العدد 49 / السنة العاشرة / (يوليو-أغسطس) 2015

  • 1
  • 2

هو الإسلام

د. عبد الرحمن العشماوي - avatar د. عبد الرحمن العشماوي - شعر

هو الإسلام

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ ويُبنى من مبادئه النظامُ وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق ولا عانتْ من الباغي شآمُ ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ له في الهند... إقرأ المزيد

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

صهيب مصباح - avatar صهيب مصباح - ثقافة وفن

 عندما يتأمل الإنسان طبيعة الحوار وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام -منذ بدايته- دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. ومن ثم فهو دين تفاعُل واتصال وخروج للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة -الغيبية، والعقلية، والكونية، والإنسانية، والتشريعية- على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين، بحثًا عن الحق وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام، فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم... إقرأ المزيد

بدا لي أن أتوقّف هذا الرمضان عن التفكير في "خَتْم المصحف" مؤقتًا، وأن أجعل همّي مراقبة تأثير القراءة على قلبي، ومدى تفاعلي وانفعالي مع السياقات القرآنية، ورأيت أن أُشرك أحبتي هذه الملحوظات المهمة.

الملحوظة الأولى:

روى البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها في العام الذي توفي فيه: "إِن جبريل كان يعارضنى القرآن كل سنة مرة، وإِنه عارضنى العام مرتين، ولا أُراه إِلا حضور أَجلى"، في هذا الحديث لفتات جميلة:

أولها: عناية الله بالقرآن الكريم وحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(الحجر:9)؛ لأنه كلمة الله الأخيرة لأهل الأرض، المهيمن على الكتب السابقة، والبيان لما يعرض للناس إلى يوم القيامة، والمشتمل على أسس الخير والهداية والنواميس والسنن الإلهية، ولذلك تكفَّل الله تعالى بحفظه في الصدور وحفظه في السطور.

الثانية: ختم القرآن سُنَّة، ولذا أرشد -صلى الله عليه وسلم- عبد الله بن عمرو بن العاص إلى أن يختم في كل شهر وانتهى إلى ثلاثة أيام، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- يُحزِّبون القرآن، فيختمون في أسبوع، وغالبًا ما يكون هذا في قيام الليل، ولما سئلوا عن هذا التحزيب قالوا: ثلاث سور، وهي البقرة وآل عمران والنساء، ثم خمس، ثم سبع، ثم تسع ، ثم إحدى عشرة، ثم ثلاث عشرة، ثم المفصَّل من ق إلى الناس.

فمن السُّنة أن يختم القرآن في شهر رمضان، وله بكل حرف حسنة، ولئلا يكون شيء من القرآن مهجورًا، ولكن الأجر مرتَّب على:

١-الوقت الذي تمضيه في القراءة.

٢-جودة القراءة وإتقانها.

٣-التأثُّر ولين القلب، والاستجابة لدعوة القرآن، وهذا المقصد الأسنى والأسمى من التنزيل.

 دع القرآن يهزك من أعماقك هزًّا، ويُثير أشجانك، ويحرك مشاعرك، ويداوي جراحك، دعه يخاطب عقلك بالأدلة ويحاصره بالبراهين، دعه ينتقل بك إلى الماضي فيمر بك عبر القرون والأجيال والأمم ومصائر الصادقين ومصارع الغابرين، ويمر بك في الحاضر فيُبيّن لك الأسباب والعلل والسنن، وينقلك إلى المستقبل فيعطيك الوعد والرضا والقبول، ويُبشّرك ويمنحك الصبر والعزاء والسلوان ويرتحل بك إلى الآخرة.. إلى السعة المطلقة.. إلى الخلود، ويسمو بك إلى الأعلى فيُحدِّثك عن الله -عز وجل- وأسمائه وصفاته وملائكته ومخلوقاته، ويفتح عقلك على ما لا تعلم ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ*وَمَا لاَ تُبْصِرُونَ﴾(الحآقة:38-39)، وردد مع الشاكرين: ربَّنا لك الحمد مِلْءَ السماء وَمِلْءَ الأَرض وَمِلْءَ ما شِئْتَ مِنْ شَىْءٍ بَعْدُ.

إن كنت فقيرًا أو مريضًا أو سجينًا أو حزينًا أو مكتئبًا.. فهو ينقلك إلى عالم أفضل وأجمل ويصلك بالله العظيم، صاحب الفضل والجود والإنعام والكرم؛ الذي يُغيِّر ولا يتغيَّر ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾(الرحمن:29). قد لا تجد نفسك مهيَّئًا للتدبُّر، وللنَّفْس إقبال وإدبار، فاقرأ القرآن لأنك تؤجر عليه ولو بدون تدبُّر، ولكن الأجر مع التدبُّر يزيد أضعافًا مضاعفة.

الملحوظة الثانية:

روى الشيخان عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: "اقرأْ عليّ القرْآن". قلت آقرأُ عليك وعليك أُنْزل قَالَ "فإِنِّى أُحِب أَن أَسمعه من غيرى". فقرأْت عليه سورة النساء حتى بلغْت ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا * يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلاَ يَكْتُمُونَ اللهَ حَدِيثًا﴾(النساء: 41-42)، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: "حَسْبُكَ الآنَ"، قال : فالتفت إِليه  فإِذا عيناه تذْرفان.

