العدد 49 / السنة العاشرة / (يوليو-أغسطس) 2015

  • 1
  • 2

هو الإسلام

د. عبد الرحمن العشماوي - avatar د. عبد الرحمن العشماوي - شعر

هو الإسلام

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ ويُبنى من مبادئه النظامُ وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق ولا عانتْ من الباغي شآمُ ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ له في الهند... إقرأ المزيد

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

صهيب مصباح - avatar صهيب مصباح - ثقافة وفن

 عندما يتأمل الإنسان طبيعة الحوار وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام -منذ بدايته- دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. ومن ثم فهو دين تفاعُل واتصال وخروج للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة -الغيبية، والعقلية، والكونية، والإنسانية، والتشريعية- على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين، بحثًا عن الحق وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام، فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم... إقرأ المزيد

 كلما "قصرت" المسافة بين المسلمين واﻹسلام، "طال" طابور الداخلين إلى حدائق هذا الدين العظيم.

استقامة المسلمين هي الجسور، التي ستعبر عليها أفواج الباحثين عن الدين الحق، من أصحاب الفطر السوية إلى اﻹسلام.

التقليد اﻷعمى أشد خطرًا من المخدرات وأسوأ من الخمر، في تغييب العقل وتغريب الوعي!

العيش في أقبية التقليد، أسوأ من السقوط في قبور الموت، ولذلك قال الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾(فاطر:22).

الدعوة إلى اﻹسلام الحق هي دعوة إلى الحياة، ومن ثم هي دعوة إلى العقل والفكر؛ ولذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال:24).

إذا "أقمت" الصلاة، كما أوجب المنهج القرآني النبوي، فإنها "ستقيم" بينك وبين الفواحش والشرور أسوارًا عالية، تقيك من الوقوع في مستنقعاتها اﻵسنة.

إن إقامة الصلاة على الوجه اﻷكمل نهوض واستقامة وسموق، أما اﻷداء فهو إسقاط للواجب، وإبعاد للحرج، ومن يسقط الصلاة إسقاطًا فليحذر من انتقامها!

المؤمن الحق يكره العصبيات، بقدر كرهه لثقافة القطيع، ويتقزز من العصبية بقدر تقززه من الجعلان، التي تنبت وسط المخلفات اﻵدمية!!

العصبية عصا إبليس يضرب بها من ابتعد عن منهج الرحمن!

أقلام الحرية

ثبت بأن الطغيان يورد المهالك ويدمر الممالك.

الاستبداد هو آلة جهنمية بشعة، تستطيع تحويل "السلطان" إلى "سرطان"!

أثق بالعاقبة الخاسرة للظالمين، بقدر ثقتي المطلقة بوعد الله.

الاستبداد وحش كاسر، يتسلط على الإنسان، فيفترس عقله ويفترش قلبه.

من رفع إلى الحاكم الظالم "عيوبَه"، رفع الحاكمُ "روحَه" إلى السماء!

يظن المتفرعن أنه "ينزل" عقابه بمن عارض تَأَلُّهَه، لكن الحقيقة أن قتل الأحرار هو "رفع" من الله لدرجاتهم، وإصلاح لعاقبة أمرهم وتحسين لخاتمة حياتهم.

أثبت العقدان الماضيان من خلال الوقائع العالمية، أن النظام الدولي الجديد لا يحمي المغفلين.

فرسان الحرية يحاربون المتَرَبِّبين بلا هوادة، ويشنون الغارة على المتَأَلِّهين بدون مهادنة، وذلك عبر الجهاد الأبيض والمدافعة الناعمة.

عندما ينتصر المظلوم على ظالمه، عليه أن يصفح ويسمح، ومن أجل ذلك لا بد أن ينسى مرارة الظلم، من جهة حقوقه دون واجباته.

ستعود شعوبنا إلى الحياة، عندما تدفعها شدة الظمأ للحرية إلى انتزاع منابعها من المتسلطين، وتجفيف منابع الاستعباد، دون أن تسفك الدماء!

عندما يختلط حب الوطن بالوثن الرابض على صدره؛ فإن هذا الحب يصبح بلادة.

في كثير من الأوقات تكون "الصفاقة" هي دافع "التصفيق".

قضت مشيئة الله بأن دموع المحرومين والمظلومين ودماء الشهداء، هي الإكسير الأمثل لاستحياء الثورة، والزاد الأكمل لنمو أشجار الثورة للثأر من الظالمين.

مباهج التدﺑُّـﺮ

ظلت معجزات جميع الأنبياء متصلة بالعقول بشكل وثيق، غير أن معجزات الأنبياء السابقين قامت على إبطال العقل، من خلال تجاوز السنن الكونية بالخوارق المعجزة.

أما معجزة محمد صلى الله عليه وسلم فلا تقوم على "الإبطال" بل على "الإعمال"، وهي القرآن الكريم الذي يعتبر معجزة عقلية، لا يمكن الوصول إلى هدايته وإعجازه، إلا عبر التدبر وهو أسمى العمليات العقلية.

إذا ذاقت النفوس طعم القرآن، فإن حلاوته تسري في سائر مكونات الذات، فتروق العقول، وتشتاق القلوب، وتتوق الأرواح، وتستفيق الضمائر من إغمائها، وتشتعل الجوارح ساعية في مناكب الأرض، تسعد بطاعة الله وخدمة خلق الله.

من شلالات التدبر تستقي العقول وترتوي الأفئدة، ولا دواء ﻟـ"العقول المغلقة" و"القلوب المغلفة" و"النفوس الصدئة"، إلا بهذا الإكسير السحري الذي يسري ويروي، فتتفتح الأعضاء وتتفتق الملكات، ولذلك فإن المتدبر يمتلك نورًا وبرهانًا، فلا يَشْتَبِه عليه "الحق" ولا يَلْتَبِس عليه "الباطل".

المتدبر للقرآن يتحرر من قيود الزمان وأغلال المكان، حيث يحضر مع القرآن حيث تَنَزَّل، أو يُحضر القرآن لكي يتنزَّل عليه في هذا الزمان!

وصف الله القرآن بأنه "كتاب مبين" و"إمام مبين"، الوصف الأول ينصرف إلى "الجانب الفكري" ويقتضي "التدبر"، والوصف الثاني ينصرف إلى "الجانب الفعلي" ويقتضي "الاستجابة".

يبدو أن أغلب عرب هذا الزمان صاروا شعراء، أوليس الشعراء هم من ذمهم الله بقوله: ﴿يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾(الشعراء:226)؟!

قلوب المؤمنين مثل الأرض الطيبة، كلما تنزلت عليها شلالات القرآن من جبل التدبر، اهتزَّت خشوعًا وَرَبَت إيمانًا، وأنبتت من كل زوج بهيج.

مناهج التفكير العقلي، وطرق التزكي القلبي، لا يمكن أن تؤتي ثمارها، إلا إذا "تشعبت" من بين ثنايا القرآن، و"تشبعت" بتوجيهاته ومقاصده.

على قدر تدبر المرء للقرآن، يكون اخضرار ربيع قلبه، وبهاء نور صدره، وقوة جلاء حزنه، وسرعة ذهاب همه وغمه.

 

"حبال الأمل" و"حبائل القنوط"

عندما يُصرف الـ "بأس" في غير محله، فإنه سيبعد صاحبه عن الهدف، وقد يقوده إلى خانة الـ "يأس".

الإسلاميون هم "أقلام" القدر في هذا الزمن، لكن كتابتهم للواقع المنشود، لكي تكون فاعلة وجميلة، لابد أن تُبرى شخصياتهم، وهذا ما تفعله الأحداث والحوادث فيهم، ولاسيما إذا مارسوا نقدًا ذاتيًا بطريقة منهجية جادة.

صاحب الإيمان يطير بجناحي الثقة بوعد الله ووعيده، وعده للمؤمنين ووعيده لغيرهم، هذا الإيمان يشعل فيه الأمل، ولهذا فإن رِقَّتَه تظهر في مشاعره وربما في بدنه، لكنها لا تكون أبدًا في دينه وإيمانه.

اليأس: هو حبل يلفه اليائس حول عنقه حتى يختنق نتيجة انقطاع أوكسجين "اﻷمل".

الأمل: حبل يقبض عليه المرء بكلتا يديه، ويعتصم به من الغرق في مستنقعات اليأس وأوحال القنوط.

الانكماش قد يكون حالة مدافعة ضرورية؛ لتوقي الوقوع في الارتكاس، وتحَيُّن الفرص وإيجادها للعودة إلى الانغماس في الميادين، والانغراس في المتون.

إن الكون كله من العرش إلى الفرش، حسب تعبير "بديع الزمان النورسي"، أو من المَجَرَّة إلى الذّرّة، وفق تعبير "فتح الله كولن"، أو من الجُرم إلى الجرام، حسب تعبيري، منخرط في مهرجان عبادي هائل، ولذلك لا يشعر المؤمن أبدًا بالغربة، مهما جفاه الخلق.

ينفلق الصبح من بوتقة الظلام، وتنبثق النباتات والأشجار الحية من صميم حبوب ميتة.

الابتلاء أقصر الطرق للاجتباء والاصطفاء.

"اختبار" الله لعباده، بداية "اختياره" إياهم لوراثة الأرض والفردوس.

مهما "طال الليل"، فلابد أن "يُطِلّ الصباح".

"التيئيس" علامة التودد من الشيطان، وعربون المحبة لـ "إبليس".

إذا قطع المرء "حبل الرجاء"، وقع في "حبائل اليأس".

 

"الإقدام" في زمن "الأقدام"

في هذه الأوقات الحرجة التي تعيشها أمتنا، إذا لم يكن المرء من أهل "الإقدام" زلَّت به "الأقدام".

إذا لم تمتلك أمتنا الكتلة الحرجة من أهل "الإقدام المبصر"، فستعيش في الذيل عند "الأقدام".

صاحب الإقدام المبصر، ينبذ الكسل، وينبض بالعمل، بإرادته يَجِدّ وبِسَعْيِه يَكِدُّ، لا يُلهيه التكاثر ولا يُطغيه التكابر، لا يلبس سربال الذل، وﻻ يخلع عباءة العز، لا يستنفد فكره في تحصيل أعراض الدنيا، ولا تنفذ إلى قلبه.

صاحب الإقدام ذو قلب مقدام، وإرادة لا تضام، وعزيمة لا تسام. لا يعرف "الانثناء" عن طريق "الحق"، ولا "الانحناء" لأهل "الباطل".

يمتلك همة عالية، تجعله دائم التطلع، دائب التوثب، يطمع في المعالي، ويهفو إلى الأعالي، يتجند لطاعة الخالق، ويُجيد نجدة المخلوق.

المقدام لا يرهب أو يتهيب الأعداء، ولا يعرف الاهتزاز أو الانهيار، ولأن معركة الحياة كرّ وفرّ، فإنه يداوم على الكَرّ، وقد يلجأ إلى الفرّ، لكنه فرار المخاتل واستراحة المحارب، فهو لا ينهزم ولا ينهدم، إذ يستمد قوته من يقينه بربه، ومن انتمائه إلى الحق.

