عزيز المنال
بداياته يوم غار حراء

وحين تلاشت بروق الخيال
تلقى "الرسول" بشاراتها

وقد وشحته معاني الجلال
وكان التلقي وكان الترقي

وكان التواصل والاتصال
و راح يجوب شعاب الزمان

وملء رؤاه الهموم الثقال
يقود النفوس الى ربها

ويرقى بهن مراقي الكمال
فيزحف ركب الشباب الغيور

سراعًا سراعًا لساح النزال
وهم يرتقون درى المستحيل

وهم يصعدون مراقي المحال

 










فماذا أخي لو أطل الصباح

وولى الظلام وهل الهلال
وعمت شريعتنا العالمين

وسرنا سراعًا الى ذي الكمال
وغنى الوجود أغاني لحياة

وعاد السنا والمعاني الزلال
وعادت لنا ذكريات رطاب

وعشنا سويًّا ليالي الوصال

وعاد السحور وقرأنه

وقد غمرتنا معاني الجمال

واوبت الريح خلف الجبال
ورجعت الكائنات الصدى

ونسجد شكرًا له في ابتهال
فنمضي الى ربنا مخبتين

فهلا استجاب لنا ذو الجلال
فهذى مناجتنا يا رياح

بثوب قشيب وطعم زلال

 

 

وهذي "حراء" تطالعنا

وتجمع بين عزيز المقال
لتبعث فينا القديم الجديد

بان الوصول قريب المنال
اطمئنكم إخوتي الأوفياء

يطل علينا ليطوي الضلال
وان تباشير فجر جديد

يفجر فينا معاني الكمال
وان صدى "الغار" يدفعنا

ويصحبنا في الدروب الطوال
يحركنا في أتون الحياة.

 

 

 

 

 

 

إقرأ المزيد

 "يستوي في نظر من تنبّه قلبه بالإخلاص، المدح والذم، التعظيم والتحقير، معرفة الناس أو جهلهم به أو لأعماله". كلمات عميقة قالها الأستاذ فتح الله كولن في كتابه التلال الزمردية، لتكون مقياسًا لمستوى الإخلاص يقيس به المسلم إخلاصه كلما أحس باهتزاز فيه. ويأتي اليوم الأستاذ كولن ليؤكد على المعاني نفسها في درس جديد نُشر على موقع (herkul.org) يوم الأحد 6 سبتمبر 2015، حيث ركز فيه على أهمية الإخلاص والعمل مشيرًا إلى أن المقياس الحقيقي للإيمان هو العمل الخالص، ومنبهًا إلى أهمية اتخاذ الصحابة قدوة، مع التزود بالعلم النافع للانتقال من التقليد إلى التحقيق حتى لا يعرض الإنسان نفسه لخطر النفاق من حيث لا يدري. وفيما يلي نسجل أهم الأفكار التي أشار إليها الأستاذ في درسه:

  • اللهم لا أبتغي سوى رضاك، ولا أبالي سَخِط الناس عليّ أم لا.
  • علينا أن نستهدف أعمالاً ضخمة، ولكن عندما تتحقق تلك الأعمال، ويأتي وقت توزيع الجوائز والمكافآت، علينا أن نتراجع إلى وراء الوراء، ونتوارى عن الأنظار ونختفي.
  • يكفينا أن الله عليم بأعمالنا.. يكفينا أنه عز وجل يحبها ويثني عليها.. يكفينا أن الملائكة سجلتها في دفتر حسناتنا.
  • المؤمن الحقيقي ليس بالكلام، وإنما بالعمل.
  • اتباع سنة الخلفاء الراشدين، خير سبيل لتحويل إيماننا التقليدي إلى إيمان تحقيقي.
  • الإيمان التقليدي يعرّض الإنسان إلى سقطة مدوية عند أول امتحان.
  • المسلم بالتقليد لا يستطيع مقاومة الشبهات التي تثيرها العلوم الطبيعية والفلسفات الإلحادية.
  • إذا طلب الإنسان العلم، وأتبعه بالبحث المعمق، وواظب على البحث بإلحاح، ثم عمّق هذا البحث وذلك العلم بالعبادة العملية، وصل إلى الإيمان التحقيقي.
  • إنما يُعرَف الإيمان بالمعاملة.
  • أردت أن تقدم إلى الناس سيرة أبي بكر الصديق أو عمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وأنت تعاملهم بأسوء ما يكون. إذن فأنت كذاب ومخادع.
  • إذا لم يصل المسلم إلى الإيمان التحقيقي، فهو مُعرّض إلى خطر السقوط في هاوية النفاق، حيث يصبح الحق عنده باطلاً، والباطل حقًّا.

 

 

 

 

 

إقرأ المزيد

سأل هِرَقْل أبا سفيان عن نوعية أتباع النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: "فأَشراف الناس يتبعونه أَم ضعفاؤُهم؟ قال: بل ضُعفاؤُهم"! (رواه البخاري).

وكان تعليقه بعد ذلك أن قال: "وهم أَتباع الرسل".

 وكان من صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه: "يخْصف نعله، ويرقع ثوبه، ويحلب شاته، ويخدم نفسه، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، فإِذا حضرت الصلاة، خرج إِلى الصلاة"! (البخاري ).

وكان يوصي بعض أصحابه ألا يطلبوا من الناس شيئًا، فكان أحدهم إذا سقط سوطه وهو على بعيره لا يطلب من أحدٍ أن يناوله إياه حتى ينزل هو فيأخذه.

 أفضل طريقة نتعلم فيها البساطة هي الاقتراب من البسطاء ومخالطتهم واعتياد الجلوس معهم... بإمكاننا أن نتعلم البساطة والعفوية من الشارع، من العامل، من المزارع؛ البساطة الحقيقية غير المفتعلة...

من هذه المدرسة نتعلم أن نخدم أنفسنا لا أن يخدمنا غيرنا، وأن نقوم ونقعد مثل سائر البشر، ويذهب أحدنا وهو فلان ويعود وهو نفسه لم ينقص بل زاد.

قال رجاء بن حَيْوَةَ: ما رأيتُ أحدًا أكمل عقلاً من عمر بن عبد العزيز، سهرتُ معه ذات ليلة، فَخفت السراج، فقال لي: "يا رجاء، إِن السِّرَاج قد ضعف، فقلت له: فأنبه الخادم؟ قال: قد نام، دعه يرقد،  فقلتُ: أقوم أنا فأصلحه؟ قال: ليس من مروءة الرجل استخدام ضيفه، فقام فوضع رداءه، وأتى السِّرَاج ففتحه، وأخذ زيتًا وصبَّ في السِّرَاج منه، ثم رجع وهو يقول : قمتُ وأنا عمر بن عبد العزيز، ورجعتُ وأنا عمر بن عبد العزيز". والقصة رواها البيهقي في "شعب الإيمان".

ومن هذه المدرسة نتعلم أن نقوم على خدمة الآخرين؛ لنهذب نفوسنا وندفع عنها غائلة الكبر والتعالي والانتفاخ، وليس للتظاهر بذلك.

وعندما تتمحور علاقتنا وصداقتنا حول العِلْيَة، والأكابر، والأثرياء، وأصحاب المقامات الاجتماعية الخاصة... فسوف ننطبع غالبًا بأساليبهم وطرائق عيشهم ونناظرهم في المستوى، وتتولّد لدينا الرغبة في محاكاتهم والترفُّع عمن دونهم.

يُولد الأطفال على بساطتهم؛ فالبساطة تحكي الفطرة، وكل مولود يولد على الفطرة فأبواه يُبَقيانه على صفائها ونقائها وعفويتها، أو يُلبِّسانه الطبقية أو التمظهر أو الافتخار بالأشكال وتقمص الأخلاق "البرجوازية" أو "الأرستقراطية" كما يعبرون عنها في تاريخ الغرب.

 البساطة... تعطيك عمرًا إضافيًا وتمنحك شخصيتك الحقيقية، وتساعدك على أن تعيش كما أنت لا كما يريد الآخرون منك.

والرسمية والمجاملة ومجاراة رغبة الآخرين تقضي على العمر، وقد تصحو في نهاية عمرك على ساعات مهدرة وضائعة.

البساطة تختصر لك الصداقات، والعلاقات، والكلام... وكل مناشط الحياة، وتدَّخر لك منها الأجمل والأصفى والأعمق.

والتكلُّف يجعلك تمضي في دهاليز متعرجة، محجوبًا عن رؤية ذاتك، عاجزًا عن معرفة ما تريد، معتادًا على أن تمشي وعينك على الآخرين؛ ماذا يريدون منك، وما انطباعهم عنك.

والآخرون في الحقيقة يريدون منك أن تعيش على سجيّتك، وأن يروك على بساطتك، وأن يعرفوا ذاتك الصحيحة وليس التمثيل الذي تعوّدت على إتقانه وتشبّعت به.

ولكن ربما لم تقرأ مافي نفوسهم جيدًا، أو اكتفيت عنهم ببعض القريبين منك الذين تظن أنهم كل "الآخرين".

 البساطة تجعل من القلب بابًا مفتوحًا يلجه الراغبون ببساطة؛ لا حقد، لا حسد، لا غيرة، لا طمع... لاشروط تعجيزية!

البساطة تربط صداقة حقيقية بينك وبين نفسك... فتقترب منها أكثر، وتستمع إليها، وتتعرّف عليها، وتسمع صمتها أو ضجيجها.