دموع عزيزة تسيل على الوجنة الطاهرة من هول الموقف وجلاله ورهبته؛ لأنه سوف يُدعى للشهادة، وتسيل رقة ورحمة بأمته، ولذلك يكون نداؤه آنذاك: "يا رب أُمتى أُمتى".

 القارئ يكون منشغلاً بالحروف أو بالحفظ أو التجويد.. فأن تسمعه من الآخرين وخاصة من القرّاء المجوِّدين والمتقنين والمبدعين فإن هذا عظيم التأثير، ولا زلت أذكر في طفولتي إنصاتي لمشيخة القرّاء المصرية من أمثال: الشيخ عبد الباسط عبد الصمد، والشيخ محمد رفعت، والشيخ المنشاوي، والشيخ الطبلاوي.. ولا زالت تلك القراءة  ترنّ في أذني إلى الآن.

 الملحوظة الثالثة:

روى الشيخان عن ابن مسعود -رضي الله عنه- أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: يا رسول الله إني خلوت بامرأة وأتيت منها ما يأتي الرجل من زوجته إلا أني لم أجامعها، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: أصليت معنا؟ قال: نعم. قال: اذهب فقد غُفر لك. وأنزل الله تعالى قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾(هود:114).

 أستلهم من هذا الحديث العظيم إعجازًا قرآنيًا أن الإنسان –أحيانًا- يسمع آية من القرآن صلى بها الإمام أو سمعها وهو مار في الطريق أو فتح المذياع فانطلقت إلى أذنه مباشرة، وتكون هذه الآية كأنما أُرسلت له خاصة؛ لأنها تعالج وضعًا شخصيًا يعيشه هو.

شاب أخطأ على والدته وأغلظ لها الكلام، وخرج مغاضبًا وفي الطريق وقف يصلي فقرأ الإمام: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا فَلاَ تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا﴾(الإسراء:23)، أحسَّ ذلك الفتى أن الملك ألقى هذه الآية بالذات على فم الإمام من أجل أن يسمعها هو.

آخر ارتكب خطيئة وشعر بالبؤس، والحزن، والفقر، والهمّ، والغم.. ففتح المذياع فسمع مباشرة قول الله -عز وجل-: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الزمر:53). ثالث شاهد نشرة الأخبار ووجد كل ما يؤلم قلبه ويُمضّ فؤاده، دماء تسيل في بورما، وأخرى في سوريا، وقتلى في العراق، وما إلى ذلك، واستئثار العالم الإسلامي على وجه الخصوص بأن يكون منطقة اضطراب واحتراب، وتعجَّب من تسلط الظالمين والطغاة، ففتح المصحف فوجد آية أمامه تلوح:  ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ﴾(آل عمران:196-197). مثل هذا لا يعفي المؤمن من السعي للإصلاح، ولكنه يمنحه قدرًا من الهدوء والسكينة والاسترواح.

الملحوظة الرابعة:

روى الشيخان عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن جبريل سأل النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الإحسان فقال: "أَن تعبد الله كأَنك تراه ، فإِن لم تكن تراه فإِنه يراك".

القرآن يجعلك تعيش مع يوسف -عليه السلام- في الجب، ثم في القصر، ثم في السجن، ثم في منصة القيادة، ثم في الخاتمة الحسنة: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾(يوسف:101).

ومع إبراهيم في طفولته وتفكره في الملكوت، وبحثه عن الله، وإيمانه، وصبره، وتضحيته، وجهاده، وخروجه من العراق إلى الشام إلى مصر إلى البيت العتيق، مع امتحانه ولده، ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاَءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾(الصافات:103-107).

مع مريم؛ الصدِّيقة، القانتة، العابدة، النموذج النسائي الرائع العظيم.. وهي تتبتل في محرابها والملائكة تدخل عليها، وهي تراهم وتسمع نداءهم وكلامهم: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ * وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾(آل عمران:45-46).

مع موسى وهو يخرج من المدينة خائفًا يترقَّب، أو يسمع نداء الله -عز وجل-، أو يدعو قومه إلى الدخول في الأرض المقدَّسة، فيتراجعون ويحجمون ويترددون ويجبنون ويقولون: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾(المائدة:24)، فيتبرَّم بهم ويدعو عليهم: ﴿فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾(المائدة:25).

ترى  القيامة  كأنها رأي عين، وتتصور نفسك ولا يعنيك أمر الناس: ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾(عبس:37)، أنت فرد ضمن هذه الجموع التي يموج بها ظهر الأرض، لا تكثرت إلا للتساؤل عن شخصك ومصيرك والتفكير في ماضيك وهل يؤهلك للنجاة أم للعطب؟ ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾(الكهف:99).

إقرأ المزيد

إن لدخول اسمَي "الرحمن الرحيم" في البسملة وذِكْرُهما في بدء كل أمر ذي بال، حِكَمًا كثيرة. أُعلِّقُ بيان تلك الحِكم على مشيئة اللّٰه إلى وقت آخر، ذاكرًا هنا شعورًا خاصًا بي.