تصميمه مصقول وعزمه غير مفلول، عمله دائب وأمله طويل.

يعشق الاستقامة، ويبغض الانحناء، يلزم الأنفة دون غرور، ويلتصق بالعزة دون استعلاء.

في ثوابت الأمة لا يهادن ولا يداهن، وفي حقوق الناس لا يساوم ولا يلاين، لا يجامل المتطرف، ولا يسكت عن المنحرف.

ينتصر على العواطف، ويقف في وجه العواصف، مادام في ذلك انتصار للضعيف، واستجلاب للنفع، ودعم للحق، ودحر للباطل.

يجاهد الأهواء النفسانية، ويقمع الشهوات الحيوانية، ويطرد الوساوس الشيطانية.

لا يتردد بعد أن يستشير أو يستخير، حيث يدرك أن "التردد" من أسباب "التردي"، شعاره في ذلك خطاب الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم يوم أحد: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾(آل عمران:159).

إن مداومة "المجاهدة"، تصنع مع المدى "الإرادة".

 

 

 

إقرأ المزيد

 كان أعمى قد دأب على أن يقول: "أمانًا؛ فإني أقاسي لونين من العمى، يا أهل الزمان! فانتبهوا، واشفقوا علي اشفاقًا مضاعفًا، ما دام لي نوعان من العمى، أنا واقع بينهما".

فقال أحدهم له: "إنا نرى لك عمى واحدًا. فما هو العمى الآخر؟ أظهره لنا!".

فقال: "إنني قبيح الصوت خشن الدعاء! وقد اقترن قبح الصوت عندي بالعمى! فصوتي القبيح صار مصدرًا للغم. ومن وقع صوتي ينكمش عطف الخلق. وأن صوتي القبيح لينطلق إلى كل مكان، فيغدو مصدرًا للسخط والغمّ والبغضاء. فضاعفوا رحمتكم لهذا العمى المضاعف! وأفسحوا مجالاً لهذا الذي لا مجال له".

ولقد تناقص –بهذا الشكوى- قبح صوته، وصار الناس –في العطف عليه- قلبًا واحدًا!

فلطف صوت قلبه –حين أعلن السرّ- قد جعل صوته لطيفًا. وأما من كان صوت قلبه قبيحًا، فإن عماه المثلث يبعده بعدًا سرمديًا.

لكن الوهابين (من أصل الكمال) يمنحنون بدون ما سبب، فلعلهم يضعون يدًا فوق رأسه القبيح.

فحين غدا صوت ذلك السائل حلوًا مثيرًا للسفقة، كانت تلين له كالشمع قلوب من تحجرت قلوبهم.

أما ضراعة الكافر فهي إذا كانت قبيحة كالنهيق، فإنها –من جراء ذلك- لم تقترن بالاجابة.

إن قوله تعالى: ﴿اخْسَئُوا﴾((المؤمنون:108)، قد انطبق على قبيح الصوت، الذي هو كالكلب، ثمل بدم الخلق.

ولما كانت ضراعة الدب قد اجتذبت الرحمة، وضراعتك لم تكن كذلك، بل كانت قبيحة، فاعلم أنك سلكت ازاء يوسف مسلك الذئاب، أو أنك شربت من دم برئ! فقدم التوبة ثم استفرغ ما شربت. وإن كان جرحك قديمًا، فاذهب وداوه بالاكتواء. 

المصدر: كتاب المثنوي لجلال الدين الرومي ص:204 

 

 

 

إقرأ المزيد

إذا كان للمؤمن يقين بالموت، وبالحساب، وليس له يقين بصفاء عمله من كل شوائب الرياء والتسميع وهلم جرا مما يُبطل العمل، فهو حينذاك يعمل العمل وهو خائف من الله عز وجل، يُقدِّم الصالحات، يؤتي الخيرات، وهو غير مطمئن اطمئنان الموقن بأن الله قد تقبل منه، ولكن يَوْجَل -يبقى على حذر من أن لا يُتقبَّل منه- ما دام أنه يوقن بأن هذا العمل من ورائه الحساب.

على المؤمن أن يعمل الخير والصالحات، ولكن وجب أن يعرف بأن ذلك الخير وتلك الصالحات سوف تمرّ في الحساب، وسوف توضع على الميزان الحقّ، موازين القيامة، الميزان القسط، أي العدل الذي لا يظلم، وهنالك يظهر العمل الصافي والعمل المغشوش تمامًا كالمسبار (آلة القياس التي يُسبَر بها السائل كاللبن وغيره)، وهو تمثيل من أجل الفهم، لا أقل ولا أكثر، وإلا ففرق شاسع ما بين الأمرين، هل يعرف مستوى المياه من خلال ميزان الحليب الذي يُستعمل؟، هل يعرف أنه مغشوش أم هي تلك النسبة الطبيعية الموجودة في الحليب؟، فالميزان الذي يكون يوم القيامة يسبر الصالحات الصافيات، ويسبُر الصالحات غير الصافيات، ومن هاهنا كان وَجَل الصالحين والمؤمنين الخشع، ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾(المؤمنون:60)، عارفين أن مرجعهم إلى الله عز وجل يترتب عنه حساب وميزان، ومن هاهنا وجلهم وعدم اطمئنانهم إلى أعمالهم، وهذه من الصفات الحسنة، لأنها فعلاً توصل العبد بإذن الله إلى مرتبة الإخلاص أو إلى منزلة الإخلاص.

استكثار الأعمال يقود إلى المن، والمن يحبط الأعمال

وذلك أن من شروط أن يكون العبد مخلِصًا أن لا يستكثر عمله كما قال الله عز وجل ﴿وَلاَ تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾(الْمُدَّثِّر:6)، لا تعجبك أعمالك الصالحة، تنظر إلى حجك وإلى عمرتك وإلى كثرة صدقتك، وربما طول صلاتك وصيامك، وغير ذلك مما قد يدخل عليك إبليس الملعون منه فيُخرِّب عليك عملك من حيث لا تدري، فتشعر أنك صالح، عملت وعملت وعملت، يكثر عليك شغلك، حينما تعتقد ذلك وترى بعين الاستكثار أعمالك فقد دخلك المنّ، في حين أن ربي عز وجل هو الذي يمنّ عليك ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا﴾(الحجرات:17)، كانت الأعراب تجيء إلى النبي  ويمنون عليه، يقولون له إننا أسلمنا وفعلنا كذا وكذا، فيذكرون أعمالهم وإسلامهم مَنًّا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى الله عز وجل، ﴿بَلِ اللهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾(الحجرات:17)، الله هو الذي يمن على العبد، لأنه كان يمكن أن يضِل إذ لم يهده الله، ومن لم يهده الله فلا هادي له، فلذلك إذن لا بد من أن يعتقد المؤمن في كل عمل يقدمه إنما القَبول والردّ من الله، وأن نجاة عمله الصالح إنما يكون بعدما يتلقاه الرب عز وجل بالقبول، وهذا أمر الغيب، لا يمكن أن نعلمه في الدنيا، وإنما يُعلم يوم القيامة، فما دام المؤمن في الدنيا فهو إذن على وجل أنه إلى ربه راجع، إنما لا يجوز أن يسيطر الوجل على النفس حتى يهلكها باليأس، المؤمن لا ييأس من رحمة الله، وإنما يجمع بين الوجل والخوف من الله والرجاء في رحمته سبحانه وتعالى، لأن الرجاء يداوي الوجل والخوف، فيحصل التوازن، وهذا هو منطق السير إلى الله عز وجل ﴿إِنَّهُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾(يوسف:87)، المؤمن لا ييأس، ولكن لا ينبغي أن يطمئن اطمئنان غير الخائف، غير الوجل، لأنه إن فعل ذلك استكثر أعماله، وإن استكثرها فقد حصل له المنّ، والمنُّ يبطل العمل، ﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾(البقرة:264)، يقول: في يوم كذا فعلت كذا وأعْطيتُ لفلان، فهذا يُخرِّب عمل المؤمن ويبطله  ﴿لاَ تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأَذَى﴾، والأذى منه المادّي والمعنوي، كالذي يستخدم المتصَدَّق عليه، لأن الفقير يحس  بالذل عندما يكلف وهو مضطر للقيام بأعمال مقابل تلك الصدقة، لأنه ما قبل الصدقة إلا لأنه فقير محتاج، فيعمل تلك الأعمال على مضض، ونفسه حرجة ضيقة تشعر بالأذى، وهذا الأذى يُبطل العمل ويُسقطه من ميزان الله يوم القيامة والعياذ بالله.

إقرأ المزيد

 وقد كانت للشيخ الجيلاني مواقف مع بعض الخلفاء. وعندما ولي الخليفة المقتفى قاضيًا ظالمًا قال له من فوق المنبر: "وليت على المسلمين أظلم الظالمين، ما جوابك عند رب العالمين وأرحم الراحمين".. فارتعد الخليفة وبكى وعزل القاضي الظالم. وعلى الدرب نفسه من الجهاد بالكلمة والأمر بالمعروف، كان أبو الحسن الشاذلي وله مواقف مع السلاطين كثيرة مشهورة.. وقد كان للصوفية في اليمن خلال القرنين السادس والسابع الهجريين أثرهم البالغ في تغيير نظام الحكم وأسلوبه. والمؤرخون يذكرون تلك الصداقة الوطيدة بين مؤسس الدولة الرسولية الملك المنصور بن عمر بن علي بن رسول (629-647) وبين الفقيه الصوفي محمد بن أبي بكر الحكم (م: 617ه) وصاحبه الصوفي محمد بن حسين الجليني (م:621ه) ويقال إنهما اللذان قويا عزمه في الاستيلاء على الحكم بعد مشاهدتهما تعنت نظام الحكم السابق وفساده، وبهذا تدين الدولة الرسولية للصوفية في ظهورها.

وأيًا كان الأمر، فقد اجتهد كثير من الصوفية في تغيير الأحوال وتربية أنفسهم وذويهم في الإصلاح الاجتماعي بالوسائل الحكيمة... وقد وجدوا أن من بين منافذ التغيير الاجتماعي نصح الحكام وتوجيههم وبيان الرأي فيهم، وهو الأمر الذي يتطلب شجاعة لا يملكها إلا الزاهد في الدنيا.

وفي العصر الحديث لم يخل بعض قادة الحركات الإسلامية ودعاة الإصلاح والوقوف في وجه الحضارة المادية الأوربية لم يخل هؤلاء من شحنات روحية وازنت في نفوسهم بين التربية والتعليم والمادة والروح. ومن هؤلاء الشيخ المجاهد عبد القادر الجزائري -رحمه الله رحمة واسعة- فقد ضم إلى جهاده في مقاومة الاحتلال الفرنسي تربية روحية وأخلاقية، وكانت له نوازع روحية أضفت على شخصيته كثيرًا من الحكمة والرضا بعضاء الله والأمل فيه.