وحين تلبس عباءة الرسميّة والتمظهر فأنت تتصنّع الحاجز بينك وبين ذاتك، وتبتعد عنها بقدر انكفافك وابتعادك واحتشامك عن الضعيف، والفقير، والغريب، والصغير، والمريض، والمغفل.

 قال -صلى الله عليه وسلم-: "أَلا أُخبركم بأَهل الجنة". قالوا بلى. قال: "كلُّ ضعيف متضعَّف لو أَقْسم على الله لأَبرَّه". ثُم قال "أَلا أُخْبركم بأَهل النَّار ". قالوا بلى. قال "كلُّ عتلٍّ جوَّاظ مستكبر " (البخاري ومسلم).

وفي بعض الروايات: "كلُّ ضعيف متضعَّف ذى طِمْرَيْنِ (أي: ثوبين متواضعين)، لا يُؤْبَهُ له".

إقرأ المزيد

 قالوا: كان التصوف في صدر الإسلام مسمى لا اسم له، ثم أصبح اليوم اسمًا لا مسمى له.

وأقول: هي كلمة صحيحة ودقيقة. فإن المسلمين في صدر الإسلام كان همهم الأول تزكية النفس الأمارة بالسوء، والسموّ بها في مدارج التربية إلى مرتبة النفس الراضية والمطمئنة دون أن يبدعوا لذلك اسمًا غير الاسم الذي سماه الله عز وجل به، وهو الجهاد التأسيسي الذي يبدأ بتزكية النفس وتربيتها. وهو العمود الفقري في منهاج السلوك إلى مرضاة الله.

ثم إنه خلف بعد ذلك الرعيل الأول خلف، أفردوا لهذا المنهج السلوكي اسمًا جديدًا لا عهد لمن قبلهم به، وما لبثوا أن أولوه أهمية بالغة من حيث إن هذا المنهج التربوي هو المدخل الذي لا بدّ منه لسائر أنواع الصلاح الفردي والاجتماعي.

غير أن الاهتمام بالاسم الجديد تغلب شيئًا فشيئًا على الاهتمام بالمسمى القديم، فتولد من ذلك تيار من الانجذاب إلى كلمة التصوف، ولا ريب أن العامل الأول لهذا الانجذاب إنما كان اقتران الكلمة بأعمال التربية النفسية التي هي لباب السير على صراط الله عز وجل. ومن ثم فهي لباب الإسلام. ولَعلَّ رجال الرسالة القشيرية من أبرز من يمثلون هذا العهد.

ثم جاء على أعقابهم خلف آخر غدت كلمة التصوف عندهم أشبه بقبّة ليس في داخلها مزار، ولقد امتدّ عهد هذا الخلف إلى عصرنا الذي نحن فيه. إنك تتأمل فتجد أن التعامل اليوم إنما هو مع بريق هذه الكلمة وما يشعّ منها -بحكم الاقتران الطويل- من مظاهر الصلاح والتقوى وأصول الإرشاد ومناهج التربية والسلوك إلى مرضاة الله. وعندما تبحث عما تحت هذه الكلمة من هذه المضامين لا تجد شيئًا.

وهكذا فقد غدا التصوف اليوم -كما قالوا- اسمًا لا مسمى له.

غير أن من المعلوم أنه ما من قاعدة إلا ويعتريها شذوذ، وما من عموم إلا ويلحقه استثناء، فلا يزال في المتصوفة من هم على سنن الرعيل الأول. وإني لأجد أن سيرة الأستاذ المرشد سعيد النورسي، كانت مظهرًا لهذا الاستثناء... كانت مظهرًا لحال الرعيل الأول من المسلمين، إذ كان التصوف عندهم مسمى لا اسم له. ولا ريب أن في عالمنا العربي والإسلامي من يشركه في هذه الحال الاستثنائية. ولكنهم قلة لا يتجاوزون عدد الشذوذ من القاعدة والاستثناء من العموم.

في أكثر من موضع في "اللمعات" يصرح الأستاذ النورسي رحمه الله بأنه ليس صوفيًا.

ولكنه في كل ما يخاطب به تلامذته ومريديه من فنون النصح والتربية والإرشاد، لا يخرج عن ذلك اللباب الذي كان هو مسمى التصوف بل مسمى الإسلام في عصر السلف الصالح رضوان الله عليهم.

ولقد كان في مقدمة العوامل التي أكرمته بالصفاء الروحي وأيدته بالإلهام الصائب والفتوحات الربانية تلك الساعات الطويلة التي كان يأخذ نفسه فيها بالأذكار المأثورة والأوراد التي تنسب إلى كبار الأولياء والمرشدين، كالأوراد القدسية للشاه نقشبند، وكالجوشن الكبير الذي كان يقرؤه ويوصي بقراءته، كما كان من أهم تلك العوامل خلواته الكثيرة والطويلة التي يمضيها في شواهق الجبال، وأحيانًا على مقاعد في أعالي الأشجار، يحاسب فيها نفسه ويراقب فيها ربه، ويتأمل صفات الخالق في مرآة مخلوقاته الكونية... وهل كان ذلك كله إلا جزءًا من المسمى الذي لم يكن له في صدر الإسلام هذا الاسم الذي شاع له من بعد "التصوف". ولكنه كان-كما قلت لكم- لباب الإسلام ومكنونه، وكانت علاقته بأحكامه السلوكية الظاهرة، كعلاقة الروح بالجسد.

ولقد كان من نتائج هذه العوامل سنوحات ربانية علوية، يفيض بها قلبه، تعلو به في سلّم المقامات، وترقى به إلى أعلى تلك الدرجات. من هذه المقامات أن يصل السالك من جهوده وجهاده إلى نكران الذات والفناء في المنعم جل جلاله والرقي إلى أعلى درجات الإحسان، وهو عدم شعور العبد بإحسانه، وذهوله عن أحواله ومقاماته.

وإليكم بيانه لهذه الرتبة التي لا يتذوقها ولا يرقى إليها إلا من أخذت بمجامع نفسه نشوة العبودية لله، وناله منها ما يشبه السُّكْر، يقول:

قال لي أحد الأتقياء في قسطموني شاكيًا: "لقد ترديتُ وتقهقرتُ عن حالي السابق... إذ فقدت ما كنت عليه من أحوال وأذواق وأنوار".

فقلت له: بل ترقيتَ، واستعليتَ على الأذواق والكشوف التي تلاطف النفس وتذيقها ثمراتها الأخروية في الدنيا، وتعطيها الشعور بالأنانية والغرور... وقد طرت إلى مقام أعلى واسمًا، وذلك بنكران الذات وترك الأنانية والغرور، وبعدم التحري عن الأذواق الفانية... نعم إن من الإحسان الإلهي للعبد أن يُنسيَه إحسانَه بفنائه عن نفسه التي لا حول لها ولا قوة ولا وجود إلا بالمحسن الأوحد وهو الله عز وجل.

أليست هذه السنوحات من المسميات التي لم يكن لها في صدر الإسلام اسم مختص به؟ لقد كان لها حضور بارز في ذلك الصدر الأول، ولكن لم يعبَّر عنها إلا بما سماها الله تعالى به، وهو تزكية النفس والصعود الدائم في درجات الإحسان.

ولقد كان من آثار هذه العوامل أيضًا تنامي مشاعر الخشية من الله بين جوانحه، وهيمنة الرقابة الإلهية على قلبه، وتعاظم الخوف في نفسه مما هو مقبل عليه بعد الموت. وكلها مسميات قدسية لهذا الذي يسمى اليوم تصوفًا، ولكن لم يكن لها وراء اسم العبودية الضارعة لله تعالى حينذاك أي اسم مصطنع آخر.

ولنتأمل ترجمة هذه الآثار لديه في هذا الدعاء الواجف الذي صاغه الأستاذ النورسي رحمه الله باللغة العربية، وكان يناجي به ربه عز وجل في أوقاته الخاصة.

يقول رحمه الله: "يا إلهي الرحيم يا إلهي الكريم: قد ضاع بسوء اختياري عمري وشبابي وما بقي من ثمراتهما في يدي إلا آثام مؤلمة مذلة، وآلام مضرّة مضلّة، ووساوس مزعجة معجزة، وأنا بهذا الحمل الثقيل والقلب العليل والوجه الخَجِل، أدنو إلى باب قبري، بيت الوحدة والانفراد في طريق أبد الآباد، مفارقًا هذه الدار الفانية الهالكة باليقين، والآفلة الراحلة، والغدارة المكّارة لا سيما لمثلي ذوي النفوس الأمارة.

فيا ربي الرحيم ويا ربي الكريم: أراني عن قريب وقد لبست أكفاني وركبت   تابوتي، وودعت أحبابي، وتوجهت إلى باب قبري. فأنادي وأنا على باب رحمتك: الأمان الأمان، يا حنان يا منان، نجني من خجل العصيان.

آه.. كفني على عنقي، وأنا قائم عند رأس قبري، أرفع رأسي إلى باب رحمتك، أنادي: الأمان الأمان، يا رحمن يا حنان، خلصني من ثقل حمل العصيان.

آه.. أنا ملتفٌّ بكفني وساكن في قبري، وقد تركني المشيعون، وأنا منتظر عفوك ورحمتك مشاهد بأن لا ملجأ ولا منجى إلا إليك، وأنادي: الأمان الأمان من ضيق المكان ومن وحشة العصيان، ومن قبح وجه الآثام يا رحمن يا حنان ويا ديّان، نجني من قيود الذنوب والعصيان.