أخي! إني أرى اسمَي "الرحمن الرحيم" نورًا عظيمًا إلى حدٍّ كبير، بحيث يحيط ذلك النور بالكون كله، وأرى فيهما من القوة والسُّطوع لكل روح، بحيث يحققان لها جميع حاجاتها الأبدية، وينجيانها من أعدائها الذين لا يُحَدُّون.

فلقد وجدتُ أن أهم وسيلة للوصول إلى هذين النورين العظيمين تكمن في "الفقر مع الشكر" و"العجز مع الشفقة" أي بتعبير آخر: العبودية والافتقار.

ولمناسبة هذه المسألة أقول، ولكن مخالفًا لأقوال العلماء المحققين، بل حتى مخالفًا لأستاذي الإمام الرباني:

إن المشاعر والأحاسيسَ الشديدة الساطعة التي كان يشعر بها سيدُنا يعقوب تجاه سيدنا يوسف عليهما السلام ليست مشاعرَ نابعة من المحبة والعشق. بل نابعة من الشفقة، لأن الشفقة أنفذُ من المحبة والعشق، وأسطع منهما وأعلى وأنزه، فهي الأليَق بمقام النبوة.

أما المحبة والعشق، فإن كانتا شديدتين نحو المحبوبات المجازية والمخلوقات، فلا تليقان بمقام النبوة الرفيع. بمعنى أن ما يبيّن القرآن الكريم مشاعر سيدنا يعقوب وأحاسيسه تجاه سيدنا يوسف عليهما السلام في أسطع صورة وألمع إعجاز والتي هي وسيلة الوصول إلى اسم "الرحيم"، إنما هي درجة رفيعة سامية للشفقة.

أما العشق الذي هو وسيلة الوصول إلى اسم "الودود" فهو في محبة "زليخا" (امرأة العزيز) ليوسف عليه السلام.

إذن فالقرآن الكريم بأيّ مدى بيّنَ سموَّ مشاعر سيدنا يعقوب ورفعتَه على أحاسيس "زليخا"، فإن الشفقة أيضًا تبدو أرفع وأسمى من المحبة بتلك الدرجة.

ولقد قال أستاذي الإمام الرباني: إن المحاسن الجمالية ليوسف عليه السلام هي من قبيل المحاسن الأخروية، لذا فالمحبة المتوجهة نحوها ليست من أنواع المحبة المجازية حتى يبدو النقصُ والقصور فيها. ذلك لأنه يرى أن العشق المجازي لا يليق تمامًا بمقام النبوة.

وأنا أقول: يا أستاذي المحترم! إن هذا تأويل متكلّف. أما الحقيقة فينبغي أن تكون هكذا: إن تلك المشاعر والأحاسيس ليست مشاعر محبة، بل هي مرتبة من الشفقة التي هي أسطع من المحبة بمائة درجة وأوسع منها وأسمى.

نعم، إن الشفقة بجميع أنواعها لطيفة، نـزيهة، أما العشق والمحبة فلا يُتنازَل إلى كثير من أنواعهما.

ثم إن الشفقة واسعة، إذ الوالد الذي يشفق على أولاده يشفق أيضًا على جميع الصغار، بل حتى على ذوي الأرواح، فيبين نوعًا من أنوار اسم "الرحيم" المحيط بكل شيء. بينما العشق يحصر النظرَ بمحبوبه وحده. ويضحي بكل شيء في سبيله. أو يذم الآخرين ضمنًا ويهوّن من شأنهم إعلاءً لقدر محبوبه وثناءً عليه.

فمثلاً قد قال أحد العاشقين: "إن الشمس لتخجل من جمال محبوبتي، فتتستر بحجاب السحاب لئلا تراها".

أيها العاشق! بأي حق تُخجل الشمس، تلك الصحيفة النورانية التي تظهر ثمانية أسماء عظمى؟

ثم إن الشفقة خالصة، لا تطلب شيئًا من المشفَق عليه، فهي صافية لا تطلب عوضًا. والدليل على هذا، الشفقةُ المقرونة بالتضحية التي تحملها والدات الحيوانات، والتي هي أدنى مراتب الشفقة، فهي لا تطلب مقابلَ شفقتها شيئًا.

بينما العشق يطلب الأجرة والعوض. وما نُواحُ العاشقينَ إلاّ نوعٌ من الطلب، وسؤال للأجرة.

إذن فإن شفقة سيدنا يعقوب التي هي أسطعُ نور يتلمع في أسطع سور القرآن، سورة يوسف، تظهر اسمَي "الرحمن الرحيم" وتعلن: أن طريق الشفقة هي طريق الرحمة، وأن ضماد ألم الشفقة ذاك إنما هو: ﴿فَاللّٰهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾(يوسف:64).

المصدر: من كتاب المكتوبات 

إقرأ المزيد

 التعجل والتعقل ضدان لا يجتمعان، فالعاقل يتروى؛ ﻷن التروي من أسباب التقوٍّي.

العقل السوي، يثمر "الاطراد" ويمنع "التضاد".

باب الله دائمًا للجميع مفتوح، وخيره للورى ممنوح.

من موجبات "التّقْوَى" تحصيل "القُوت"!

الذنب "ذئب ضاري" ينبغي أن يخافه كل شخص على "غنم طاعته"!

تقطيب "الحواجب" يضع "حاجبًا" بينك وبين الناس.