وقد كان الطابع الروحي بارزًا في فكر الفيلسوف المجدد "محمد إقبال" صاحب فلسفة الذات. وقد عرف "إقبال" حقيقة الإنسان وقيمته فأراد أن يلقنه درس الإنسانية الحقة بما تنطوي عليه من جانب إلهي، وقد دعا الناس إلى أن يتخلقوا بأخلاق الله وأن يكتسبوا صفاته حتى يكتب لهم الخلود.. "وهنا تصبح العقبات والمشكلات في طريق الرقي الروحي للإنسان لا شيء، فلا الزمان ولا المكان ولا العلم المادي بأسره ولا الشيطان نفسه بقادر على أن يثني الإنسان عن عزمه على الرقي الروحي الدائم وشوقه إلى الاتصال بالحقيقة الخالدة والوصول إلى الله".

وكما يقول أستاذنا الإمام أبو الحسن الندوي: فقد تربى "إقبال" في مدرستين إحداهما تقليدية هي مدرسة الشهادات، أما المدرسة الأخرى فهي مدرسة توجد في كل زمان وهي أقدم مدرسة على وجه الأرض، إنها مدرسة داخلية تولد مع الإنسان فيحملها الإنسان معه في كل مكان هي مدرسة القلب والوجدان، وهي مدرسة تشرف عليها التربية الإلهية وتمدها بالقوة الروحية ومعلمو هذه المدرسة يتمثلون في الإيمان والحب الجارف للرسول -صلى الله عليه وسلم- والقرآن بما له من مآثر لا توجد إلا فيه.

وفي رأي "إقبال" أن التصوف الصحيح مصدر من مصادر المعرفة لأنه نزوع روحي قوي، وهو يرى أن هناك مصدرين آخرين للمعرفة هما الطبيعة والتاريخ.

وقد كان للأثر الروحي مكانه في شخصية الشيخ "محمد عبده" بتأثير خال والده الذي كان مريدًا سنوسيًّا يدعو إلى إحياء الكتاب والسنة، وذلك حين كاد الشيخ "محمد عبده" يهجر الأزهر يأسًا من علومه، فاستطاع الشيخ "درويش خضر" أن يعيد للفتى "محمد عبده" ثقته بنفسه فظلت ثقته بالشيخ درويش قائمة ومؤثرة.

وفي كل حين كان الشيخ درويش يلتقي به فيعلمه كثيرًا من السلوك والأخلاق بل وساعده على أن يختلط بالناس فيعلمهم ويصلح حالهم لأن الناس هم مجال الدعوة وحقل النصائح والإصلاح.

وهذا لم يمنع الإمام "محمد عبده" من مهاجمة بعض الطرق الصوفية لما رآه من انحراف بعض هذه الطرق عن الدور المنوط بها، فالتصوف الذي تعلمه الشيخ "محمد عبده" من الشيخ "درويش خصر" تعلم منه كيف أن الزهد ليس تواكلاً وخنوعًا ودجلاً وإنما هو تربية للنفس ونور في القلب يؤدي إلى حركة حياة، وإلى جهاد دائب من أجل صلاح هذه الأمة المسلمة. فحين رأى بعض التقابل بين هذه الصورة وبين الواقع ثارت نفسه دون أن يقلل من شأن التربية الروحية حيث استفاد هو في شخصه ودعوته للإصلاح بهذه التربية.

وقد نشأ الشيخ حسن البنا -رحمه الله رحمة واسعة- في بيت علم ودين واتصل بالطريقة الحصافية الصوفية التي تركت في نفسه أثرًا روحيًا طيبًا. وكان أكثر ما لفت نظر الشيخ "حسن البنا" شدة الشيخ "الحصافي" في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كان في حضرة عظيم أو كبير، كما أنه أفاد من سلوك الشيخ وأتباعه كثيرًا من الأخلاق الفاضلة، أو بتغبير الشيخ حسن البنا: "العفة الكاملة عما في أيدي الناس، والجد في الأمور، والتحرز من صرف الأوقات في غير العلم أو التعلم أو الذكر أو الطاعة والتعبد، سواء كان وحده أم مع إخوانه ومريده، وحسن التوجيه لأخوانه وصرفهم عمليًا إلى الأخوة والفقه وطاعة الله".

وهكذا كان للجانب الروحي تأثيره في القديم والحديث على شخصيات كثيرة -لم نقدم إلا أقل القليل منها، والرائع أن هذه الشخصيات -وهذا هو الجدير بالذكر- كان لها دور ريادي في الأعمال الاجتماعية والتربوية... وقد آمنت بأن الطاقة الروحية لا تتحقق قيمتها إلا إذا أضاءت الحياة وصبغتها بالصبغة الإلهية، وارتفعت عن أن تكون نزعة فردية إلى مستوى التغيير الحضاري العام.

 

 

 

إقرأ المزيد

من ذكريات الفقيد أ. د. الصفصافي أحمد القطوري نسأل الله أن يسكنه فسيح جنته 

إقرأ المزيد

صدر العدد 49 من مجلة حراء، والذي يحتوي بين دفتيه مواضيع مهمة وشيقة، تجمع بين البناء الفكري والطرح العلمي، والتنوع الثقافي. وفي افتتاحية "حراء" لهذا العدد، يشيد الأستاذ "فتح الله كولن" بعظمة الانتصارات الروحية التي توّجت انتصارات أولئك العظماء الفاتحين من رجال الحروب والمعارك، ويشير إلى أن عظمة الإنسان العظيم لا تتحقق إلا بانتصاره للروح، والوقوف معها بالضد من نوازع اللحم والدم، وبالضد من انتفاخ الـ"أنا"، وتورمها إلى حد الشعور بأن العالم يوشك أن يركع تحت قدمي صاحبها، وأنه كاد يكون محورًا للكون يدور عليه ويدور من أجله، وأن كل شيء ما عداه، ينبغي أن يخطب ودَّه، ويسبح بحمده، ويطيع أمره، ويجري حيث يجري هواه ورغبته.

وجنون العظمة هذا كثيرًا ما كان سببًا في سقوط الرجال وانكسار الدول والشعوب، وتحطم الإمبراطوريات وتفككها وانهيار سطوتها. فالأحداث العظيمة في التاريخ، لا تحركها إلا القوى الروحية العظيمة التي يمتلكها رجال الفعل التاريخي، كما يفيدنا التاريخ نفسه، وتعلمنا أحداثه ووقائعه.

وفي باب "علوم" يحدثنا الأستاذ "خلف أحمد محمود أبو زيد" في مقاله العلمي الممتع عن "هل يحزن الحيوان؟"، مستشهدًا بجملة من الوقائع والملاحظات والدراسات لبعض العلماء المهتمين بسيكولوجية الحيوان، على أن الحيوان -شأنه شأن الإنسان- تنتابه مشاعر الحزن والألم والقلق من موت عزيز عليه أو فقدان رفيق له.

و"الكرامة الإنسانية وأثرها في البناء الحضاري" يكتب الدكتور "ربيع بيومي" في مقال تحليلي يخلص في خاتمته إلى أن الكرامة الإنسانية من أعظم دعائم أي صرح حضاري بنيناه، أو يمكن أن نبنيه في المستقبل القريب أو البعيد.

"الإيجابية" فكرًا وسلوكًا، من أهم محفزات القوى العاملة في النفس الإنسانية، كما أثبت ذلك الباحثون، وخلصت إليه التجارب والدراسات العلمية، فالإيجابية تعمل على تأجيل مراحل الشيخوخة وإبقاء الجوانب الحيوية في الإنسان المؤمن إلى أمداء بعيدة كما يقول الدكتور "عبد الدائم الكحيل" في مقاله "أهمية السلوك الإيجابي في حياة المؤمن".

وفي مقال "القابضون على الجمر"، يخوض الدكتور "عبد المجيد بوشبكة" فيما تموج فيه ساحاتنا الفكرية والثقافية والدعوية من اختلاط أوراق، وتزاحم منافع ومصالح حتى غدا الصادق كاذبًا، والكاذب صادقًا، والأمين خائنًا، والخائن أمينًا.. ولكن ستبقى الحقيقة والقابضون عليها هي المنتصرة في آخر المطاف، ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾(الرعد:17).

وفي مقال يعالج فيه الدكتور "بركات محمد مراد" "الذكاء العاطفي عند الطفل" يبين فيه أن هناك توازنًا قائمًا بين العقل العاطفي والعقل المنطقي، ومن أجل إنشاء شخصية الطفل السوية يؤكد علماء النفس أن تقويم الذكاء العاطفي عند الطفل ينبغي أن يكون مواتيًا للعقل المنطقي ولا سيما في تعاملنا مع الأطفال.

وفي "منظومة القيم في القرآن الكريم" يكتب الدكتور "سعيد شبار" فيقول: "بناء على ما تقدم فإن القيم والمفاهيم في القرآن تبقى منظومة تشتغل وفق منطق ونظام خاص هو من سنن الله الدينية والشرعية، والأسرة وإن لم ترد لفظًا في القرآن، لكنها المرادة عمومًا في ألفاظ أخرى".

وتكتب الدكتورة "ربيعة بنويس" عن "الإيمان طريق السعادة" فتقول، إن الإنسان بعد أن يعرف الله من خلال خلقه لا بد أن يقوم بعبادته والتقرب إليه، وإلا استحق العقاب كما يستحق المؤمن الجزاء. ولعل الهدف من الإيمان بالحشر والغيبيات عمومًا، هو تقويم الأخلاق والسلوك الدنيوي الذي يوصل في النتيجة إلى النعيم في الجنة.

أما الدكتور "محمد باباعمي" فإنه يكتب في مقاله "هل نحن في حاجة إلى إعادة تعريف الجامعة؟" مستعرضًا مفهوم "الجامعة" منذ القرون الوسطى وحتى هذا العصر، وإن هذه التعاريف لم تعد تتوافق مع مفهوم الجامعة في العصر الحديث، وكونها فضاءً حرًا للعلوم والمعارف تحتوي على جميع المصادر والوسائل التي تمكنها من البحث العلمي الجاد، وأن تكون متعدد التخصصات، لذلك يمكن أن تسهم في بناء المجتمع وتقدم الحضارة.

وعن "أسس الكيمياء الحديثة في الحضارة الإسلامية" يكتب الدكتور "خالد حربي" مستعرضًا نوابغ هذه الحضارة في موضوع الكيمياء إبتداءً من "جابر بن حيان" و"أبو بكر الرازي" و"أبو قاسم المجريطي" و"ابن سينا" وكيف أن هؤلاء العلماء المسلمين وأبحاثهم كانوا المصادر المتعددة في قيام علماء الكمياء في العصر الحديث اعتمادًا على تطوير علم الكمياء الحديثة.

أما "مقال جانب الطور الأيمن" لـلدكتور "عبد الإله بن مصباح" ففيه التفاتات قيمة لما جاء في القرآن الكريم من إشارات كونية، هي رؤوس أقلام مختصرة ومركزة حول بعض الحقائق العلمية، وأشياء مدهشة لا يمكن تجاهلها كما يقول "فتح الله كولن". فهذا المقال يتحدث عما جاءت به الكشوف العلمية، ومن أن الجبال لها حركة كما قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾(النمل:88).