إلهي: رحمتك ملجئي ووسيلتي، وإليك أرفع بثي وحزني وشكايتي.

يا خالقي الكريم، ويا ربي الرحيم، ويا سيدي ومولاي... مخلوقك ومصنوعك وعبدك العاصي العاجز الغافل الجاهل العليل الذليل المسيء المسنّ الشقي الآبق، قد عاد بعد أربعين عامًا إلى بابك، ملتجئًا إلى رحمتك، معترفًا بالذنوب والخطيئات، مبتلى بالأسقام والأوهام، متضرعًا إليك... فإن تقبل وتغفر وترحم فأنت لذلك أهل وأنت أرحم الراحمين، وإلا فأيّ باب يُقصد غير بابك، وأنت الرب المقصود والحق المعبود، ولا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك. آخر كلامي في الدنيا وأول كلامي في الآخرة وفي القبر: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

تأمل في هذه المناجاة التي لا تنبثق إلا من قلب ملتاع بلوعة التعظيم والخشية والحب، فياض بمشاعر العبودية الواجفة لله عز وجل ... وتساءل معي: من أين تفجرت في قلبه هذه الأحاسيس العلوية المنصرفة بكليتها إلى الملأ الأعلى، والمعرضة عن ملكوت الأرض وزخارف الدنيا؟.

أما إن هذه الأحاسيس لا تنبثق إلا من قلب من أخذ نفسه بأوراد الصباح والمساء، وغذى فطرته الإيمانية بالكثير من ذكر الله ومراقبته، وألزم نفسه بمنهاج دائم من التنقل في مدارج السالكين. وهل كان هذا إلا ديدن الرعيل الأول من المسلمين، وهل كان هذا في حياتهم إلا عملاً بدون عنوان مثير، ومسمى بدون اسم مصطنع؟

وما أظن أن الأستاذ النورسي نفى اسم التصوف عن نفسه في أكثر من مناسبة وقعت عليها، إلا ليجعل من نفسه أمام الله تعالى فعالاً بتواضع وصمت، لا قوالاً يتجمّل أمام الناس بالعناوين والألقاب، ولعله أراد بذلك أن يشد نفسه إلى عهد السلف الصالح فيسير على نهجهم وينهل من وِردهم، ويحقق بذلك في نفسه الشطر الأول من مقولة: "كان التصوف في صدر الإسلام مسمى لا اسم له".

موقف الأستاذ النورسي من البدع

في الناس من يظن أن من شأن الذين يكثرون الاهتمام بأسباب التزكية النفسية، وأحوال القلب ومقامات القرب من الله، أن يتساهلوا في البدع وأن يذهلوا عن خطورة الركون إليها وعن شدة تحذير رسول الله صلى الله عليه وسلم منها!.

غير أن الواقع مخالف لهذا الظن تمامًا. فما تتبعنا حال من سلكوا "بصدق" مسالك التزكية النفسية واهتموا بمراقبة أحوال القلب وسبل التقرب إلى الله، إلا ورأيناهم من أكثر الناس ابتعادًا عن البدع ومن أشدهم تحذيرًا منها. وارجع إن شئت إلى الرسالة القشيرية وتأمل في تراجم رجالها، تجد الجامع المشترك بينهم تلاقيهم على نبذ البدع ومحاربتها.

والأستاذ النورسي وإن كان متأخرًا عن الرعيل الأول وسلف هذه الأمة في الوجود، إلا أنه ليس متأخرًا عنهم في المكانة والرتبة فيما نحسب، ولا نتألّى على الله.

فقد أكثر الأستاذ في رسائله، وفي لمعه وفي إشعاعاته، من التحذير من ممارسة البدع باسم الدين، ومن التنبيه إلى ضرورة التمسك بأهداب السنة النبوية وعدم الخروج عليها.

وهو إذ ينبه إلى ذلك يلفت النظر إلى أن التمسك بالسنة النبوية والحرص الشديد عليها وعلى عدم الشرود عنها، هو دأب أولياء الله تعالى وشأن المرشدين الربانيين.

يقول رحمه الله في اللمعة الحادية عشرة: "إن من يجعل اتباع السنة النبوية عادته، فقد حول عاداته إلى عبادات، ويمكن أن يجعل عمره كله مثمرًا ومثابًا عليه".

ثم يقول: "لقد قال الإمام الرباني أحمد الفاروقي رحمه الله: بينما كنت أقطع المراتب في السير والسلوك الروحاني، رأيت أن أسطع ما في طبقات الأولياء وأرقاهم وألطفهم وآمنهم وأسلمهم، هم أولئك الذين اتخذوا اتباع السنة الشريفة أساسًا للطريقة" ويعلق الأستاذ النورسي على كلام الإمام الرباني هذا قائلاً: "نعم إن الإمام الرباني مجدد الألف الثاني ينطق بالحق. فالذي يتمسك بالسنة الشريفة ويتخذها أساسًا له، لهو أهل لمقام المحبوبية في ظل حبيب الله ".

ومن هذا المنطلق ينكر الأستاذ النورسي رحمه الله على الشيخ محي الدين بن عربي فكرة وحدة الوجود، ولكنه لا يرميه بسببها بكفر أو زندقة أو فسوق، ولا يتجاهل سعة علومه وعمق أفكاره وعلوّ مقامه.

يقول جوابًا عن سؤال يتعلق بابن عربي رحمه الله: "إنك يا أخي بسؤالك هذا تضطرني إلى أن أناقش وأنا الضعيف العاجز خارقة الحقيقة وداهية علم الأسرار محي الدين بن عربي، ولكن لما كنت سأخوض في البحث معتمدًا على نصوص القرآن الكريم، فسوف أستطيع أن أحلّق إلى أعلى من ذلك الصقر وأسمى منه، وإن كنت ذبابة".

ثم يقول "اعلم أن محي الدين بن عربي لا يَخْدع ولكنه ينخدع، فهو مهتدٍ ولكنه لا يكون هاديًا لغيره في كل ما كتبه، فما رآه صدق وصواب ولكن ليس هو الحقيقة"...

وقد أطال الأستاذ النورسي في مناقشة أفكار ابن عربي رحمه الله، ملتزمًا ضوابط اللياقة والأدب دون تجريح ولا اتهام له، وأتى بكلام دقيق مقنع يضيق هذا المقام عن نقله. وبوسعنا أن نوجز ذلك كله في قوله عنه "ولما كان الشيخ قد انتهج مسلكًا مستقلاً، وكان صاحب مشرب مهم وله كشفيات ومشاهدات خارقة، فإنه يلجأ باضطرار إلى تأويلات ضعيفة وتكلف وتمحّل ليطبق بعض الآيات الكريمة حسب مشربه ومشهوداته، مما يخدش صراحة الآية الكريمة ويجرحها... فالشيخ ابن عربي له مقام خاص لذاته، وهو من المقبولين، إلا أنه بكشفياته التي لا ضوابط لها، خرق الحدود وتجاوزها وخالف جمهور المحققين العلماء في كثير من المسائل".

أقول: ولم أجد في شيء من أحاديثه عن ابن عربي رحمه الله، ما يذكره جل المترجمين له من أن الباطنيين دسوا في كتابه "الفتوحات" كثيرًا من الأفكار الباطنية والعقائد الكفرية التي يتبنونها، منهم ابن العماد في كتابه "شذرات الذهب"، وابن المقري في "نفح الطيب"، والإمام الشعراني في "اليواقيت والجواهر"، وحاجي خليفه في "كشف الظنون". وأعتقد أن هذه حقيقة تعلو على الريب والظن. لا أدل على ذلك من أنك لا تجد في فتوحاته فكرة تناقض العقائد الإسلامية إلا وتجد في مكان آخر فيه ردًا عليها وتحذيرًا من الأخذ بها. تأمل في هاذين البيتين من تائيته تجد أنهما ينطويان على نقيض وحدة الوجود ويقرران العقيدة الإسلامية المأخوذة من كلام الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم:

وجدت وجودًا لم أجد ثانيًا  له  ***  وشاهدت ذاك الحق في كل صنعة

وطالب غير الله في الأرض كلها *** كطالب ماء من سراب بقيعــة

وبعد، فكلنا يعلم أن الأستاذ النورسي ما إن تجاوز الأربعين من عمره حتى نفض فكره ويديه من السياسة وأحابيلها، واتجه في أنشطته الإسلامية إلى ميدان التربية وتزكية النفس ونقد الذات، وافتتح حياته الجديدة بقوله: أعوذ بالله من الشيطان والسياسة.

    كانت صلته بالناس الذين يرشدهم ويربيهم عن طريق رسائله التي يكتبها إليهم فتنتشر فيما بينهم، أما هو فكانت تتلقاه السجون سجنًا إثر سجن، لا يتأتى له "إلا نادرًا" الجلوس إليهم والتحاور معهم. ومع ذلك فقد أثمرت جهوده هذه كما لم تثمر جهود أي جماعة إسلامية أو حزب إسلامي، اتخذ من السياسة سلّمًا للبلوغ به إلى عقول الناس وأسماعهم!.. ها أنتم ترون اليوم ثمار تربيته الروحية والسلوكية، يانعة متجددة على عرض هذا المجتمع وطوله، يبدد ضياءه الساطع ما تراكم من ظلمات الجهالة والفسوق والإلحاد. وكأنه ضياء أشرق للتوّ أو لكأنها تربية تلقتها الآذان والألباب بالأمس القريب.