النسيان أمر "مؤلم"، ولكن الجميل فيه أنه يجعل الإنسان ينسى "آلامه"!

من أخطر الجرائر زعم الاطلاع على السرائر!

الإيمان هو "جُنَّة" الإنسان من خطاطيف "الجِنَّة"، وهو قطاره إلى "الجَنَّة".

الوقوف على مهبط "الانحدار" سيوصل صاحبه حتمًا إلى "الاندحار".

الاعتزاز بـ"الطاعات" يقتضي الاحتراز من "المعاصي".

من لم يعش في "ظلال القرآن" وبرد الفرقان؛ عاش في "ضلال الخسران" وهجير النكران.

لا يكون المرء مؤمنًا بالقدر حتى يؤمن بـ"اقتدار الله" وبـ"اختيار الإنسان".

صاحب الإيمان لا يشعر بالغربة أو الغرابة ولا يخشى الغروب!

"صناعة النماذج" الأسلوب الأمثل لـ"تغزير النتائج".

المواهب هبات ربانية، ومنح سماوية، وعطايا سبحانية.

أكبر وأسمك ثوب في العالم، هو ثوب الستر!

أرباب السلوك في الدنيا هم الملوك في الآخرة.

يامسلمي العالم انتحبوا، "مع الاعتذار للسلطان عبد الحميد رحمه الله"!

العروبة عروس لا عريس لها.

"اهتمامات" الإنسان هي التي تحدد "أهميته"، و"إمكاناته" هي التي تصنع "مكانته".

"الجشع" يمحو "الشجاعة"، و"الطمع" يزيل "الطاعة".

أفياء التدبر

العقل العربي قفل ﻻ مفتاح له إﻻ القرآن، وﻻ مفتاح للقرآن إﻻ اﻻدكار: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾(القمر:17).

الفعل ثمرة الفكر

بسبب "عوار المنهج" في التعامل مع القرآن نشأت "الفرق العوراء" في التأريخ اﻹسلامي.

حفار التدبر

التدبر هو حفار يستطيع التعمق بمهارة في أعماق النصوص القرآنية ليستخرج منها الكنوز الربانية المخبوءة والذخائر المطمورة، تحت تراب المباني اللغوية ورمال التعابير واﻷساليب التعبيرية.

قنابل "إسرائيلية" موقوتة

بسبب غياب التدبر عند بعض نقلة التفسير، تسللت بعض الخرافات الإسرائيلية إلى ثنايا بعض التفاسير، ومع مرور الزمان صارت "قنابل موقوتة" أمكن للأعداء تفجيرها في الوقت المراد.

بين الإمامة والتأميم

التدبر هو الطريق القويم لجعل القرآن الكريم في مكان "الإمام"، الذي يقود المسلمين فينقادون له، وإن عدم التدبر هو"تأميم" لهداية القرآن!

صفاء التدبر

المؤمن الواعي لقرآنه، ﻻ يمكن أن تختلط عليه "اﻷشباه"، وﻻ تضحك على ذقنه "اﻷشباح"!

النخلة القرآنية

القرآن الكريم هو النخلة الإلهية الباسقة والمثقلة بتمور الحياة الحلوة لهذا الإنسان، ولكن الثمار ﻻ تتساقط بدون هز جذع اﻵيات، ألم يقل الله : ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾؟!

حجر الأساس

من يقرأ آيات القرآن الكريم ذات الصلة بمنهج التعامل مع القرآن نفسه؛ سيجد بوضوح أن حجر الأساس في هذا المنهج هو التدبر؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(ص:29).

آلة مزدوجة

التدبر آلة مزدوجة، إذ يمكنها أن تستجلب "نفحات" الله، وأن تستدبر "لفحات" الشيطان!

يحتاج فهم آيات القرآن إلى تطوير آليات التدبر.

أشوﺍق الحرية

لأن حرية الإنسان مرتبطة بالتوحيد، فإن فقدانه لحريته هو وقوع في شباك الشرك، وبالتالي فإن المستعبد يكون كمن ﴿خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾(الحج:31).

 من تعشعش عقدة النقص في لا وعيهم، قد "يَفْنون" في الآخر وهم يريدون "إفناءه"، وقد يُفنون ذواتهم وهم يعتقدون أنهم يَفنون فيها!

تطوير أي بلد من خلال التقليد، يعني تطويقه بأغلال التبعية وجرَّه إلى جُحر الضّبّ!

جرى الإسلاميون في الربيع العربي فوصلوا قبل الأوان، غير أنهم سيتعلمون كيف يجرون ليصلوا في الوقت المناسب!

الأمة الإسلامية اليوم تتهاوى بين "تهافت" الرعاة و"هتافات" الرعية!

الواعون يصنعون من "الأحبال الصوتية" المرتخية "أحبالاً سوطية" لشنق قيم الفساد والتخلف!

"تقصير الشعوب" الفاضح يصنع "قصور الحكام" الفارهة، وعلى قدر تضخم هذا التقصير تتضخم القصور، وكلما زاد قصور الشعوب "قبحًا" ازدادت قصور الحكام "جمالاً"!