والأستاذ "أديب الدباغ" يكتب في مقاله "من أسرار الروح"، يتحدث عن عظمة الروح التي هي من أمر الله قائلاً: "وللروح أنفاس يفوح منها عبق حياة الأكوان وروائح الجنان.. وليس للروح حدود تقف عندها ولا سدود تصدها عن اختراق الحجب"، إلى أن يقول: "وإذا ما فاضت الروح وألقت بعلومها تحت أعيننا، فإننا نستطيع عند ذاك أن نفهم من أين تأتينا القوى الحيوية التي نصارع بها الزمن ولتغلب على ويله الوبيل".

والدكتور ناصر أحمد سنه في مقاله "فوضى أم نظام محكم" يضع أيدينا على نبض الكون وعلى المنظومة التي تحكمه وتشد بعضه إلى بعض مفندًا ما شاع أخيرًا في الأوساط العلمية مما يسمى بـ"الفوضى الخلاقة" وأنه سيأتي اليوم الذي يكتشف فيه العلماء أن هذه الفوضى الخلاقة إنما هي جزء من منظومة كونية محكمة بنظام وقانون.

والدكتور "صهيب مصباح" يكتب عن الحوار الفاعل ودوره في توثيق عرى التواصل مبينًّا أسس الحوار في الإسلام انطلاقًا  من ثوابته التي لا يمكن إغفالها، أو التنازل عنها، أو المساومة عليها.

ويكتب الدكتور "سليمان الدقور" عن منهجية التعامل مع الشائعات والاتهامات فيقول: "إن المسلم الصادق، المؤمن بربه، الواثق بقدره، يتجاوز مثل هذه المواقف برصيد المحبة والأخوة، ويؤكد الأستاذ "فتح الله كولن" موقفه في الخدمة مع إخوانه -على الرغم من كل الإساءات والاتهامات- على جملة من مفاهيم الإيمان، ومنها ضرورة التماسك والثبات على ذات القيم، لأنها قيم قرآنية ثابتة".

والدكتور "محمد إقبال عروي" يتحدث عن الجمالية السليمانية فيقول: "يظهر في أن مضامين القرآن الكريم وتوجهاته، لفتت نظر هذا الإنسان إلى الجمال الذي يبدأ من أعماق داخله ويمتد إلى مختلف العناصر الطبيعية التي تحيط به في عالم النبات والجماد والحيوان وفي محيط الأرض وملكوت السماوات".

والدكتورة "سعاد الناصر" حلقت بنا بمقالة أدبية رائعة موسومة بـ "روح الأندلس" حيث ذكرتنا بأمجاد أجدادنا فتحدتث عنها قائلة: "الأرواح تعد أن تظل في عنفوان التئامها تحذر الانزلاق جهة التشظي، ولا يرضى إلا بالإقبال على السموّ والصفاء".

ولا يفوتنا أن نشير إلى القصيدة الجميلة التي أتحفنا بها "عبد الرحمن العشماوي"، والتي هي بعنوان "هو الإسلام"، ومطلعها:

من الإسلام ينبثق السلام        ويبنى من مبادئه النظام

وتجدون المزيد من الأفكار والمواضيع داخل العدد.

 

إقرأ المزيد

 

إن مناجاة سيدنا يونس بن متّى -على نبينا وعليه الصلاة والسلام- هي من أعظم أنواع المناجاة وأروعِها، ومن أبلغِ الوسائل لاستجابة الدعاء وقبوله.

تتلخص قصتُه المشهورة بأنه عليه السلام قد أُلقيَ به إلى البحر، فالتقمه الحوتُ، وغشيَتْه أمواجُ البحر الهائجةُ، وأسدل الليلُ البهيم ستارَه المظلمَ عليه. فداهَمَته الرهبةُ والخوف من كل مكان وانقطعت أمامَه أسبابُ الرجاء وانسدت أبوابُ الأمل.. وإذا بمناجاته الرقيقة وتضرعه الخالص الزكي: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاَّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾(الأنبياء:87) يُصبح له في تلك الحالة واسطةَ نجاة ووسيلة خلاص.

وسر هذه المناجاة العظيم هو أن الأسباب المادية قد هَوت كليًّا في ذلك الوضع المرعب، وسقطت نهائيًّا فلم تحرّك ساكنًا ولم تترك أثرًا، ذلك لأنَّ الذي يستطيع أن ينقذه من تلك الحالة، ليس إلا ذلك الذي تنفُذُ قدرتُه في الحوت، وتهيمن على البحر وتستولي على الليل وجوّ السماء؛ حيث إن كلاً من الليل الحالك والبحر الهائج والحوت الهائل قد اتفق على الانقضاض عليه، فلا يُنجيه سببٌ، ولا يخلّصه أحدٌ، ولا يوصله إلى ساحل السلامة بأمان، إلاّ مَن بيده مقاليد الليل وزمام البحر والحوت معًا، ومَن يسخّر كلَّ شيء تحت أمره.. حتى لو كان الخلقُ أجمعين تحت خدمته عليه السلام ورهن إشارته في ذلك الموقف الرهيب، ما كانوا ينفعونه بشيء!

أجل،  لا تأثير للأسباب قط.. فما إن رأى عليه السلام بعين اليقين ألا ملجأ له من أمره تعالى إلا اللواذ إلى كنف مسبّب الأسباب، انكشف له سرُّ الأحدية من خلال نور التوحيد الساطع، حتى سَخّرتْ له تلك المناجاةُ الخالصة الليلَ والبحرَ والحوتَ معًا، بل تحوّل له بنور التوحيد الخالص بطنُ الحوت المظلم إلى ما يشبه جوفَ غواصة أمينة هادئة تسير تحت البحر، وأصبح ذلك البحرُ الهائج بالأمواج المتلاطمة ما يشبه المتنـزّه الآمن الهادئ، وانقشعت الغيوم عن وجه السماء -بتلك المناجاة- وكشف القمر عن وجهه المنير كأنه مصباح وضيء يتدلى فوق رأسه..

وهكذا غدت تلك المخلوقاتُ التي كانت تهدّده وتُرعبه من كل صوب وتضيّق عليه الخناق، غدت الآن تُسفر له عن وجه الصداقة، وتتقرب إليه بالودّ والحنان، حتى خرج إلى شاطئ السلامة وشاهدَ لُطف الرب الرحيم تحت شجرة اليَقطين.

فلننظر بنور تلك المناجاة إلى أنفسنا.. فنحن في وضع مخيف ومرعب أضعاف أضعاف ما كان فيه سيدنا يونس عليه السلام، حيث إن:

ليلَنا الذي يخيّم علينا، هو المستقبل.. فمستقبلُنا إذا نظرنا إليه بنظر الغفلة يبدو مظلمًا مخيفًا، بل هو أحلك ظلامًا وأشد عتامة من الليل الذي كان فيه سيدنا يونس عليه السلام بمائة مرة...

وبحرَنا، هو بحر الكرة الأرضية، فكل موجة من أمواج هذا البحر المتلاطم تحمل آلاف الجنائز، فهو إذن بحر مرعب رهيب بمائة ضعف رهبة البحر الذي أُلقي فيه عليه السلام...

وحوتَنا، هو ما نحمله من نفس أمارة بالسوء، فهي حوت يريد أن يلتقم حياتنا الأبدية ويَمحَقَها. هذا الحوت أشد ضراوة من الحوت الذي ابتلع سيدَنا يونس عليه السلام؛ إذ كان يمكنه أن يقضي على حياة أمدُها مائة سنة، بينما حوتُنا نحن يحاول إفناء مئات الملايين من سني حياة خالدة هنيئة رغيدة.

فما دامت هذه حقيقةَ وضعنا، فما علينا إذن إلا الاقتداءُ بسيدنا يونس عليه السلام والسير على هديه، مُعرضين عن الأسباب جميعًا، مُقبلين كليًّا على ربنا الذي هو مسبّب الأسباب متوجهين إليه بقلوبنا وجوارحنا، ملتجئين إليه سبحانه قائلين: ﴿لا إِلَهَ إِلاّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ مدركين بعين اليقين أنْ قد ائتمر علينا -بسبب غفلتنا وضلالنا- مستقبلُنا الذي يرتقبنا، ودنيانا التي تضمنا، ونفوسُنا الأمّارة بالسوء التي بين جنبينا، موقنين كذلك أنه لا يقدر أن يدفع عنا مخاوفَ المستقبل وأوهامه، ولا يزيل عنا أهوال الدنيا ومصائبها، ولا يُبعد عنا أضرار النفس الأمّارة بالسوء ودسائسها، إلاّ مَن كان المستقبلُ تحت أمره، والدنيا تحت حُكمه، وأنفسُنا تحت إدارته.

تُرى مَن غيرُ خالق السماوات والأرضين يعرف خلجات قلوبنا، ومَن غَيرُه يعلم خفايا صدورنا، ومَن غَيرُه قادر على إنارة المستقبل لنا بخلق الآخرة، ومَن غيرُه يستطيع أن ينقذنا من بين ألوف أمواج الدنيا المتلاطمة بالأحداث؟! حاشَ للّٰه وكلاّ أن يكون لنا منجٍ غيرُه ومخلّصٌ سواه، فهو الذي لولا إرادتُه النافذة ولولا أمرُه المهيمن لَما تمكّن شيءٌ أينما كان وكيفما كان أن يمد يدَه ليغيث أحداً بشيء!

فما دامت هذه حقيقةَ وضعنا فما علينا إلاّ أن نرفع أكفّ الضراعة إليه سبحانه متوسلين، مستعطفين نظرَ رحمته الربانية إلينا، اقتداءً بسر تلك المناجاة الرائعة التي سخّرت الحوتَ لسيدنا يونس عليه السلام كأنه غواصة تسير تحت البحر، وحوّلت البحرَ متنـزّهٍ جميلٍ، وألبَست الليلَ جلباب النور الوضيء بالبدر الساطع. فنقول: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.. فنلفت بها نظرَ الرحمة الإلهية إلى مستقبلنا بقولنا: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاّ أنتَ﴾ ونلفتها إلى دنيانا بكلمة: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ ونرجوها أن تنظر إلى أنفسنا بنظر الرأفة والشفقة بجملة: ﴿إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. كي يعمّ مستقبلنا نور الإيمان وضياء بدر القرآن، وينقلب رعبُ ليلنا ودهشتُه إلى أمن الأُنس وطمأنينة البهجة. ولتنتهي مهمةُ حياتنا ونختتم وظيفتَها بالوصول إلى شاطئ الأمن والأمان دخولاً في رحاب حقيقة الإسلام، تلك الحقيقة التي هي سفينة معنوية أعدّها القرآن العظيم، فنبحر بها عباب الحياة، فوق أمواج السنين والقرون الحاملة لجنائز لا يحصرها العد، ويقذفها إلى العدم بتبدل الموت والحياة وتناوبهما الدائبين في دنيانا وأرضنا. فننظر إلى هذا المشهد الرهيب بمنظار نور القرآن الباهر، وإذا هو مناظر متبدّلة، متجددة، يُحَوِّل تجدُّدُها المستمر تلك الوحشة الرهيبة النابعة من هبوب العواصف وحدوث الزلازل للبحر إلى نظر تقْطر منه العبرةُ، ويبعث على التأمل والتفكر في خلق اللّٰه. فتستضيء وتتألق ببهجةِ التجدد ولطافةِ التجديد. فلا تستطيع عندها نفوسُنا الأمّارة على قهرنا، بل نكون نحن الذين نقهرُها بما منَحنا القرآن الكريم من ذلك السر اللطيف، بل نمتطيها بتلك التربية المنبثقة من القرآن الكريم. فتُصبِح النفسُ الأمّارة طوعَ إرادتنا، وتغدو وسيلة نافعة ووساطةَ خير للفوز بحياة خالدة.