    فما السرّ الكامن وراء هذه الظاهرة الغريبة التي تتبدى في سطور ورسائل وكلمات مضى على توجيهها إلى الناس ما يناهز القرن من الزمن؟

    السر يكمن في هذه الإشراقة الروحية التي كانت تتوهج بها حياة الأستاذ النورسي ... لقد كان هذا الوهج هو الروح السارية في رسائله وكلماته، وكان مَعِينه متمثلاً في ذلك الجهاد الخفي الذي كان يأخذ به نفسه، مراقبة لله، وذكرًا دائمًا له، والتجاء إليه بالأسحار، وملازمة للأوراد التي تصفّي القلب في البكور والآصال... وإنه للجهاد القدسي الذي كان في صدر الإسلام مسمى لا اسم له، ثم غدا اليوم اسمًا لا مسمى له.

    فهل للجماعات الإسلامية التي تنشد اليوم ثمرات جهودها وأنشطتها في منعرجات السياسة، ولمّا تعثر عليها، أن تنهج منهج الأستاذ النورسي في السلوك إلى الله وتربية النفس وتطهيرها من الرعونات والأوضار؟.

المصدر: http://www.naseemalsham.com/ar/Pages.php?page=readrticle&pg_id=53252

 

 

 

إقرأ المزيد

 حتى نكون موضوعيين في كتاباتنا، سنبدأ بتحديد معنى التطرف، هل يعني التطرف التمسك بالدين؟ أو هل يعني التعصب للرأي؟ أو هل يعني معاداة الفرد للمجتمع الذي يعيش فيه؟ أو هل يعني محاربة الفساد في هذا المجتمع؟ أو هل يعني مجابهة الحكومات بسبب اختلال سياستها وأنظمتها؟ أو هل يعني توجيه شديد النقد إليها، كلما حدث خطأ أو تجاوز منها؟

إن لفظة التطرف تعني الوقوف على طرف، أي أن المتطرف يقف على حافة شيء، وغالبًا ما يختل توازن كل من يقف على الحافة أو الطرف، فهو مهدد دائمًا بالسقوط. فالتطرف إذن هو المبالغة في أي أمر، وعدم الاعتدال فيه.

المجتمعات الأوربية

لا يخلو أي مجتمع من وجود التطرف والمتطرفين، حتى المجتمعات الأوروبية التي يظن الكثيرون أنها مستقرة لا يعكر صفوها هذا التطرف وهؤلاء المتطرفون، ففي فرنسا مثلاً توجد فئة كبيرة مشايعة لليمين المتطرف exl-reme droite، وأخرى مشايعة لليسار المتطرف، وعلى الرغم من أن الحكومة الفرنسية ذات ميول يسارية في أصل مذهبها السياسي، لكنها تحاول أن تكون حكمًا محايدًا، لا ينحاز لأي من هذين الاتجاهين المتطرفين.

المجتمعات الإسلامية

والتطرف في المجتمعات الإسلامية يأخذ طابعًا خاصًا، إذ تتمحور اتجاهات التطرف وتتبلور في مدى التمسك بالفضائل المرتبطة بالعقيدة، وعدم التمسك بها، فكلما كان هناك مساس بهذه الفضائل، كان هناك مجابهة لهذا المساس، وكلما كان هناك تطرف في هذا المساس، كان هناك تطرف في هذه المجابهة.

التطرف في العبادة والدعوة

وقد جاءت نصوص الآيات والأحاديث، لتضع المسلم في مركز التوسط والاعتدال، حتى لا تذهب به المبالغة إلى التطرف، ولاسيما في مجال العبادة والدعوة، لأن العبادة ترشيد لنفسه، والدعوة ترشيد لغيره، وهذا الترشيد لا يحقق ثمرته على الإطلاق في نطاق المبالغة والتطرف.

ففي مجال العبادة يقول الله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾(المائدة:6)، ﴿يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾(البقرة:185)، ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾(الإسراء:29)، وهذا نموذج من الآيات التي تؤكد على التوسط والاعتدال في هذا المجال. ويقول الرسول " صلى الله عليه وسلم": "إن أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل" (رواه البخاري)، "يسروا ولا تعسروا" (رواه مسلم)، "من شدد شدد الله عليه"، "لن يشاد الدين أحد إلا غلبه" (رواه البخاري)، وهذا نموذج من الأحاديث يؤكد هذا المعنى المراد.

وفي مجال الدعوة يقول الله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(النحل:125)، ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾(الشورى:15).

ويقول الرسول " صلى الله عليه وسلم": "من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه" (رواه مسلم)، "بشروا ولا تنفروا" (رواه مسلم).

من أين يأتي التطرف إذن؟

أمثل علاج للتطرف هو توسيع نطاق الصالحين والمصلحين، والتضييق على الفساد والمفسدين.

يبدو أن الأحداث الخطيرة التي تنزل بمجتمعات المسلمين، أو الكوارث التي تعصف بها تدفع بالعباد والدعاة إلى أن يتشددوا، ويشددوا في الأخذ بتعاليم الدين، والتحلي بفضائله، خوفًا من طغيان هذه الأحداث، واستمرار هذه الكوارث، وتهديد المجتمع بالانهيار والدمار، فإن الاعتقاد السائد أن انتشار الفساد في أي مجتمع وخاصة المجتمع الإسلامي هو سبب هذا كله، مصداقًا لقولة تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا﴾(الإسراء:16). ويبدو أن محترفي الفساد وهواته يضيقون بهؤلاء العباد وهؤلاء الدعاة، ولذلك يبذلون أقصى جهودهم في استعداء السلطة عليهم، واستنهاض الأقلام والكتاب للنيل منهم وتشويه أمرهم، واستنكار أعمالهم، تمهيدًا للقضاء عليهم، حتى يضمنوا لأنفسهم العيش في أمان من مخاطرهم. وتظل حلقة التشدد والتطرف بين الفريقين تنداح وتتسع أبعادها، حتى تشغل المجتمع، وتلهيه عن تحسين حاله، وتأمين مستقبله.

وما العلاج الناجع للتطرف؟

لاشك أن علاج التطرف بالذات لا يكون بمقابلته بتطرف مثله، فإن هذا كما يقال إنما هو سكب البترول على جمرة من النار، ليزيدها اشتعالاً، أو أنه سيكون كعملية شد الحبل بين فريقين، يمسك كل منهما بطرف منه، وقد يكون هذان الفريقان متساويين في القوة، فتظل المغالبة بينهما إلى ما شاء الله، وقد يكون أحدهما أقوى فتكون له الغلبة، ولكن انتصاره موقوت، فإن المهزوم لن يصبر على هزيمته، وسيحتال لتقوية نفسه، كي يعود إلى الشد من جديد. ومعنى هذا أن المغالبة مستمرة، ولا يعلم إلا الله متى تنتهي، ومن سيكون فيها المغلوب إلى الأبد.

إن العلاج الأمثل هو في توسيع النطاق للصالحين والمصلحين، وتضييق الخناق على الفاسدين والمفسدين، هو في تقوية صوت الحق، وخفوت صوت الباطل، هو في جعل الفساد وبطارقته من ثانويات تكوين المجتمع، لا من أساسياته. وأقول "تضييق الخناق وخفوت صوت الباطل وجعل الفساد من الثانويات لا من الأساسيات"، لأننا لا نستطيع القضاء على الفساد مهما بذلنا من قوة، لكننا نستطيع أن نجفف الكثير من روافده، ونكشف التزوير الذي يخدع به الكثير من دعاته.

إن العلاج الأمثل إنما هو في تجلية المثل العليا، حتى لا يغشيها غبار الشهوات الدنيا، وفي الحفاظ على القيم النفيسة، حتى لا تهبط بها النفوس الخسيسة، وفي الحرص على الأخلاق الفاضلة، حتى لا تنال منها الميول السافلة.

وما الإرهاب؟

أما الإرهاب فهو إحداث الرعب في القلوب، وليس الإرهاب مرتبطًا حتمًا بالتطرف، فقد يكون التطرف دون إرهاب، وذلك عندما تكون السلطة من الحكمة بحيث تحفظ التوازن بين الفئات المتطرفة، ومن العدالة بحيث لا يميل أي متطرف إلى الإرهاب بسبب شعوره بظلم.

وإحداث الرعب أمر غير محمود في أي مجتمع، سواء أكان مصدر هذا الرعب هو الأفراد أم الحكومات، فقد يكون هذا الرعب من فرد ضد فرد، وقد يكون من فرد ضد جماعة أو حكومة، وقد يكون من حكومة ضد مواطنيها أو مواطني دولة أخرى.

الإرهاب المطلوب

وأمر الإرهاب يحتاج إلى شيء من التفصيل، فقد يكون الإرهاب مطلوبًا شرعًا، وذلك إذا ما كان موجهًا إلى أعداء الإسلام والمسلمين، فمن الواجب شرعا على كل مسلم وكل حكومة مسلمة الإعداد المستمر لهذا الإرهاب، مصداقا لقوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لاَ تَعْلَمُونَهُمُ اللهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ﴾(الأنفال:60). وهذا الإرهاب المطلوب هو الذي يتحقق به النصر على الأعداء، فإن الرعب إذا استحكم في قلوبهم خارت قوتهم، وارتعدت مفاصلهم، وسقط السلاح من أيديهم، وفروا هاربين، أو استسلموا مهزومين. ولذلك قال رسول الله " صلى الله عليه وسلم": "نصرت بالرعب" (رواه مسلم).