عندما بخلت الأمة عن بذل جهودها لفهم آية "الكرسي" وإعطائها الإجلال المناسب، دفعت الثمن غاليًا بتضخّم "الكرسي" الذي يجلس عليه الزعماء.

ديمقراطية العرب: جريمة شنق الشعب بالأوتار الصوتية بعد أن حولوها إلى حبال، وتحويل المسيرة الرسمية من جريمة اغتيال للشعب إلى جريمة انتحار!

ينبغي في الانتخابات أن يمتلك المواطن الوعي الكامل، بحيث "تدور" على الفاسدين "الدوائر" الانتخابية!

إذا دخل الاستبداد من الباب، خرجت الحرية من النافذة!

في الحياة السياسية العربية تكثر "الجبهات" الحزبية وتقلّ "العقول"!

آفاق التقليد

لكي تحقق "المطلوب" ادخل من باب "المرغوب"، ولكي تدفع الناس نحو "الممكن" ابدأ مما هو "كائن"، وحاول أن تجمع بين الإقناع والإمتاع.

لن يصعد إلى "السماء" من لم يتعود السمو في "الأرض"، ولن يلبس "قلادة" التميز الحضاري من أعطى "مقاليد" ذاته لـ"التقاليد" البالية!

نبات جهنم هم كائنات بشرية، عطلت أسماعها وأبصارها، وعاشت بلا ألباب، جاعلة من عقولها أواني لملئها بمفردات التقليد للغير، فقد قال تعالى عن هؤلاء المعطلين لحواسهم وعقولهم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾(الأعراف:179)، فكأنهم النبات الذي يموت من عطش توقف عيون العقل والبصر والسمع عن التدفق، ثم يستحيل إلى حطب يحترق في جهنم!

يمتلك "مقاليد" أمره، من ابتعد عن "التقليد" لغيره.

بسبب تقليد العربي لـ"الراكد التأريخي"، و"الوافد التغريبي"، صار عقله أضيق من ثقب الإبرة!

لأن العقل العربي أضيق من "ثقب الإبرة"، فقد أدخل أمته "جُحْر الضَّبّ"!

يشتري الكبراء في بلداننا كثيرين من العامة، لأنهم يحملون نفسيات العبيد، ولو كانوا أحرارًا ما تجرأ أحد على محاولة شرائهم، ولذلك يتوجب على الأحرار إشاعة الحرية، وتحرير العبيد من سائر الأغلال وشتى صنوف العبودية.

عوامل "الاختلال" هي طرق سالكة، تجذب مركبات "الاحتلال"، سواء استهدف الغزاة التسلط على العقل أو السيطرة على الأرض.

في كثير من الأحيان تكون "العوائد" الاجتماعية "عوائق" أمام تحقيق التقدم الحضاري!

تصير "الغربة" المريرة ذات طعم "عذب"، عندما يكون المغترب متغربًا في ذات الوقت، وهذا هو الفناء في الغرب!

المؤمن ينحاز إلى "البراهين" رافضًا تقاليد "الرهبان"، التي تقوم على إغماض جفن العين وإطفاء جذوة العقل!

يستعذب عذاب التقليد، من فقد أزِمَّة نفسه، وخسر مقاليد ذاته ومجاديف إرادته.

الأفكار العجاف تأكلها البقرات السمان، وهي العقول التي سمنت من أعلاف "التقاليد الفاسدة" ومياه "التبعية الراكدة"!

 

ضفاف نسائية

التحديات تصنع الفرص، والحاجة أم الاختراع، ومن رحم المحن تولد المنح، حتى المرأة الشريرة يمكن أن تجعل زوجها بأذيتها فيلسوفًا، كما قال سقراط: "إذا أردت أن تصبح فيلسوفًا فتزوَّج امرأة شريرة"!

من يقرأ الصفات الواردة في سياق حديث القرآن عن الرجال، سيجد أن الرجولة ليست جنسًا بل صفات، وعليه فإن بعض النساء يمتلكن من صفات الرجولة ما لا يمتلكه آلاف الذكور!

تمتلئ الأدبيات الغربية بالنيل من المرأة وشيطنتها وتسفيهها، حيث تنسب إليها كل رذيل، وتلصق بها كل تهمة، وتنزع منها كل جميل، باستثناء جمال الشكل الذي هو سلاحها للإغواء!

وقد عرّف أحد فلاسفتهم المرأة بأنها: "حرب لا هدنة فيها"، وأنا أقول بأن ما يقولونه: عقوق بلا حدود، ولؤم بلا حساب!

أثبتت سيرة المرأة في الحياة أن الضعف قوة، وأثبتت سيرة الرجل أن القوة ضعف!

يقولون بأن المرأة أضعف من الرجل، ولكن: لماذا متوسط عمر المرأة أطول من الرجال في معظم بلدان العالم؟!

الصديق الصدوق هو الذي يقيل العثرة، ويغفر الزلة، ويستر العورة، ويقبل العذر، ويحسن الظن، لكنه أيضًا ينصح عند الزلل، ويعالج العلل، ويشير إلى أماكن الخلل.

لأن المرأة هي من تشكل عجينة الطفل وتتحكم بفطرته، فإن اليهودي في القانون "الإسرائيلي" هو من ينحدر من رحم يهودية لا من صلب يهودي!