الخلاصة: إن الإنسان بما يحمل من ماهية جامعة يتألم من الحمّى البسيطة كما يتألم من زلزلة الأرض وهزّاتها، ويتألم من زلزال الكون العظيم عند قيام الساعة. ويخاف من جرثومة صغيرة كما يخاف من المذنبات الظاهرة في الأجرام السماوية. ويحب بيتَه ويأنس به كما يحب الدنيا العظيمة. ويهوى حديقته الصغيرة ويتعلق بها كما يشتاق إلى الجنة الخالدة ويتوق إليها.

فما دام أمرُ الإنسان هكذا، فلا معبودَ له ولا ربَّ ولا مولى ولا منجى ولا ملجأ إلاّ مَن بيده مقاليدُ السماوات والأرض وزمام الذرات والمجرات، وكل شيء تحت حُكمه، طوعَ أمره.. فلا بد أن هذا الإنسان بحاجة ماسة دائمًا إلى التوجّه إلى بارئه الجليل والتضرع إليه اقتداء بسيدنا يونس عليه السلام. فيقول: ﴿لاَ إِلَهَ إِلاّ أنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾

 

إقرأ المزيد

"إن قضية التطرف والإرهاب ليست قضية محلية تخص وزارة أو بلدية أو محافظة معينة، بل هي قضية تخص الأمة جميعًا، ومن باب أولى أن يتضامن فيها أصحاب المعالجة الثقافية والمعالجة الأمنية". كلمات ألقاها الأستاذ محمد إقبال عروي في مؤتمر "التطرف والغلو باسم الدين وآثاره السلبية على التعايش السلمي"، الذي نظمته مجلة "حراء" بالتنسيق مع اتحاد علماء الدين الإسلامي بإقليم كردستان العراق، وذلك بقاعة المؤتمرات بـ"جامعة دهوك"، بتاريخ 28 مايو 2015، حيث تناول المؤتمر قضايا الإرهاب والتطرف التي تضرر منها العالم بصفة عامة وتلك المنطقة بصفة خاصة. وتأتي أهمية المؤتمر لما تعاني منه سوريا والعراق وتركيا وإقليم كردستان العراق من مجازر عنف باسم الدين، الأمر الذي شوه صورة الإسلام في المنطقة وشوه صورته كذلك على مستوى العالم، إذ بدأ يذكر الإسلام مع العنف والإرهاب جنبًا إلى جنب، والإسلام منه براء.

وقد حضر المؤتمر علماء ومفكرون من العالم العربي والإسلامي ورموز من الديانة المسيحية واليزيدية وكبار علماء المنطقة. افتتح المؤتمر بكلمة ترحيبية من السيد "فرهات أتروشي" محافظ "دهوك" حيث أعرب عن شكره للمنظمين والحاضرين للمؤتمر، كما ناشد المنظمين بالتكثيف من مثل هذه المؤتمرات، وأعرب أثناء كلمته عن سماحة الإسلام، وأن الإسلام أعطى للإنسان حرية الاختيار. ثم تلته كلمة السيد عبد الله الشيخ سعيد الكردي رئيس اتحاد علماء الدين الإسلامي، حيث رحب بالضيوف الذين قدموا إلى المؤتمر من مناطق مختلفة، كما أشار في كلمته إلى الأضرار التي سببها التطرف للعالم بصفة عامة ولهذه المنطقة بصفة خاصة.

وقد شارك في المؤتمر كل من الأستاذ نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء من تركيا، والأستاذ الدكتور سمير بودينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بالمغرب، والأستاذ الدكتور محمد إقبال عروي مستشار في وزارة الأوقاف الكويتية من المغرب، والأستاذ الدكتور محمد جكيب أستاذ في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة أبو شعيب الدكالي بالمغرب، والأستاذ الدكتور محمد شكري والأستاذ الدكتور مصطفى أمين العتروشي من إقليم كردستان العراق وعلماء أخرون. وقد أكد المتدخلون على أن الإرهاب لا دين له، وأنه يجب تكثيف وتوحيد الجهود من أجل تنوير العقول حتى تستطيع أن تخرج من أزمة التطرف والإرهاب. وفيما يلي أهم ما جاء في المداخلات من أفكار:

نوزاد صواش من تركيا

  • الإنسان هو مصدر المشاكل، ومصدر الحلول أيضًا. هذا الإنسان الذي كرمه الله في كل الأديان يحتاج منا إلى عناية خاصة. يحتاج إلى مدارس، وجامعات، وإلى محاضن تربوية تأخذه وتنقش فيه الخير والفضيلة والجمال بعناية، ومن ثم يكون هذا الإنسان خيرًا تنتفع به الإنسانية جمعاء.
  • إن الإسلام والرسالات السماوية الأخرى، ما جاءت إلا لتعمر قلب الإنسان بالفضائل ثم تنبثق هذه الفضائل وتتوسع إلى عمران الحياة الاجتماعية، فيعم السلام إلى كل بقاع العالم.
  • المشاكل التي يعاني منها العالم اليوم هي الظلم الذي يقع من الإنسان لأخيه الإنسان. فالإنسان هو السبب نفسه.
  • ما يحصل اليوم من تطرف أو غلو باسم الدين من اغتصاب للنساء، وقتل وتشريد للأبرياء، لا علاقة له بالدين الإسلامي ولا لأي دين من الديانات الأخرى. كما أن الدين الإسلامي براء من كل هذه الأوصاف.
  • الدين الإسلامي جاء لإسعاد الإنسان بصفة عامة ولم يأت لإسعاد المسلمين فحسب.
  • حيثما وجد الإنسان ووارتفع مستوى الجهل عنده، وجدت المشاكل أيضًا.

د. محمد شكري من إقليم كردستان العراق

  • ·        إن الدنيا إذا حلت أوحلت، وإذا كست أوكست، وإذا جلت أوجلت، وإذا أوجفت جفت، وإذا أينعت نعت.
  • لا يتوقف الإسلام في تسامحه مع الآخرين ورحمته بهم على الإنسان فقط، بل يمتد ليشمل الحيوان والنبات والكون كله.
  • إن روح التسامح أو السماحة التي تبدو في حسن المعاشرة ولطف المعاملة ورعاية الجوار وسعة المشاعر الإنسانية -من البر والرحمة والإحسان- هي من الأمور التي تحتاج إليها الحياة اليومية.
  • دين الإسلام دين السماحة والرحمة، يسع الناس كلهم ويغمرهم بالرحمة والإحسان.
  • تتجلى سماحته عليه الصلاة والسلام في تجاوزه عن مخالفيه ممن نصبوا له العداء، فقد كانت سماحته يوم الفتح غاية ما يمكن أن يصل إليه صفح البشرية جمعاء.
  • رحمته عليه الصلاة والسلام بالخلق عامة وهو الذي قال الله في حقه: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
  • جمود العين من قسوة القلب، وقسوة القلب من كثرة الذنوب، وكثرة الذنوب من نسيان الموت، ونسيان الموت من طول الأمل، وطول الأمل من شدة الحرص، وشدة الحرص من حب الدنيا، وحب الدنيا رأس كل خطيئة.

د. سمير بودينار من المغرب

  • إن الشاب اليوم في عالمنا الذي نعيش فيه جميعًا قبل أن يبلغ سن 18 في أي مكان وجد في هذا العالم، يكون قد مر أمام بصره 100 ألف صورة عنف. إما بشكل مباشر، أو من خلال وسائل الإعلام التي تصور هذا العنف وتنتجه في كل لحظة من لحظات حياة هذا الإنسان.
  • الإسلام ولا شك أعطى جملة مبادئ تحض الناس على قيم التعايش ونبذ العنف. وإن هناك مبدأ قرآنيا معروف هو مبدأ التكريم الإلهي للإنسان، مطلق الإنسان، بغض النظر عن دينه أو جنسه أو عرقه أو مذهبه أو طائفته أو انتمائه.
  • إن الأسباب التي تنتج اليوم عنفًا وغلوًا وتطرفًا في عالمنا، هو أن الناس انتقلت من الانتماء لقيم الدين العالمية، إلى انتماءات جزئية وعصبيات مفرقة.
  • الإسلام هو رسالة جامعة. وإن الانتماء إلى الإسلام ينبغي أن يتعالى عن الانتماءات الضيقة ليتمثل ويستمد قيم الوحي الجامعة.
  • الانتماء إلى الرسالة الإسلام هو الضمان لتحصين الإنسان من أن يتردّى في مهاوي الغلو والتشدد والتطرف.
  • التعايش والتعدد هو نتيجة فَهْمٍ راشد للدين وللتدين -كيفما كان صاحب هذا الدين- عندما يفهم الناس دينهم على اعتبار أنه رسالة رحمة وكرامة وإحسان إلى الآخر وحسن تعايش معه، فإنهم عندئذ يتعايشون مع قيم الدين.
  • العودة إلى صفاء الدين في أصوله هي دعوة مهمة، لكنها غير كافية، تحتاج منا أن نقدم إلى الناس طريق العودة إلى المنابع الصافية وأن نبين لهم أن طريق العودة هو أن ننظر إلى العالم بلا فوارق.
  • نحتاج اليوم إلى خطاب فاتح، يفتح الأفق أمام الأجيال الجديدة من أبناء هذه الأمة. فبدل أن نوقعهم في خطاب الذات الذي ينكفئ على الذات فيدمرها، ويحول هؤلاء إلى عنصر تدمير ذاتي في أمتهم.

د. مصطفى محمد أمين العتروش من إقليم كردستان العراق

  • العنف كما هو معروف ضد الرفق، والرفق هو لين الجانب ولطافة القول والفعل، والرفق مأمور به في الشريعة الإسلامية.
  • الفظاظة والخشونة والغلظة والقساوة في الطبع والقول والمعاملة والفعل كلها من صفات الإنسان العنيف.
  • العنف يبدأ أولاً من العنف اللفظي مثل السب والشتم وهذا هو أبسط نوع من أنواع العنف.
  • العنف الفكري وهو الذي يترك صاحبه لا يتقبل فكر الآخر. والعنف البدني من أمثاله الضرب والقتل وكذلك العنف بالتخويف أو الترويع وهو أيضًا منهي عنه في الإسلام.
  • الظلم هو سبب أساسي للعنف "الدنيا تدوم مع الكفر والعدل، ولا تدوم مع الظلم".
  • عقوبة العنف في الإسلام أولاً هي عقوبة نفسية، ثم اجتماعية.