الإرهاب المرفوض

والإرهاب المرفوض هو غالبًا ما يتركز في طائفتين: طائفة يحركها الاعتداء المؤقت، وطائفة يحركها التخريب المبيت، فأما طائفة الاعتداء المؤقت فيسميهم الفقهاء البغاة، وقد نظم الإسلام علاقة جمهور المسلمين بهم على أساس من الإصلاح والتقويم، لا على أساس من الانتقام والتجريم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾(الحجرات:9). وقد يكون اعتداء طائفة على طائفة أخرى من المؤمنين لأسباب تافهة، لكنها على كل حال لا تضمر عداء لتعاليم الدين، ولا تبيت النية لتخريب ديار المسلمين.

أما الطائفة التي يحركها التخريب المبيت فهي طائفة الحرابة، وقد نظم الإسلام علاقة المسلمين بهم على أساس من الانتقام والتجريم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾(المائدة:33). فالإرهاب هو إدخال الرعب بتحدي منهج الله ونظام رسوله في استقرار مجتمع المسلمين، وتأمين كل فرد فيه على نفسه وماله وعرضه، وهو إرهاب الحرابة، وهو الإرهاب الذي تجب مقاومته، وتحصين مجتمع المسلمين منه. أما الإرهاب الذي نبث به الرعب في قلوب أعداء الإسلام والمسلمين، فهو من الخصائص التي يجب أن يتميز بها مجتمع المسلمين.

عدم الخلط أسلم

وقد قمنا بتوضيح مفهوم هذه العبارات، وتحديد مواقف هذه الطوائف، حتى لا يكون هناك خلط بينها، فإن عدم الخلط بين هذه المفاهيم، أو هذه المواقف هو الأسلم في أي مجتمع مسلم. لا بد أن يستعمل الدواء المر في محله، وأن يستعمل الدواء الحلو في محله، لا بد أن تستعمل المبيدات والمطهرات في أماكن الحشرات والقاذورات، وأن تكون الجماليات والزينات في أماكن الأفراح والاحتفالات، لابد أن يتوفر الأمن لكل من يحرص على رقي المجتمع وتنمية مواهبه وموارده، وأن يتوجه الإرهاب إلى كل من يعمل على انحدار المجتمع، وتصفية مواهبه، وتخريب موارده.

القول الثابت

وإذا كان الكلام الذي تتداوله أو تتناوله الألسنة والأقلام في المجتمعات غير الإسلامية كلامًا قد ينقصه التحديد والثبات، إذ يتعرض للتغيير والتحوير، ويقبل التبديل أو التعديل، فإن كلام الله هو المحكم الثابت الذي لا يلحقه تغيير أو تحوير، ولا يرد عليه تبديل أو تعديل، بل هو الذي تستقر عليه الأحوال، وتنتظم به الأوضاع، وتنضبط التصرفات والأعمال، ويثبت الله به قلوب المؤمنين: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ﴾(إبراهيم:27). 

المصدر: مجلة الوعي الإسلامي: العدد 598

 

 

إقرأ المزيد

 حصانة وحصافة المؤمن

الإيمانُ كنزُ خِبْرَةٍ، وحصن أمان من مكر اﻷعداء؛ ﻷنه يجعل المؤمن نابهًا وكيسًا فطنًا، وفي حالة من اليقظة والجهوزية التامة، ولذلك لا يمكن للمؤمن الحق أن يُلدغ من جُحْر واحد مرتين، أما المؤمن المزيف فسيُلدغ عشرات المرات من نفس الجحر.

حقيقة

كثيراً ما يقود "التَّرَفُّه" أصحابه إلى "الترهُّل".

معمل البركة

يستطيع العلم والإخلاص أن يصنعا من المدخلات القليلة مخرجات كثيرة، وأن يُخْرِجا من المقدمات الرديئة نتائج جيدة.

اﻹيمان الملدوغ

يُلدغ المسلم من ذات الجُحْر إذا لدغ إيمانه، وذلك إذا افتقد أحد شروط الإيمان: العلم أو الإخلاص أو العمل.

مصابيح القرآن

الحياة فيها مجاهل سحيقة، ودياجير شديدة، وظلمات كثيفة، ولا يمكن ضمان السير على الصراط المستقيم إلا تحت أضواء القرآن، وما لم نُفَعِّل مفاتيح تدبر القرآن فإن مصابيح القرآن لن تضيء.

ثقافة القطيع

جاء الإسلام فألغى الروابط العرقية والغريزية، محررًا الإنسان من ثقافة القطيع، داعيًا إياه إلى التحرر من أواصر الجاهلية والتقلب مع رابطة التقوى، حتى قال أحد الشعراء:

إذا ابتغينا سوى إسلامنا نَسَبا  ***  فإنَّ جَدَّتَنا حَمَّالةُ الحَطَبِ

امتزاج الحق والقوة

الحق بدون قوة ضعيف، والقوة بدون حق إرهاب وإجرام، ولابد من المزج الحكيم بينهما، حتى نخرج من مآسي تفرد أحدهما بالحضور، يقول الشاعر المصري أحمد محرم:

إن كُنتَ ذا حَقٍ فَخُذْهُ بقوةٍ  ***  الحَقُّ يَخذُلُهُ الضعيفُ فيَزْهَقُ

الفرقة والوحدة

الفُرْقة من أهم صُنّاع أوجاع المسلمين وأحزانهم، ولن تعود لهم الفرحة إلا بالتوحد المصحوب بالتعدد الحر:

إن يومًا يَلُمُّنا من شَتَاتٍ  ***  هو للمسلمين أسْعدُ عيد

ومضة

كل الطرق ﻻ تؤدي إلى مكة، باستثناء طريق الله.

القلق البناء

العقول التي تكابد القلق المعرفي إلى حد الأرق، هي التي تتباسق وتتسامق، وتثمر وتورق.

العظمة العصامية

العقل مضغة عظمة الإنسان، والتفكير خميرته، غير أن الصعود إلى علياء المجد لا يتأتى إلا لمن تربى من المهد، فتتآلف العصامية مع العظامية للوصول إلى هذه القمة الشامخة.

التعليم السيئ 

التعليم التلقيني الجاف محراث سيئ، يؤدي إلى أن تنزف العقول ملكاتها، وإهدار الألباب لطاقاتها، وعلى المدى البعيد يصبح العقل كالأرض الجُرُز.

موانع السموق

إن استئصال المرء لما بين "جوانحه" من آفات؛ يمنحه "الأجنحة" التي يجوب بها الآفاق، ويحلق بها في سماء المعالي، وبها يقطف المكارم، ويجترح المآثر، ويعانق المفاخر.

العلو المتسفل

مهما كانت الملكات الوهبية التي يملكها الإنسان رفيعة، فإن الاستكبار يضعها، والاستعلاء يهبط بها، ولهذا كان الغرور غررًا في معرفة قدر الذات.

المضغة النفيسة

الأرض هي قلب الكون، والكائنات الحية هي قلب الأرض، والإنسان هو قلب الأحياء، وقلب الإنسان هو فؤاده وعقله، فالقلب إذن أَثْمَنُ ما في هذا الوجود وأَنْفَسُهُ.

خفة التواضع وثقالة التكبر

ما يزال المرء يتواضع ويتخفف من أثقال الذات، حتى يصير أخف من الريشة، وعندها يصعد إلى العلالي. وما يزال الفرد يتورم ويتكبر حتى يتخشب ويتحجر، وعندها تشده جاذبية التراب، فيسقط من علياء إنسانيته، كجلمود صخر حطه السيل من عل!

ثنائية اﻻبتلاء

تستطيع بصيرة الإنسان رؤية كُنه الأشياء، عندما يجتمع الشكر على المسرات والصبر على المضرات في قلب شخص واحد، مثل البصر الذي لا تنفذ رؤيته إلا إذا اجتمع السواد والبياض في العين.

وظيفة التزكية

زوائد الظلم والجهل عند الإنسان مثل قرون الحيوانات البارزة، وبها تطعن غيرها، وبالتزكية الشفافة والتفكير الناقد يتم إزالة هذه الزوائد، إذ بتقليب الفكر يتم تقليم أظافر الهوى ونزع مخالب النفس الأمَّارة بالسوء، وبمشاعر المراقبة اﻹلهية يتم قص شعر الطمع والهلع والجزع.

انتقام الطاقات

الطاقات الكامنة في المرء والتي لا يكتشفها ويوظفها التوظيف المناسب، فإنها تطوق عنق صاحبها وقد تخنقه، ولهذا فإن كثيرين من أصحاب العلل النفسية هم من الأذكياء والموهوبين.

قارب الفهم

إذا عبر الإنسان إلى جزيرة العلم عن طريق عبَّارة الفهم الآمنة، فإنه سيجد فيها بساتين الحلم، وحدائق العزم، مما يجعله قويًا في اجتثاث المنكرات، قادرًا على اقتلاع الشرور.