تبكي المرأة إذا قذفت بـ"كلمة"، لكنها تطير فرحًا إذا رجمت بـ"حَجَر"، ولكن ليس أي حجر، بل ﻻبد أن يكون من "الأحجار الكريمة"!!

المرأة غزال والرجل أسد، وكثيرًا ما يكون قرنا الغزال أقوى من أنياب الأسد!

المرأة "مرآة" لأي مجتمع، فهي مصنع الفاعلية أو الغثائية!

المرأة لذة الحياة، ولكن إذا ازدادت "حلاوتها" فإنها تصيب الرجل بـ"السُّكَّر"، وهي ملح العيش، ولكن إذا زادت ملاحتها وملحها رفع الضغط للرجل!!

أهم أسرار "قوة" المرأة أنها "ضعيفة"!

 

 

 

إقرأ المزيد

  الاستقامة في العمل والدعوة عنوان لكتاب جديد من سلسلة أسئلة العصر المحيرة للأستاذ فتح الله كولن، ترجمة كل من؛ الأستاذ أورخان محمد علي رحمه الله، والدكتور عبد الله محمد عنتر، وقد صدر هذا الكتاب عن منشورات دار النيل للطباعة والنشر في القاهرة. والكتاب عبارة عن مجموعة من الأسئلة -خاصة في العمل الدعوي- وجهت إلى الأستاذ فتح الله كولن في مختلف دروسه ومحاضراته وأجاب عنها. يضم الكتاب بين دفتيه 278 صفحة مقسمة إلى مجموعة من العناوين، وكل عنوان يضم سؤالاً، ومن أبرز القضايا التي تناولها الكتاب: الدعوة بين الأجر والأجرة، فاتر الهمة وتارك الخدمة، داء الإلحاد ودواؤه، ثقافة القراءة، الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر، الهجرة في سبيل الله.

من أجواء الكتاب

  •   إننا نحن المؤمنين أمام واجب مقدس وهو أن نكون وسيلة لحب الله وتحبيبه للآخرين، وتنوير القلوب بنور الله.
  •   الدعوة إلى الله سباق في عمل الخير، فمن استطاع أن يكمل السباق في هذه الحلبة فهو من أعظم الناس فضلاً وخيرًا.
  •   إننا نعيش في هذه الدنيا حياة مجيؤنا إليها ليس بإرادتنا، وخروجنا منها وفراقنا لها ليس بإرادتنا أيضًا، إلا أننا يمكننا أن نحول هذه الحياة إلى حياة يرضى بها الله عنا.
  •   رضى الله لا يحصل إلا باستيعاب أركان الإيمان ومزجها بأرواحنا، وتحويل أفئدتنا بالمعرفة الإلهية إلى أقراص من عسل.
  •   علينا أن نرتقي بإيماننا عن طريق العبادة إلى درجة عين اليقين، وبلوغ مقام الإحسان، وتحويل أسس الأخلاق الحسنة إلى ملكات تندرج في ماهيتنا، وفي النهاية نقل هذه المزايا التي حصلناها إلى الآخرين، وتنوير كل مكان وزمان وإنسان وكل مجلات الحياة بأنوار الإيمان.

 

 

 

إقرأ المزيد

عندما يستطيع الإنسان أن يستوعب الرؤية الكونية التي أراد الله سبحانه أن تكون طريقًا للوصول إليه عز وجل، تراه يُحول أفكاره إلى مؤسسات ومراكز بحث من أجل أن يصل إلى الحقيقة السرمدية. فأول ما نزل من كلام الله قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾(العلق:1)، فهو سبحانه أمر بالقراءة والتعلم بشكل مطلق، فلم يحدد لنا ميدانًا أو مجالاً مخصصًا، لكنه تركه واسعًا فضفاضًا، شريطة أن يكون باسم الله، فيصبح هذا العلم يقود الإنسان إلى الله جل جلاله، فيتحقق معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(فاطر:28)، وطبعًا هذا لا يتأتى إلا إذا استطاع الإنسان أن يمزج القراءة بين كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، مزجًا دقيقًا يستطيع من خلاله استخراج أسرار الله في الكون.

جامعة جانيك بَشَري والتي أنشئت بتشجيع من الأستاذ فتح الله كولن، واحدة من الجامعات التي آمنت بهذه الرؤية، فاستوعبت قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(النحل:68)، فأدركت أن منبع الشفاء في قول الحق جل وعلا، فأسست مركزًا للأبحاث والتطوير باسم "مركز العسل". هذا المركز أسس سنة 2013، تحت رعاية جامعة جانيك بَشَري التي تقع بمدينة سامسون التركية، حيث يعتبر هذا المركز أول مركز بحثي للعسل بتركيا، كما يهدف هذا الأخير إلى تحليل عينات العسل من مختلف مناطق تركيا بأحدث التقنيات، وإلى قياس القيمة الحقيقية لكل نوع من أنواع العسل. وبهذا يحدد السعر الحقيقي لكل نوع، وتهدف كذلك القيام بأبحاث تواكب التطور العالمي في هذا الميدان، بالإضافة إلى هدف مركزي وهو معرفة الفوائد الصحية للعسل من خلال القيام بمجموعة من التجارب الميدانية.