د. محمد إقبال عروي من المغرب

  • ظاهرة التطرف والإرهاب لم تقتصر على استثمار الأوضاع الاقتصادية والسياسية فقط، وإنما أضافت عنصرًا خطيرًا وهو عنصر الاستثمار الديني وتأويله لكي ينسجم مع خلفياتها المفاهمية والتصورية والسلوكية.
  • لم تقتصر ظاهرة التطرف والإرهاب على ساحات المواجهة وساحات الحرب العملية فحسب، وإنما اتخذت لها مواقع وساحات جديدة في مقدمتها وسائل التواصل الاجتماعي.
  • الخطاب العلماني يقول: "إن الأزمة التي تفرخ التطرف والغلو والإرهاب أزمة في النص الديني". والخطاب الإسلامي يقول: "إن الاستبداد وغياب العدالة وتغييب تطبيق الشريعة الإسلامية هي أسباب التطرف". صحيح أن كل واحد من هذه الاتجاهات رصد جانبًا مهمًّا من الأزمة لكن لم يستطع أن يضع الدواء على الجرح.
  • التشدد الديني هو المفرخ الأوحد والأقوى لظاهرة التطرف والإرهاب.
  • سد الذريعة بالكلمة الإيجابية والموقف الإيجابي والبرامج الإيجابية مهم جدًا، لكن مؤسساتنا اليوم الحكومية أو الأهلية بقيت عند حدود انتقاد ضحايا الإرهاب والتشهير بهم وسبهم وطعنهم واستعمال نفس أساليبهم في الرد عليهم، وهذا انطلاقًا من رحمة نبينا صلى الله عليه وسلم لا يجوز.
  • ثقافتنا الدينية اليوم -مع الأسف الشديد- جزء منها -بدون وعي- يمكن أن تكون حاضنة لفكر التطرف والإرهاب.
  • البيئة التي تنتشر فيها ثقافة الاعتدال تنتفي فيها ثقافة التطرف.
  •  على الذين يشرفون على مواجهة ظواهر التطرف أن يسهموا في نشر ثقافة الاعتدال وتكاملها وجماليتها.
  • الأستاذ محمد فتح الله كولن جعل الأزمات التي تفترس الأمة ثلاث: الفقر، والجهل والفرقة. فلنتعاون ما أمكن كمثقفين وعلماء وخبراء كل واحد منا في مجاله من أجل أن ندعم هذه الثقافة، ثقافة الوحدة.
  • المعالجة الأمنية والمعالجة الثقافية لظاهرة التطرف والإرهاب متلازمتان أو يتعين عليهما أن يكونا متلازمين. ومع الأسف في بعض التجارب في مناطق مختلفة غلبت المعالجة الأمنية على الثقافية فوقع المحظور.
  • القضية ليست قضية قطاعية تخص وزارة معينة أو بلدية معينة أو محافظة معينة، بل هي قضية تخص الأمة جميعًا ومن باب أولى أن يتضامن أصحاب المعالجة الثقافية مع أصحاب المعالجة الأمنية.

د. محمد جكيب من المغرب

  • ·        الحاجة ماسة إلى التواصل الفكري فيما بيننا، هناك الكثير من الأشياء التي نتشارك فيها ولا بد من تضييق الهُوة من خلال إقامة مثل هذه المؤتمرات والمنتديات.
  • قال تعالى: "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين" والآية الكريمة تتضمن عنصرين مهمين: الرحمة والعالمية. الرحمة خصلة عظيمة بُعث بها النبي صلى الله عليه وسلم وبعث بها للعالمين.
  • الرحمة ينبغي أن تكون موجهة للإنسان في المقام الأول، الإنسان يجب أن يكون مخصوصًا بالرحمة، والآية لا تُوضح ولا تُبين دين ولا قومية ولا أي شيء من هذه الأمور لأنها تخص الإنسان بجميع جوانبه.
  • الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كان "رحمة للعالمين" كان يتعامل مع الجميع بالرحمة. وإنما انتشر الإسلام وفتحت كثير من الأمصار بفضل هذه الرحمة. ولولا هذه الرحمة لما استقر الإسلام بين الناس لزمن طويل.
  • الأستاذ بديع الزمان النورسي يقول: "الإنسان هو ثمرة شجرة الخلق"، ويقول في مكان آخر "هو فهرست المخلوقات" أي أن المخلوقات إذا أرادت أن تتأمل في المخلوقات فالتنظر إلى الإنسان، فستجده يتضمن فهرست خلق الله تبارك وتعالى.
  • عندما يكون هذا الإنسان فهرسة وثمرة نتأمل فيها، أفيجوز لنا أن نستبيح دم هذا الإنسان، وهو الذي يذكرنا بخلق الله تبارك وتعالى أو يمكن أن نسمح لأنفسنا أن نستبيح خلق الله تبارك وتعالى.
  • الفقر المقصود به ليس الفقر المادي فقط، ولكن هناك فقر في الرؤية ومحدوديتها، الإنسان الفقير في الرؤية فقير في الفكر والاجتهاد والعلم لا يستطيع أن يدرك أشياء كثيرة ولهذا إذا أردت أن تصنع أو تُبرز مجتمعًا جديدًا عليك أن تحارب هذا النوع من الفقر قبل أن تحارب أشياء أخرى.
  • التفرقة ذات معان واسعة، ولها ارتباط وثيق بمشكل الفقر والجهل، وعندما يكون الفقر سائدًا بين الفقر الفكري والمعرفي عندها يكون الجهل سائدًا بيننا وبالتالي نصل إلى التفرقة.
  • طاقة الإنسان لا حد لها، إذن فلنفتح المجال لهذه الطاقات كي تبدع وتعبر عن نفسها، فإذا فُتح أمام الإنسان هذا المجال وجد الحرية للممارسة. ومن الأكيد جدًا أنه سينتج عطاء بلا حدود.

 

إقرأ المزيد

 ﺑﺨﺲ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ:

ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻧﻘﺪِّﺱ ﺍﻟﻤﺎﺿﻲ ﻓﺈﻧﻨﺎ ﺑﺪﻭﻥ ﻭﻋﻲ ﻧﺒﺨﺲ ﻋﻘﻮﻟﻨﺎ٬ ﻭﻳﺼﻨﻊ ﺍﻟﻐﺮﺑﻴﻮﻥ ﺍﻟﻌﻜﺲ٬ ﻓﺄﻧَّﻰ ﻟﻌﻘﻮﻝ ﻣﻨﺘﻘﺼﺔ ﻻ ﺗﺄﺗﻤﻦ ﻧﻔﺴﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺗﺪﺑﻴﺮ ﺷﺆﻭﻧﻬﺎ٬ ﺃﻥ ﺗﻨﺘﺼﺮ ﻋﻠﻰ ﻋﻘﻮﻝ ﺗﺮﻯ ﺃﻧﻬﺎ ﻣﻘﺪﺳﺔ٬ ﻭﺃﻥ ﷲ ﺃﻭﻛﻞ ﺇﻟﻴﻬﺎ ﺗﺪﺑﻴﺮ ﺷﺆﻭﻥ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ!

ﻫﺸﻴﻢ ﺍﻟﺘﺨﻠﻒ:

ﺃﺗﺪﺭﻭﻥ ﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﺘﻌﺮﺽ ﺑﻌﺾ ﺃﺟﺰﺍﺀ ﺃﻣﺘﻨﺎ ﻟﻼﺳﺘﺌﺼﺎﻝ ﻣﻦ ﻗﺒﻞ ﺃﻋﺪﺍﺋﻬﺎ؟ ﻭﻟﻤﺎﺫﺍ ﺗﻨﺘﺸﺮ ﺍﻟﺤﺮﺍﺋﻖ ﻓﻲ ﻛﺜﻴﺮ ﻣﻦ ﺃﻧﺤﺎﺋﻬﺎ؟

ﻷﻥ ﺑﺴﺎﺗﻴﻨﻬﺎ ﺗﺼﺤَّﺮﺕ؛ ﺇﺫ ﺗﻴﺒَّﺴﺖ ﺃﺷﺠﺎﺭ ﺛﻘﺎﻓﺘﻬﺎ ﺍﻟﺒﺎﺳﻘﺔ، ﻭﺗﺨﺸَّﺒﺖ ﺃﻓﻜﺎﺭﻫﺎ ﺍﻟﻨَّﻀِﺮﺓ ﺍﻟﻠﻴﻨﺔ، ﻭﺗﺤﻮﻟﺖ ﺃﻓﻴﺎﺅﻫﺎ ﺇﻟﻰ ﺣﻄﺐ ﻳﺤﺘﺮﻕ ﻭﻏﺜﺎﺀ ﺃﺣﻮﻯ ﺗﺬﺭﻭﻩ ﺍﻟﺮﻳﺎﺡ!

ﻭﺫﻟﻚ ﺑﺴﺒﺐ ﺗﻮﻗﻒ ﻋﻴﻮﻥ ﺍﻟﻘﺮﺁﻥ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺪﻓُّﻖ، ﻭﺗﻮﻗﻒ ﺳﻮﺍﻗﻲ ﺍﻟﻌﻘﻮﻝ ﻋﻦ ﺍﻟﺘﺮﻗﺮﻕ، ﺣﻴﺚ ﺍﻟﺘﻔﺖ ﻋﺎﻣﺔ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻋﻦ ﺍﻟﻨﻘﻞ ﻭﺍﻟﻌﻘﻞ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﺘﻘﻠﻴﺪ ﺑﺸﻘِّﻴﻪ ﺍﻟﺘﺄﺭﻳﺨﻲ ﻭﺍﻟﺘﻐﺮﻳﺒﻲ!

ﺳﻨـَّــﺔ:

ﺍﻟﺸﺮﻕ ﺷﺮﻕ ﻭﺍﻟﻐﺮﺏ ﻏﺮﺏ، ﻭﻟﻦ ﻳُﺸﺮﻕ ﺍﻟﻐﺮﺏ ﺃﻭ ﻳﻐﺮﺏ ﺍﻟﺸﺮق، ﻭﺇﺫﺍ ﺣﺪﺙ ﺫﻟﻚ ﻓﺈﻧﻪ ﺳﻴﻜﻮﻥ ﺇﻳﺬﺍﻧًﺎ ﺑﺎﻧﺘﻬﺎﺀ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ؛ ﻭﻟﻬﺬﺍ ﺟﻌﻞ ﷲ ﻣﻦ ﻋﻼﻣﺎﺕ ﺍﻟﺴﺎﻋﺔ ﺍﻟﻜﺒﺮﻯ ﻃﻠﻮﻉ ﺍﻟﺸﻤﺲ ﻣﻦ ﻣﻐﺮﺑﻬﺎ، ﻣﺜﻠﻤﺎ ﺃﺧﺒﺮ صلى الله عليه وسلم ﺑ"ﺄﻥ ﺍﻟﻘﻴﺎﻣﺔ ﻟﻦ ﺗﻘﻮﻡ إلا ﻋﻠﻰ ﺷﺮﺍﺭ ﺍﻟﺨﻠﻖ"(رواه مسلم)، ﺃﻱ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻳﺘﻤﺤَّﺾ ﺍﻟﺸﺮ ﻭﻳﻨﻌﺪﻡ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺣﻴﻨﻤﺎ ﻳﻨﺘﻬﻲ ﺍﻟﺼﺮﺍﻉ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﺨﻴﺮ ﻭﺍﻟﺸﺮ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﻣﺒﺮﺭﺍﺕ ﺍﻟﺤﻴﺎﺓ.

ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻐﺰﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ:

ﻓﻲ ﺃﺣﻴﺎﻥ ﻛﺜﻴﺮﺓ ﺗﻜﻮﻥ "ﻭﺳﺎﺋﻞ الإﻏﺮﺍﺀ" ﺃﺩﻭﺍﺕ ﻧﺎﺟﺤﺔ ﻓﻲ "الإﻏﻮﺍﺀ"؛ ﻭﻣﻦ ﻫﻨﺎ ﺗﻨﺒﻊ ﻓﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻐﺰﻭ ﺍﻟﻔﻜﺮﻱ.

ﻓﻠﺴﻔﺘﺎﻥ:

ﻳﻤﻠﻚ الأﻣﺮﻳﻜﻴﻮﻥ "ﺍﻟﻔﻠﺴﻔﺔ ﺍﻟﻨﻔﻌﻴﺔ"، ﻭﻳﻤﻠﻚ ﺍﻟﻌﺮﺏ "ﺍﻟﻔﺴﻄﺔ ﺍﻟﻨﻔﻄﻴﺔ"!

ﺗﻔﺮُّﻕ ﺍﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ ﻫﻮ ﺍﻟﺠﺴﺮ ﺍﻟﺬﻱ ﺗﻌﺒُﺮ ﻋﻠﻴﻪ ﺍﻟﻤﺆﺍﻣﺮﺍﺕ ﺍﻟﺨﺎﺭﺟﻴﺔ إليهم!

ﺃﻛﺒﺮ "ﺻﻨﺪﻭﻕ ﺃﺳﻮﺩ" ﻓﻲ ﺍﻟﻌﺎﻟﻢ، ﻫﻮ "ﺻﻨﺪﻭﻕ ﺍﻟﻨﻘﺪ ﺍﻟﺪﻭﻟﻲ"، ﻓﻬﻮ ﻳﻌﺮﻑ ﺃﺳﺮﺍﺭ ﺳﻘﻮﻁ ﺩﻭﻝ ﻭﺣﻜﻮﻣﺎﺕ ﻭﻇﻬﻮﺭ ﺃﺣﺰﺍﺏ ﻭﺟﻤﺎﻋﺎﺕ!

ﺃﺛﺒﺘﺖ ﺍﻟﺴﻨﻮﻥ ﻭالأﺣﺪﺍﺙ ﺃﻥ ﺍﻟﻨﻈﺎﻡ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ.... ﻻ ﻳﺤﻤﻲ ﺍﻟﻤﻐﻔَّﻠﻴﻦ!

ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﺻﺎﺣﺐ ﺫﻭﻕ ﺭفيع، ﻓﻬﻮ ﻳﺤﺐ الأﺯﻫﺎر، ﻭلاﺳﻴﻤﺎ ﺯﻫﺮﺓ "ﺍﻟﻨﺮﺟﺲ"، ﻭﻟﺬﻟﻚ ﻓﻬﻮ (ﻧﺮﺟﺴﻲ)!!

ﺑﻔﻀﻞ ﺃﻧﻈﻤﺘﻨﺎ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺍﻟﻤﻐﻔَّﻠﺔ ﺃﺻﺒﺢ "ﺣﺒﻞ ﺍﻟﻜﺬﺏ" ﺍﻟﻐﺮﺑﻲ ﻃﻮﻳﻼً!

 السير في دروب الإحسان:

المرابط في ثغور الإجادة ودروب الإحسان، يجد ويجتهد، يجترح المآثر ولا يجتر، وينجز المشاريع دون أن يغتر!

وفي مسيرته البنائية تجده وئيد الخُطا، قليل الخطأ، عديم الصخب، كثير الصواب.

الإحسان بدل الإساءة:

لا يزول الليل بلعنه وشتمه، ولكن بانبلاج الفجر وسفور الصبح. وبسطوع أشعة الشمس تخنس سُدف الظلام وتختفي جحافل الليل وتفر دياجير المساء، ولهذا فإن من أساسيات المؤمن أنه يأمر بالمعروف؛ وذلك بتوفير البدائل المتسعة في يسرها، والمتسقة مع الفطرة، والمتناسقة مع الكون، فتخنس المنكرات وتفرّ الفواحش.

المرابط في ثغور هذا الدين:

يتصف بأنه يرشُد ويُرَشِّد، يبادر ويُبدِّر، يستقيم ويُقوِّم، يبني ويتَبَنّى، يَصلُح ويُصلِح، يعمر الأعمار بالأعمال.

المحسن:

هو الذي يتولّه بصفات الإله، ويصعد درجات الإحسان في علاقته بأخيه الإنسان.

دولة مكة ودولة المدينة:

إذا ترسخت العقيدة في "جوانح" المؤمن، فإنه سيصبح كائنًا "مجنحًا" في خدمة الشريعة، أي أنه إذا أخلص بكليته لله فإنه سيخلص لأخيه الإنسان، ومن هنا اهتم الرسول صلى الله عليه وسلم في دعوته المكية ببناء الإنسان، وهو الإنسان الذي أقام دولة المدينة، الدولة التي جاءت لعبادة الله بخدمة حقوق الإنسان، فالإنسان إذن هو ثمرة دولة مكة وهو مُثَمِّر دولة المدينة.

الرؤية ثمرة الروية:

"الروية" في قراءة النصوص والوقائع، تُمَكِّن صاحبها من إيجاد "رؤية" سليمة في التعامل مع الأحداث!

الدنيا "مزرعة" والحساب "بيدر"، فلنبادر بزراعة ما نحب أن نحصد، قبل أن ينقلنا الأجل إلى حياة الأزل.

بالنسبة للمعضلات، إن لم تكن الحلول "عميقة"؛ فستكون بالضرورة "عقيمة"!

 العروج في آفاق العرفان

لكي نطير في أجواز القيم؛ ينبغي ﻷرواحنا أن ترفرف، ولعقولنا أن تحلق، ولهممنا أن تتسامق، ولرغباتنا أن تتسامى، وﻻ بد ﻷفكارنا أن تتسابق، ولقلوبنا أن تتساوق!

بأجنحة الشوق والتوق، نجتاز اﻵفاق، ونتجاوز اﻵماد، ونصل إلى سعادة اﻵباد.

ﻻ يمكن للزواحف التي أخلدت إلى اﻷرض أن تطير!

أول خطوة في الطيران هي اﻻستقامة، ولذلك قال بعض علماء المسلمين إن الذي شيب الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة هود هو: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾(هود:112).

التوبة هي إفاقة من إغماءة الذنوب، وارتفاع من حفر الخطايا، واستقامة من السقوط في المعاصي، وعودة إلى جادة الصواب، ولزوم لاستقامة الصراط!

اﻻرتفاع في "عوالم الخلود"، يحتم التوبة من "اﻹخلاد إلى اﻷرض"، ثم يحتاج إلى همم عالية، وإرادات متوثبة، وأعمال فارعة، ودعوات ضارعة، وآمال طوال!

الصعود إلى ذرى العبادة وفردوس اﻹيمان، ليس هبة مجانية وﻻ أمنية إنسانية، وإنما هو كفاح مرير، يقتضي إرادة فوﻻذية وعزيمة حديدية، ويحتاج إلى نفس طويل وصبر جميل، ويتطلب سباحة عقلية ومرونة فكرية، ويريد لياقة روحية ورشاقة نفسية!

ﻻ يمكن أن يصعد إلى "المتون" من رضي بالعيش في "الهوامش"، ولذلك كان القلق العقلي والتطلع الروحي، أحد عوامل إذكاء عملية اﻹقلاع نحو الأعالي.

لكي تصل إلى نجوم المعالي، ينبغي أن تكون نجمًا في اﻷعالي، بتميزك في شخصيتك وتألقك في تخصصك، حتى تنير للحيارى الدروب، وتنفس عن الضعفاء الكروب.

كن نخلة تبسق بشموخها في السماء، وتنزل بعطائها إلى اﻷرض.

عناوين ولافتات

إن رفض "النصيحة" طريق زلق نحو "الفضيحة"!

قد يؤدي "السُّكر" بلذة الإنجاز الذاتي، إلى التعامي عن حقيقة "الشُّكر" اﻹلهي!

فراق المحبين أشواق تندلع، وقد تؤدي إلى الاحتراق والضمور، ووصالهم دفئ ﻻ يؤدي إﻻ إلى البهجة والحبور.

"التَّحَرِّي" هو قارب النجاة من الغرق في لجج "التَّحَيُّر"!

"الهَم"  يُذكي "الهِمَّة"، وبالهمة يتم تجاوز "الهموم".

"البلايا" هي "المطايا"، التي تحمل "عطايا" الله، إلى عباده الصالحين.

لا تختلف في أصل الخلقة "الأعراق"، وإنما تتعدد في الألوان والألسنة و"الأعراف"!

عنوان إقامة حقوق الله هو "الإيمان"، وعنوان تجسيد حقوق الإنسان هو "الأمانة".

ينبغي "لكرامات" العلماء أن تُستر ولا تُنشر؛ ﻷنها قد تؤدي إلى "اﻻفتتان"، وينبغي لمعايبهم أن تُطوى ولا تُروى؛ ﻷن نشرها قد يتسبب في "فتنة"!

المؤمن ملاك آسر، والكافر وحش كاسر!

الفرق بين الشاطر والشاعر، أن الأول "يسرق جيبك"، والثاني "يسرق قلبك"!

أثبتت تقنية الإعلام والتواصل اﻻجتماعي، كم أن هذا العصر "متقدم"، وكم نحن "متخلفون"؛حيث نكرر بدون عد، ونجتر بلا حد، ونتقولب بدون عقل!!

إذا لم تملأ الآماد بالصالحات؛ مَلَأَتْكَ بالطالحات.

من ضمر ضميره جف نبع خيره!

 ﻵلئ الحكمة

أخشى أن أموت وفي نفسي شيء من حتى، لكنها ليست "حتى" المشهورة عند سيبويه، وإنما هي "حتى" الواردة في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾(الأنفال:53)، فمتى سيحدث هذا التغيير لتنعم اﻷمة بالتطور الذي يعيد لها دورها المتوهج، وعزها المتألق، ومجدها المؤثل؟

اﻷمين هو الذي يستطيع أن يحافظ على توازنه، رغم زﻻزل اﻹغراءت التي تزلزل كثيرين!