"مال" ﻻ "مميل"

يظل "المال" مالاً عند المؤمن، ولا يصبح "مميلاً" له، لأنه "يستمر" في يده ولا يسمح له بأن "يستقر" في قلبه.

ومضة

اﻹنسان هو ملك متوج في هذه اﻷرض، باستخلاف من مالك هذا الكون.

أسئلة البحث عن الذات

هناك عدد من الأسئلة التي تنبعث، في سياق محاوﻻت اﻷمة للإنبجاس من بين صخور التخلف المقيت، وصناعة ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(آل عمران:110) من جديد، أرجو أن تساهم في استفزاز خلايا المخ، وتحريك المياه الفكرية الراكدة، وتدفعنا جميعًا للبحث لها عن إجابات، بعيدًا عن التخندق اﻷعمى والمسلمات المسبقة.

هناك علاقة وثيقة في بلداننا المتخلفة بين "الأحزاب" و"الأحزان"، ولكن أيهما السبب؟ وأيهما النتيجة ولم ﻻ يحدث ذلك إلا في بلداننا.

متى ستنتقل علاقة المسلمين بإسلامهم من خانة "الاسم" إلى دائرة "الفعل" ومن مربعات "الشعارات" إلى ساحات "المشاريع".

ما تتعرض له الأمة الإسلامية على كل الصعد، هل هو "اغتيال خارجي" أم "انتحار داخلي".

لماذا صار مسلمو هذا العصر أقرب إلى "أحجار على رقعة الشطرنج" يلعب بهم اﻵخرون؟

لماذا ندخل المساجد "أفرادًا" ونخرج منها "أفواجًا"؟

في قضية التقشف المطروحة في الدول العربية التي تعاني من مشاكل اقتصادية، هل المطلوب من الجماهير "ربط البطون" أم "ربط العيون".

هل يمكن عدّ مسلمي هذا العصر ورثة لـ"أهل الكتاب" أم لـ"أمراضهم".

في قضية فلسطين والاستعلاء الصهيوني، هل تكمن المشكلة في "الإدارة الأمريكية" أم في "الإرادة العربية".

لماذا جعلنا الإسلام دينًا لاهوتيًا؟ وكيف ظهرت العلمانية المقدسة في وعي وممارسات كثير من المسلمين.

لماذا ينتقم "الدين الكامل" من "التدين المنقوص"؟ وما دور ذلك في تخلف الأمة الشامل.

لماذا جعلنا القرآن "عضين" وكيف جعلناه مجرد "قراطيس".

لماذا "تَقِلّ" الثغور المحروسة والفروض الكفائية المعمورة كلما تقدمت السنين، رغم "ازدياد" عدد المتدينين؟ ولماذا "تنقص" الثغور المحروسة في اﻷمة رغم "ازدياد" حفاظ القرآن الكريم.

ما الفرق بين من "يقولون بدون علم" وبين من "يعلمون بدون قول".

لماذا تغيرت المعايير حتى صار كثير من الناس يرون "الراتع" في حرمات الناس "رائعًا"، و"الراقص" على أجساد الورى "بارعًا".

قال الشاعر العربي القديم

عربٌ رأيت أصح ميثاق لهم  ***  أن لا يصح لديهم ميثاق

فإن اتفاق العرب على عدم الاتفاق، واختلافهم على التوحد، ظاهرة قديمة ممتدة حتى اليوم، فلماذا تحدث؟ وما هو المخرج منها؟

لماذا يتصاغر العربي أمام "الأجانب" ويتكبر على "الأقارب".

لماذا "تزيد" المرأة قيمة فساتينها إلى "الضِّعف" و"تُنقص" من عمرها إلى "النصف".

لماذا نرى "التقدم العلمي" يصحبه "تخلف أخلاقي".

التنوع المؤتلف

سلاح التفرد

"الانفراد" المستغني بالذات سبيل "الانفراط"، أما انفراد التميز في البناء والتألق في الخدمة الاجتماعية، فهو سبيل "الائتلاف".

تبعثر التعثر

إن "تبعثر" الجهود ولو كانت كثيرة، طريق سريع نحو "التعثر"، وإن "الارتجال" الفوضوي "هرجلة" أقرب إلى التهريج، ولا يمكن أن يثمر إلا المرارات.

فرق مبرر

تهدم سور برلين الذي كان يفصل بين الألمانيتين، بسبب الحوار والوعي الجمعي الذي يُصنع داخل محاريب التربية والتعليم، أما نحن فقد زادت أسوارنا سمكًا وارتفاعًا، لتَنْهَدّ أسوارنا مع اليهود.

التخم المرضي

تضخم "الأفراد" يمزق حتمًا "الأفواج"، والسماع لـ"الوشاة" يؤدي بالإخوان إلى "التناوش"!

معادلة

الأصالة ثمرة "الأصول الثابتة"، والمعاصرة ثمرة "الفروع النابتة".

تناسب

قد يتناسب "الجموح" مع الأفراد، لكنه لا يتناسب مع "الجموع" التي لابد أن يحكمها التباسق المتناسق، والتسابق المنسجم، والتنافس المنتظم.

التوحيد أساس الوحدة

التوحيد العبادي هو سُلَّم الوصول بطوائف الأمة إلى "التوحد"، و"الوحدانية" هي سبيل تحقيق "الوحدة".

المؤمن القرآني

المؤمن الذي يعتصم بحبل قرآنه الكريم "يقطع" فيما يعتقده صائبًا، لكنه لا "يقمع" ما يراه خاطئًا، يُسدِّد ولا يُسفِّه، يمارس "الحوار الهادئ" لا "الخُوار الصاخب".

أسباب وأسرار

باستنفاد "أسباب الأرض" تصبح آحاد الطيور أسرابًا، وباستمطار "أسرار السماء" تصبح أمزان السماء أسكابًا.

ومضة

إن تعدد "الآراء" في منطقة المتغيرات هو من "الآلاء".

 

 

 

إقرأ المزيد

 إن صديقًا محبًا أقبل من آفاق الأرض، ونزل ضيفًا على يوسف الصديق عليه السلام. لقد كانا صاحبين في عهد الطفولة، وكانا معًا متكئين على وسادة المودة.

وذكر هذا الصديق يوسف عليه السلام بجور إخوته وحسدهم. فقال يوسف عليه السلام: "لقد كان هذا قيدًا وكنت أسدًا". ولا عار على الأسد من القيد. ولا شكوى من قضاء الحق.

ومهما كبّلت عنق الأسد بالقيود، فإنه يظل أميرًا على كل من صنعوا هذه القيود!".

فقال الصديق: "وكيف كان حالك في السجن وفي البئر؟" فقال يوسف عليه السلام: "كنت كالقمر في المحاق، وإبان نقصانه".

فإذا كان الهلال قد تقوس في المحاق، أفلا يغدو في العاقبة بدرًا  على السماء؟

وحبات اللؤلؤ لو أنها سُحقت، أفلا تكون نورًا للعين والقلب "وعونًا" على بعد النظر.

إن حبة القمح توضع تحت التراب، فتصنع لها من التراب سنابل. ومرة أخرى تُسحق بالطاحون، فتزداد قيمتها وتغدو خبزًا يدعم الحياة. ثم يمضغ الخبز بالأسنان، فيصير للعاقل عقلاً وروحًا وفهمًا! وهذا الروح لو صار فانيًا في العشق، يصير بعد الزرع "نباتًا" "يعجب الزراع".

ولا نهاية لهذا الكلام، فعد "بنا لنرى" ما كان حديث لهذا الرجل الطيب مع يوسف عليه السلام.

لقد قصّ يوسف عليه السلام قصته ثم قال: "يا فلان! ماذا أحضرت لي من الهدايا؟".

إن القادم إلى باب أصدقائه بيد خاوية، كالذاهب بدون قمح إلى الطاحون.

والله تعالى يقول للناس حين الحشر: أين هديتكم من أجل يوم النشر؟ لقد جئتمونا فرادى وبدون زاد، في ذات الصورة التي خلقناكم عليها.

ماذا حملتم في أيديكم من هدايا ليوم النشور؟

أم أنكم لم تكونوا على أمل في البعث، فبدا لكم معياد هذا اليوم باطلاً؟

فهل أنت لجهلك منكرًا كرم ضيافته؟ إذن لن تنال من مطبخه سوى التراب والرماد!

وإن لم تكن منكرًا، فكيف تقصد باب هذا الحبيب، وأنت خاوي اليدين؟

فاقتصد مما تنفقه في النوم والطعام، واحمل معك هدية لملاقاته. كن قليل النوم مثل الذين كانوا قليلاً ما يهجعون، وكن في الأسحار ممن يستغفرون.

وأقلل من الحركة مثل الجنين، حتى تذهب الحواس المبصرة. فإذا ما خرجت من هذا العالم الشبيه بالرحم، فإنك تخرج من الأرض إلى رحاب واسعة.

واعلم أن الذين قالوا: "أرض الله واسعة" كانوا يشيرون إلى الرحاب التي دخلها الأولياء.

إن القلب لا يضيق بتلك الرحاب الفساح، فهناك لا يصير النخيل المخضل ذابل الغصون.

إنك الآن حامل عبء حاسك، ولهذا تغدو متعبًا مرهقًا منقلب الرأس.

ولما كنت في وقت النوم تصبح محمولاً لا حاملاً، فإن الضنى يزول عنك، وتغدو خاليًا من الألم والعذاب.