وقد اعتبر الأستاذ الدكتور قمر الدين موحد يوسف، أحد مؤسسي المركز "أن العسل يعتبر هدية من الله للإنسان"، واعتبر أن العسل منبع للشفاء وخاصة بالنسبة للجروح التي يصعب برؤها، فهو يعالجها وفي زمن قصير، وبفضل المواد التي يحتوي عليها العسل مثل الفيتامينات والمعادن والأحماض،  فهو يساعد على تكاثر الخلايا وضخ دماء جديدة مما يؤدي إلى شفاء كامل. ويعتبر العسل كذلك من أهم المواد المضادة للبكتريا، حيث يحتوي على مواد مضادة للأكسدة، وهذا يساعد على الحماية ومعالجة الأمراض مثل؛ السرطان والقلب والأوعية وخاصة عند الكبار، لأن الإنسان عندما يكبر، يصبح جسمه ضعيف الإنتاج للمواد الطبيعية المضادة للأكسدة. لهذا ينصح الكبار بتناول العسل، لأنه من أهم المواد التي  تحتوي على مواد طبيعية مضادة للأكسدة بنسب عالية.

كما ينصح الدكتور فرحات أوز ترك أحد الباحثين في المركز بتناول العسل في فترات البرد من أجل الحماية من نزلات البرد. كما ذكر أن كتاب القوانين الطبية لابن سينا والذي دُرس في أوربا ما يقرب من 500 سنة يحتوي على 35 وصفة تحتوي على العسل.

وبعد هذه الجولة السريعة في عالم العسل نُتم الحديث من ما بدأناه لنقول؛ إن الخيار الإستراتجي لخروج الأمة من أزمتها المركبة، هو الخيار العلمي الذي نبهنا الله إليه في بداية الوحي وكأنه كان في ظهر الغيب أن الأمة ستُأتى من هذا الثغر. فنزلت "إقرأ" في البداية لتنبه إلى بداية الطريق وأهميته. فالقراءة التي تجعل من القرآن (المنظور والمسطور)، إلهامًا لها تجعل القلب والروح والقلب يتحركون في تناغم واحد، فلا تحس أن هناك هوة بين كتاب الله المنظور وكتاب الله المسطور، وإنما هذا من ذاك، فيضخ قلب الإنسان شرارة فكرية، تتَفتق مؤسسات ومراكز، تضع نظارة القرآن المسطور على آيات القرآن المنظور، فيفتح الله عليها من أسراره ما يجعل روحها تعلو فتسمو، فالمجهر في هذه المراكز يوضع على آيات القرآن قبل أن توضع على المواد والعينات. والجامعات التي تفكر بهذه الطريقة فعلاً تقود الأمة نحو توبة حضارية، تَنفض عنها غبار التاريخ وتشعل بصيص أمل يقودنا نحو الأمة الشاهدة.

إقرأ المزيد

 سؤال: أيام العيد أيام فرحٍ وسرور، فماذا علينا أن نفعل حتى نتذوّقها بحقٍّ، وكيف يمكن استغلالها في ضوء المُحْكَمات الشرعية؟

الجواب: أيُّ عبادةٍ أو تشريع إسلامي له مغزى خاصّ، لا يُدرَك إلا بالإيمان أولًا، ثم بمبدأ التجدّد، وطريقُهُ شحذ الإرادة ضدّ الإلف والركود؛ لأنه لا يشعر بنضارة الشيء وغضارته إلا من يقدر على تجديد نفسه باستمرار، وبتعبير آخر: تجدُّدُ المنظور رهنٌ بتجدد الناظر. يقول سبحانه وتعالى: (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ)(إِبْرَاهِيم:19).

كأنّ هذه الآية تحذِّر الناس من الركود والبِلَى والرزوح تحت نِير الإلف والأنس، وتهيب بهم أن تكون أرواحهم غضة طرية تشعر بهذا الدين على الدوام؛ ومن هنا نعلم أنّ إدراك قدر شهر رمضان وأيام العيد وحُسنَ استغلالهما مشروطٌ بالإيمان القوي أولًا، ثم بتجديد الإنسان إيمانه على الدوام؛ فيتعذر أن يشعر بغضارة الأعياد ونضارتها مَن غدوا أُسارى الإلف والألفة أو مسلمين بالْهُويّةِ للدينِ في حياتِهم نمطٌ وجدوا عليه آباءهم.

رمضان والعيد

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ»، قيل: يا رسول الله، وكيف نجدد إيماننا؟ قال: "أَكْثِرُوا مِنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا الله"(1)

والمعنى: جددوا شأنَكم وصلتَكم بربكم ونظرتَكم إلى الأوامر التشريعية والتكوينية على الدوام، وحاسبوا أنفسكم باستمرار، وابدؤوا كل يوم بإيمان جديد، وامضوا في حياتكم على هذه الشاكلة.

ولهذا الخبر صلة بالأثر: "مَنِ اسْتَوَى يَوْمَاهُ فَهُوَ مَغْبُونٌ"(2)؛ فمن الأهمية بمكان أن يزيد المرء مستواه المعنويَّ في يومه عن أمسه، وأن يتذوق محاسن هذا الدين كل يوم أكثر؛ ولا يشعر بمعنى رمضان والعيد إلا من يسعى سعيًا حثيثًا وراء هذه الغاية وذلك الهدف.