من لم ينشغل بالفضائل شغلته الرذائل، ومن لم يترق بالقيم تلقته بالهبوط النقم!

إذا لم تنغرس في تربة زراعة اﻵمال الخصبة، غرستك اﻷماني السرابية في مهب الريح!!

من لم يجث أمام ربه ساجدًا، في محرابي الصلاة والحياة، سيجثم الشيطان على قلبه، ويقوده إلى كل وبال، وسيورثه طينة الخبال!!

من اعتصر آيات القرآن بمعصرة التدبر، ونهل من معاصر آيات اﻷنفس، فسار في اﻷرض وجاب اﻵفاق، فإن معارفه ستنقلب عرفانًا؛ إذ سيصبح كالمعصرات ثجاجًا،تنضح بالغيث الهاطل، وتعج بالخير النازل، وتزخر بالنفع النابت، بكل ما ينفع الخلق ويرضي الخالق.

في مهب رياح "المحن" تكثر "المنح"، لمن أحسن التفكر وأطال التأمل، وخلف مظاهر "النقم" تتخفى"النعم"!!

يتكون الثمينون من الناس بدون ضجيج، كاللؤلؤ والمرجان اللذين يتكونان بهدوء في أعماق البحر، بعيدًا عن أعين الرقباء!

ليس كل صغير رخيص السعر قليل الفائدة، فالجوهرة صغيرة الحجم، لكنها نفيسة القيمة غالية الثمن!

من لم "ينشد المعالي"؛ "شدته السفاسف" إلى اﻷسافل!

 

 

 

إقرأ المزيد

انتقل إلى جوار ربه الأستاذ الدكتور الصفصافي أحمد قطوري الكاتب والمفكر المصري، والذي يعتبر من أهم وأبرز كتاب مجلة حراء، وقد لقبه الكثيرون بأبي اللغة التركية بمصر نظرًا لإسهاماته الكبيرة في حقل اللغة التركية بمصر، حيث كان من رواد مؤسسي أقسام اللغة التركية في الجامعات المصرية وجامعة عين شمس بالتحديد.

وللصفصافي العديد من المؤلفات العلمية والأدبية والسياسية والثقافية المتعلقة بالقضايا المهمة في العالم العربي وتركيا، من أبرزها: "دراسات في الشعر التركي – دراسات في الأدب الشعبي التركي، دراسة وثائقية، إسطنبول.. عبق التاريخ وروعة الحضارة، قواعد اللغة العثمانية والتركية، القيم الأسرية بين الأصالة والمعاصرة، اللغة التركية.. قواعد ونصوص، دراسات في الشعر التركي حتى بدايات القرن العشرين، أوراق تركية حول الثقافة والحضارة. (في كتابين)، اللغة والأدب والفنون – يشار كمال والقصة التركية القصيرة، مرآة جزيرة العرب – رحلة آوليا جلبي إلى الحجاز.. الرحلة الحجازية ". بالإضافة إلى تأليفه معاجم منها: معجم تركي عربي،  والمعجم التركي العربي الكبير، والمعجم التركي العربي الصغير، والمعجم العثماني التركي العربي الكبير، والمعجم التركي العثماني العربي الجديد؛ إلى جانب كتب عديدة ترجمها من اللغة التركية إلى اللغة العربية في مجال الأدب والتاريخ والثقافة والفنون.

الدكتور الصفصافي كان قمة في الأدب والتواضع وطيب المعشر وحلاوة الحديث، كان الوجه المبتسم البشوش بين العرب والأتراك، كان الجسر الواصل بين شعبين شقيقين، فلا يطرق أحد بابه يطلب منه معونة أو مشورة ويعود خاوي اليدين

وكان من أبرز كتاب مجلة حراء حيث كتب حول التاريخ والحضارة، وخاصة التاريخ العثماني، كما كتب كذلك في الثقاقة والفن الإسلامي، بالإضافة إلى أبحاث حول فكر الأستاذ فتح الله كولن ومدرسة الخدمة، وكان يعتبر مجلة حراء على أنها عودة للتلاحم الثقافي بين العرب والأتراك، وقد نعى الأستاذ نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء الأستاذ الدكتور الصفصافي أحمد قطوري قائلاً: "أفضال الدكتور الصفصافي على مجلة حراء كبيرة. فقد أسهم في بناء الخط الفكري لحراء قبل تأسيسها، وكان حاضرًا دائمًا في المجلة، وقد استعَنّا به مرارًا في ترجمة بعض المقالات من اللغة التركية إلى اللغة العربية ونشرناها في حراء، فقد كان متمكنًا في اللغة التركية بحق، ومترجمًا فذًا إلى العربية. ولم يقتصر إسهامه في حراء على الترجمة فقط، بل كان كاتبًا بارعًا كذلك حيث كتب في الثقافة العثمانية والحضارة الإسلامية التركية بجدارة. وكان ملمًا باللغة التركية نطقًا وكتابة".

وتابع صواش مشيدًا بأعمال الأستاذ الراحل قائلاً: "كما أنه كان وفيًّا لمشروع حراء، فلم يغب عن ندوة أو مؤتمر أو نشاط عقدناه في مصر أو في مكان آخر من العالم. وأذكر أنه شارك في ندوات لنا في القاهرة وتركيا وأمريكا وأوروبا وبعض دول آسيا الوسطى. وكان محبًّا للأستاذ فتح الله كولن، قارئًا لكتبه، باحثًا في مشروعه، كاتبًا فيه، محاضرًا عنه، معجبًا برؤيته. وكان من أوائل المثقفين العرب الذين زاروا الأستاذ فتح الله كولن في الولايات المتحدة الأمريكية والتقوا به مباشرة وحاوره. كما ترجم كتابًا ألف عن الأستاذ فتح الله كولن من التركية إلى العربية، وكذلك أشرف على رسالة ماجستر حول مشروع الأستاذ كولن التربوي، وكانت من الرسائل الأكاديمية الأولى التي أنجزت حول مشروع الأستاذ فتح الله كولن الإصلاحي في العالم العربي".

وأثنى صواش علىى دماثة أخلاق المرحوم بهذه الكلمات: "الدكتور الصفصافي كان قمة في الأدب والتواضع وطيب المعشر وحلاوة الحديث، كان الوجه المبتسم البشوش بين العرب والأتراك، كان الجسر الواصل بين شعبين شقيقين، فلا يطرق أحد بابه يطلب منه معونة أو مشورة ويعود خاوي اليدين. نحن ممتنون وشاكرون له خدماته المخلصة، وشهادتنا بين يدي الله بأنه كان الصادق الوفي لمشروع الإسلام الحضاري المستنير. وقد فقدت حراء علمًا من أهم أعلامها، نسأل الله تعالى أن يهيئ لنا من يسد الفراغ الذي تركه. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى".

وبدوره تقدم الأستاذ نور الدين صواش مدير تحرير مجلة حراء بأحر عبارات التعازي قائلاً: "كم آلمنا نبأ وفاة أستاذنا الغالي ومستشارنا العزيز وكاتبنا الجليل الدكتور الصفصافي أحمد القطوري الذي كان يبث عبر قلمه السيال أفكارًا نيرة ومعلومات قيمة يستفيد منها قراء حراء منذ العدد الأول. بهذا المصاب الأليم وبقلب مؤمن بقضاء الله وقدره، نتقدم إلى أهل فقيدنا وأشقائه وأحبابه بالتعازي القلبية الحارة وبالمشاعر الفياضة والعواطف الأخوية المخلصة، سائلين المولى عز وجل أن يتغمده بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته. وإذا كان مصير الوردة الذبول، إلا أن ذكراك يا أستاذنا ستبقى أبدًا ولن تزول".

كم آلمنا نبأ وفاة أستاذنا الغالي ومستشارنا العزيز وكاتبنا الجليل الدكتور الصفصافي أحمد القطوري الذي كان يبث عبر قلمه السيال أفكارًا نيرة ومعلومات قيمة يستفيد منها قراء حراء منذ العدد الأول

ويضيف الأستاذ إسحاق إنجي مدير تحرير جريدة الزمان العربية -وقد كانت له مناسبات مع الأستاذ قطوري- أن الأستاذ قطوري ألقى محاضرات عن التاريخ العثماني في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي نفس هذه المناسبة زار الأستاذ فتح الله كولن وتحدث معه باللغة التركية، كما زار مجموعة من مؤسسات الخدمة في أمريكا وتأثر بها كثيرًا، حيث أنه عندما عاد إلى مصر حدَّث طلبته عما رأى لشهور عدة، كما أنه عمل على توجيههم إلى كتابة أبحاث حول مشروع الخدمة.

وقد تحدث الأستاذ قطوري في مناسبات مختلفة عن فلسفة مدرسة الخدمة في الإصلاح والتي رأى أن أهم معالمها:

  • التربية والتعليم والتي تعتبرها الخدمة أولوية من أولوياتها.
  • البعد العالمي والذي جعل دولة تركيا تحيي روابط الأخوة مع مختلف دول العالم.
  • الخدمة تركز على التربية الأخلاقية للمواطن، فإذا استطعنا أن نبني مواطنًا صالحًا فهذا المواطن يستطيع أن يتدبر أموره في أصعب المواقف التي يمكن أن يتواجد فيها.
  • إذا ربينا جيلاً على أخلاق إسلامية، هذا الجيل ستتاح له الفرصة عاجلاً أو آجلاً إلى إدارة شؤون الأمة الإسلامية، فتكون الأمة في أيد خيرة.
  • الخدمة حاولت أن تنشئ أرضية للحوار والتسامح والتعايش، فأبناء الخدمة تحاوروا مع أنفسهم أولاً، ثم نقلوا هذا النموذج إلى فئات أخرى.
  • يرى الأستاذ فتح الله كولن أن الحضارات التي تحركت وفقًا لديناميكيتها وحافظت على عناصرها الرئيسية هي التي استمرت ووصلت إلى يومنا الراهن.
  • مدارس الخدمة تأسست على ضرورة المزج بين الأخلاق والعلوم الحديثة بهدف تشكيل جيل جديد من الشباب قادر على مقاومة عوامل الإغراء الحديثة.
  • المدنية في فكر فتح الله كولن هي غنى النفس، ورقّة الروح، وقبول الآخر، والاعتراف بحق الآخرين في الحياة، وتقبلهم وعدم الضيق بهم.
  • انطلق محمد فتح الله كولن إلى توسعة دوائر الحوار مع الآخر المحلي والآخر الخارجي، وذلك عن طريق المزج بين التراث العرفاني والتسامح مع الآخر والتربية والتعليم التي تعتمد الأخلاق منهجًا سلوكيًا كما تعتمدها ومنهجًا تعليميًا.

رحم الله أستاذنا الصفصافي أحمد قطوري وأسكنه فسيح جناته، وجعل علمه ذخرًا لهذه الأمة.

إقرأ المزيد