واعلم أن حال النوم لا يعدو أن يكون تذوقًا "بسيطًا" أمام حال الأولياء، حين يُحملون "إلى عالم الروح".

والأولياء هم أصحاب الكهف، أيها العنيد! إنهم في قيام وتقلب ورقود.

والحق يقلبهم "ذات اليمين وذات الشمال" بدون وعي منهم ولا تكلف في الفعال.

وما "ذات اليمين"؟ إنها الفعل الحسن! وما "ذات الشمال"؟ إنها أفعال البدن!

وهذا النوعان من الفعل يصدران عن الأولياء بدون قصد، كما ينبعث الصدى. فإذا كان الصدى يسمعك الخير والشر فإن ذات الجبل لا علم لها بأي منهما!     

المصدر:المثنوي لجلال الدين الرومي نسخة الكفافي صفحة 368

    

إقرأ المزيد

 من جملة ما حمل القرآن من مظاهر، إعجازية قوته على استنهاض العقل. فكما أن آيات الكون فصلت للمتفكرين وأحكمت لهم بحيث لا تجد من خلل في ملكوت الله بحكم قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾(الملك:3)، كذلك آيات الكتاب فصلت للذاكرين وأحكمت لهم إحكامًا يطابق ذاك الذي يسري في الكون إظهارًا لمكانة العقل في الخطاب القرآني حيث قال عز وجل: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾(هود:1). فشمل الكتاب بتفصيله وإحكامه قوة مستنهضة للعقل تدفع بالإنسان على قدر تجلي علومه إلى سبر أغوار الكون. وهذا الإحكام  الساري في آيات الكون والمتجلي في تناسق علله، جعله الله تعالى مرجعًا تجريبيًّا للناس لعلهم يستدلون به على تصوراتهم العقلية ومفاهيمهم العلمية، فيؤسسوا على قاعدته النماذج التفسيرية المفضية بهم إلى اليقين، كما نستشف ذلك من قوله عز وجل: ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾(الرعد:2).

فالعلم مَشاع بين الناس والتزود منه حق. إلا أن المسلمين منذ فجر الإسلام اعتبروه واجبًا، لأنه ضرورة في فهم حقيقة الدين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾(محمد:19)، ووسيلة للدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾(النحل:125). ولا غرابة في ذلك، لأن العلم كان دأب كل الرسالات السماوية منذ آدم عليه السلام الذي قال في حقه ربه عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾(البقرة:31)، إلى إبراهيم عليه السلام الذي كانت دعوته إلى التوحيد من منطلق علمي: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾(الأنعام75)، إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمعت رسالته كل علوم الأنبياء السابقين. ولعل في فوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(الزمر:9) ما يسلط الضوء على تفاصيل هذه الحقيقة. فـ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ هم الذين وصفهم الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾(آل عمران:190). إذن هم الذين ينطلقون من هذه المراجع الكونية التي أحكمت آياتها في السماوات والأرض، يبتغون بعقولهم استجلاء تلك الأسرار الكامنة خلف المكونات الدالة على عظمة المكون ودقة إحكامه لعالم الأكوان. فهؤلاء إذن، هم المتفكرون اذين فتح الله سبحانه وتعالى بصائرهم على أسرار الكون ليسترشدوا بها على وحدانية المكون. فكانوا لا يفصلون الفكر عن الذكر كما وصفهم الله تعالى في بقية الآية بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(آل عمران:191).

فهؤلاء كان تفكّرهم ذكرًا وذكرهم تفكّرًا، لأنهم استعملوا عقولهم في استظهار الحقائق، ولا استدلوا بوهج الأنوار المشرقة في قلوبهم على بواطن الخلائق، إلا من خلال استحضارهم لمصدر النور الساري فيها وهو الله عز وجل، الذي لولا نوره ما ظهر حق في ظلمة الوجود كما قال به ابن عطاء الله السكندري -رحمه الله- في إحدى حكمه: "الكون كلمه ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه. فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار وحُجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار".

فكانت الدعوة إلى النظر في الكون لا من أجل الكون، ولكن من أجل المكوِّن، حيث قال -رحمه الله- في حكمة أخرى: "أباح لك أن تنظر ما في المكوِّنات، وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكوِّنات ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾(يونس:101)، وفتح لك باب الأفهام، ولم يقل انظروا السماوات لئلا يدلك على وجود الأجرام". وفي تفسير هذه الحكمة يقول العارف بالله الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني رحمه الله: "فتح لك باب الأفهام، جمع "فهم"، أي فتح لك باب العلم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب، حتى تعرفه في كل شيء وتفهم عنه كل شيء. ولو قال الحق تعالى: "قل انظروا السماوات"، لدلّك على الأجرام وسدّ لك باب الأفهام". وهذا منطقي، لأنه إذا قلت لك "أنظر هذه العلبة"، فإن نظرك سينحصر في ملاحظتها بنظرة سطحية تقع على شكلها ولونها وما إلى ذلك مما هو متعلق بنظرة الظاهر. كما أنني إذا قلت لك "انظر ما في هذه العلبة"، فإن نظرك سينفذ إلى داخلها مفترضًا من خلال صيغة الاستفهام التي جاءت بها العبارة أن قد يكون فيها شيء وقد لا يكون، وهذا القول يدفع بالعقل تلقائيًّا لوضع الفرضيات فقط. لكن إذا قلت لك "انظر ما ذا في هذه العلبة"، فهنا ستركز نظرك على شيء موجود بداخلها، لأن اسم الإشارة "ذا" الذي جاء بين "ما" الاستفهامية و"في" الظرفية، يدل على أن شيئًا ما بداخل العلبة أطلبك لاستجلائه. فهذا القول سيستدعيك لأن تلاحظ العلبة أولاً، ثم تضع الفرضيات حول ما يمكن أن يكون هذا الشيء بداخلها ثانيًا. فإذا وصلت إليه انكببت عليه تختبره من كل الزوايا محاولاً معرفة حقيقته. وتلك هي المرحلة الأخيرة في البحث بعد الملاحظة والفرضية، وهي التجربة المفضية إلى الحقيقة. وبذلك فالقول الثالث يجمع في عبارته عناصر الملاحظة والفرضية والتجربة وعليه يقوم منهاج البحث في العلوم التجريبية.

فإذا كانت الدعوة الموجهة إلينا في موضوع السماوات والأرض جاءت بمثل هذا القول الأخير، فلسر تستنبطه السماوات والأرض نحن مطالبون بالكشف عنه. وهو ما يعطي للقرآن الكريم قوته الخارقة على استنهاض العقل، ويجعله مفتاح باب الفهم لمن أراد الدخول من ظاهر القشر إلى باطن اللب. وإلا ما جاء استفهامه عن مستويات أهل العلم مختومًا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(الزمر:9) من اللب الذي هو أصل الشيء وخالصه وقلب الشيء لا قالبه.

ودعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام خير شاهد لنا على صحة هذا المنهج. فلما جاء عليه السلام لدعوة قومه وكان أول المسلمين، ما أرسله الله تعالى وكلفه بالرسالة إلا من بعد أن كشف له سبحانه عن أسرار الكون، فكانت دعوته عليه السلام أول إعلان جاء بموجب تلك الوقائع، مقرًّا بأن العلم أساس اليقين. وعلى نهجها جاءت رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مكمّلة لكل التفاصيل. حيث كانت أول سورة نزلت في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ﴾(العلق:1)، للتأكيد على مكانة العلم ودوره في ترسيخ اليقين. فكان التوجيه الرباني، دعوة صريحة إلى الناس للتفكّر في ملكوت الله والتدبر في آياته قصد الاستدلال على قدرته وبلوغ اليقين، وهي دعوة تُلزم كل إنسان بالنظر في ملكوت الله سبحانه وتعالى وتحثّه على البحث في مجالات الخلق قبل أن يفوت عليه الأوان، كما نجده واردًا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾(الأعراف:185). والملكوت هو سلطان الله سبحانه تعالى وقدرته التي لا يدركها من وقف مع ظاهر الملك، وإنما من نفذت بصيرته إلى شهود النور الباطني لعالم السماوات والأرض. فمن لم يحمّل نفسه عناء الإحاطة بحقائق هذه الأشياء والعمل بمضامينها أورد موارد الجهل، فأدخل مداخل الباطل. قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ ﴾(النَّمْل:84-85). وفي تفسير هذه الآية قال القرطبي رحمه الله: "أي كذبتم جاهلين غير مستدلين. وأضاف أن هذا تقريع وتوبيخ من الله، أي: ماذا كنتم تعملون حيث لم تبحثوا عن الآيات ولم تتفكروا فيها".

وهنا يجب التبيه إلى شيء مهم تبرزه صيغة الآية التي جعلت عدم العلم بالآيات معطوفًا على التكذيب بها، وذلك بواسطة "واو" الحال: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾. فهذا يفيد أن التكذيب بالآيات إنما نتج عن عدم الإحاطة بها علمًا "كذبتم والحال أنكم لم تحيطوا بها علمًا. ولهذا جاء التقريع منه سبحانه في قوله: ﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للتأكيد على أن هذا الكون بل مكوناته الظاهرة والباطنة التي كان الإنسان يعيشها بحواسه ومداركه، إنما هو آيات ناطقة بعظمة مبدعها، وبصائر تعصم الناس من الجهل حتى لا يقعوا في التكذيب. يقول ربنا عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾(الأنعام104). وقد فسر القرطبي -رحمه الله- "البصائر" بجمع "بصيرة" وهي الحجة والبيّنة الظاهرة. وذكر أن "الحق سبحانه وصف الدلالة بالمجيء لتفخيم شأنها، إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره". ثم أضاف -رحمه الله- أن "من لم يستدل، صار بمنزلة الأعمى وعلى نفسه يعود عماه". 

إقرأ المزيد

   "طوبى وألف طوبى للغرباء!.. بشرى وألف بشرى لهؤلاء الذين يتنفسون أملاً، وينشرون أمنًا وسكينة وسلامًا، ناسين ملذاتهم الذاتية من أجل سعادة المجتمع وطمأنينة الأمة، في زمن تلتهم فيه نار الفتنة والفساد الأخضر واليابس!".. مقالة من أروع ما كتب الأستاذ فتح الله كولن عن "الغرباء" من رجال الفكر والروح، وعن فلسفة الغربة والاغتراب في هذا العصر البئيس.. مقالة سلسة تكاد تذوب رقة، وتسيل عذوبة، وتتهادى بين يدي القارئ في ثوب من الشفافية العالية، والسماوية الهادية.. فـ"الغريب" عند "كولن" ليس من يفارق الأوطان وينأى عن الأهل والخلان، بل الغريب من هو في وطنه لا يبرح، وعن أهله وناسه لا ينأى، ومع ذلك فالغربة تسكن روحه، وتقيم في رأسه ووجدانه، لأن من حوله لا يفهمونه، ولا يريدون أن يفهموه، فأفكاره لها من السمو والرفعة ما لا تستطيع أفكارهم أن تطالها، وروحه في طهرها ونزاهتها واستمدادتها الإلهية غريبة كذلك، فأفقهم دون أفقه، وفهمهم دون فهمه، إن هؤلاء من رجال الفكر والروح لم يصلوا هذا المقام الرفيع إلا بعد جهد جهيد، ومكابدة وعناء، حتى نحلت أبدانهم وشحبت واصفرت وجوههم، ثم جاءوا أقوامهم يعتصرون في أرواحهم مواجيدهم وأشواقهم، وفي رؤوسهم جديد أفكارهم، وعميق أفهامهم، وذاك هو التجديد الروحي والفكري اللذين تحيا بهما الأمم، وتنهض بهما الشعوب.

ويضم هذا العدد بين دفتيه كذلك، مواضيع تلامس الواقع من جهة، ومن جهة أخرى ترسم منهجًا لشق الطريق نحو غايات سامية توصلنا إلى مرضاة الحق عز وجل. مواضيع تجمع بين البناء الفكري والطرح العلمي، والتنوع الثقافي.

وفي حقل "علوم" يكتب "محمد السقا عيد" عن عجيبة من عجائب الخلقة الربانية في عيون الأسماك بأنواعها المختلفة، وهو مقال يكشف فيه الكاتب عن طرائف الرؤية عند الأسماك والتي تدل على إعجازية ربانية فريدة من نوعها.

وعن "الاحتكاك الحضاري"، يكتب "خالد راتب" مشيرًا إلى أن المناخ الديني يعترف بالتعددية الحضارية ولا يتغافل عنها، وأن من أكثر فوائد الاحتكاك الحضاري خلق روح المنافسة والتحدي بين الحضارات.

أما مقال "المال بين أهل القرآن وأهل السلطان" فهو للكاتب "عبد المجيد بوشبكة"، يبين في هذا المقال منافع المال عند أهل القرآن الذين يملكونه بأيديهم ولا يستحوذ على قلوبهم، ويسرد جملة من أسماء الصحابة الكرام رضي الله عنهم الذين يذكرهم التاريخ بأنهم كانوا أصحاب ثراء عظيم لكنهم استخدموا ثراءهم في خدمة الأمة والدين.

وفي حقل "تاريخ وحضارة" يكتب "عمر أنور الزبداني" عن السياسي الكبير "نظام الملك"، متحدثًا عن أعماله المجيدة في حقول العلوم وإنشاء المدارس وتقريب العلماء والفقهاء، إلى أن يقول في وصفه أنه أعظم وزراء دولة السلاجقة، حيث سعى إلى وضع أسس قيام دولة إسلامية مبينًا بالفكر والعمل المنهج الذي ينبغي على السلطة السياسية أن تسلكه لتحفظ أمر دينها، وتحافظ على أمتها.

وعن سبيل الرشد يكتب "عبد الحميد عشاق" قائلاً: الرشد هو قمة وعي الإنسان واكتماله ونضجه وصمام الأمان من أوضاع التحلل والفساد، ثم يستعرض كلمة "الرشد" ومكانتها من القرآن الكريم مع الاسترسال بمعانيها حيثما جاءت من القرآن الكريم.

و"لطف الله خوجه" يكتب عن "منهج الإصلاح" في القرآن الكريم مشيرًا إلى أن التغيير والإصلاح يبدأ من الإنسان نفسه مستشهدًا بالآية الكريمة: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الأنفال:53).

وقد كتب "نبيل طنطاني" عن السنة وكيف تعلمنا فنّ إلقاء السؤال، مستشهدًا بما جاءت به السنة النبوية من طرائق إلقاء السؤال ثم كيفية الإجابة عن السؤال، فالسؤال إن لم يكن هادفًا يحمل في ألفاظه رسائل موجهة للأفكار ومرسخة للقيم، ومصححة للمفاهيم.

ومن تاريخ الدولة العثمانية وعن مناهج المنظومة القضائية في هذه الدولة يكتب "رمضان بالجي" لا سيما عن "شهود الحال"، ومفهوم هذا المصطلح وأهميته في إقامة العدل، إلى أن يقول: إن الدولة العثمانية أخذت نظام "شهود الحال" من سابقتها "الدولة السلجوقية".

وفي عنوان "من تجليات الجمالية السليمانية في القرآن الكريم"، يكتب "محمد إقبال عروي" عن الجوانب الجمالية التي تميز بها بلاط النبي سليمان عليه السلام إلى أن يقول "وهذا الاتجاه التفسيري، حين ينجز هذه المهام العلمية التنموية، يكون قد اهتدى إلى قاعدة جوهرية من قواعد القرآن في العمران الإنساني، نلخصها في العبارات الآتية "إعمال الجمال أولى من إهماله".

وعن " الرُّطَب، مضادًّا حيويًّا وميسّرًا للإنجاب" يكتب "عبد المجيد بلعابد" مقالاً علميًا يتحدث عن الرطب كمادة غذائية تحتوي على كل ما يحتاجه البدن لإدامة وجوده حيث يقول: "والرطب سيد الفواكه ومقوٍ للكبد، ملين للطبع، وهو أكثر الثمار تغذية للبدن".

ويكتب " محمد خروبات" مقالاً عن "مشروع الخدمة، المبادئ والمجالات" حيث يقول "إن فكر الأستاذ كولن هو فكر لأجل العمل، وكلام لأجل الممارسة، فكل ما صدر عنه له صلة بالعمل. ولعل السر يكمن في عنصر الإخلاص. البنايات ليست هي كل شيء، إذا غاب منها الإخلاص، كانت ركامًا من الإسمنت الصلب كصلابة القلوب التي تديرها".

أما "عرفان يلماز" فيتحفنا بمقال عن "الجرادة"، حيث يستنطقها -كما هي عادته- لتحدثنا هي بنفسها عن أشكالها وأنواعها وعن موقفها من عالم الإنسان فتقول: أملك موهبة التحرك السريع وذلك بفضل التقلصات الناتجة عن عضلاتي المتصلة بهذا الغلاف الصلب من الداخل.

و"عبد الإله بن مصباح" يكتب عن "القرآن والكشوف العلمية، أية علاقة؟" فيقول: إن العلم والدين شيئان متلازمان، لكن ما يجب أن يتيقن منه كل طالب علم أن ما يكتنزه القرآن من أسرار لا يمكن لعلم بشري أن يرفع عنه الستار.

ويكتب "أديب إبراهيم الدباغ" في مقاله "مرآة الروح" عن حاجة المسلمين عمومًا إلى رجل الفكر الذي تشكل أفكاره مرآة يمكن أن نرى فيها روحنا وروح أمتنا، إلى أن يقول: و"كولن" نفسه لا يعطينا أفكارًا جاهزة نقف عندها ولا نتخطاها، بل هو ينهضنا لنفكر معه ونشاركه التفكير، وربما استطعنا أن نكتشف أفكارًا مرادفة من خلال مشاركتنا له.

و"محمد جكيب" يكتب مقالاً ممتعًا بعنوان "حضارة العبودية والإبداع والجمال" فيقول: حجاب المادة والرتابة مانع يمنع الإنسان من إدراك حقيقة العمل والسلوك، بل إن حجاب المادة يعمي قلب الإنسان عن الإحساس بذرات الوجود، فيتحول نبضه إلى مجرد حركة رتيبة لا تصور الحياة، إلى أن يقول: ولذلك فإن كل فعل وعمل يتطلع إلى أخذ مقامه في نظام الانسجام السنني محكوم بربط كل شيء بنظام الكون وخريطته في أفق التطلع إلى تحقيق التوازن.

قراءة طيبة...

 

 

 

 

 

إقرأ المزيد