ولما اشتمل العيد على زبدةٍ وخلاصةٍ خالصة من رمضان صار تذوق محاسن العيد مشروطًا بالقيام برمضان حقَّ القيام؛ فمن يقومون برمضان بمعناه حقًّا هم وحدهم من يتنسمون نسائم العيد بمعناه حقًّا؛ أجل، إذا نجحت القلوب المؤمنة في التفاعل الفاعل مع رمضان، تمكنت لا محالة من صيامه وقيامه إيمانًا واحتسابًا لإيمانها الكامل بالله تعالى، فأدَّت الصيام والقيام وسائر العبادات في مناخ تعبّدي، وهي على وعي بالوظيفة الملقاة على عاتقها، ثم لا تلبث أن تشعر بضيق واكتئاب خشية أن يكون رمضان قد انقضى ولم تُوَفِّه حقَّه قائلة في نفسها: "اللهم إني لا أعلم، أوَفّيتُ شهر رمضان حقَّه أم لا، أحفظته أم ضيعته، أتحصنتُ بجُنَّة الصوم من الشرور والآثام كما نعت الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم، وقضيت الشهر متحصنًا بهذه الجُنّة أم لا؟"، ثم تفيض مشاعرها بالرجاء، لأن العيد يوم الجائزة والمغفرة الإلهية.

العيد ساحة ذكر وشكر

الأعياد حقبة زمنيّة ساحرة تنهمر فيها الفيوضات والألطاف الإلهية على العباد، وهذا يقتضي مزيدًا من الحمد والثناء والشوق والشكر؛ فمن الخطأ إذًا أن نعدّ أيام العيد أيام لهو ولعب ومرح ليس إلا؛ إنّ أيام العيد من أبواب المغفرة التي يتفضل الله بها على عباده للعفو عنهم وغفران ذنوبهم؛ فعلى الإنسان أن يجتهد في قضاء هذه الأيام المباركة بإحساسٍ وقلبٍ يقِظ، وأن يعيشها بعمقها الأخروي وسَعتها الميتافيزيقية؛ وأشار الأستاذ بديع الزمان إلى هذا في كتابه اللمعات، فقال: "ولئلّا تقوى الغفلة في النفوس في الأعياد، وتدفع الإنسانَ إلى الـخروج عن دائرة الشرع، وَرَدَ في الأحاديث الشريفة ترغيب عظيم في الشكر والذكر في تلك الأيام؛ وذلك لتنقلب نِعَم الفرح والسرور إلى شكر يديـم تلك النعم ويَزيدها، إذ الشكر يزيد النعمة ويزيل الغفلة"(3).

عادات عيدية لا يحظرها الإسلام

لم نقف في عصر السعادة والعصور النيّرة التالية على مثل هذه الفعاليات والمهرجانات التي تُقام في أعيادنا الآن اللهم إلا مسائل تتصل بهذه الأيام المباركة تناولَتْها كتب الفقه؛ فلم نشهد في صدر الإسلام أمورًا مثل تنظيم الرِّحلات، وإقامة المهرجانات، وسَمَر ليلة تحت ضوء القمر، وتَطواف الأطفال على البيوت في وَقفة العيد يقبّلون أيدي الكبار ويجمعون المكسَّرات؛ لكن لمّا دخل أجدادنا في دين الإسلام عرضوا عاداتهم على مُحكمات الشرع، فأبقوا على ما قوّمته ونقحته الشريعة؛ ولم يجدوا حرجًا شرعيًّا في الحفاظ على بعض عادات الأعياد مثل تقبيل الأيادي، وزيارة الأقارب، والبشاشة في وجه الآخرين؛ وما زالت تلك العادات قائمة حتى الآن.

دفء المسامحة يحتضن الجميع

ينبغي أن تكون لحظات هذه الأيام المباركة جيَّاشة بالحبّ والصداقة والأخوّة والخير والإحسان؛ ليُنتفع ببركاتها الفيّاضة وثواب أعمالها المضاعف؛ فمثلًا جو التسامح اللطيف الذي يحتضن الجميع ويخيم على هذه الأيام فرصةٌ لترك الهجر، وللإقدام على ما من شأنه تحقيق الأخوة والمودّة بين الناس، ولتأليف قلوب الكبار بالزيارات، وغمرِ قلوب الصغار فرحًا وسرورًا بالهدايا والحفاوة والإكرام، ولتهيئة مناخ لطيف حتى مع غير المسلمين ببناء جسور للحوار بيننا وبينهم، الأمر الذي يُبرز أننا منصفون، ليس لنا موقف مسبق ضدهم؛ نعم، إنَّ لتوقير الدين والإيمان والذات المحمدية صلى الله عليه وسلم أهمية ومكانة خاصة؛ إلا أن الله تعالى خلق الإنسان في أحسن تقويم، فهو -من حيث إنه إنسان- مخلوقٌ كريم لا بد من تقديره وتوقيره، وقد بات العالم كله اليوم بحاجة ماسّة إلى سلام عامّ، لا سيما هذا العصر الذي زادت فيه الوحشيّة وتضاعفت، وفتكت فيه القنابل بكل أنواعها بالإنسانية، ونُشرت بين الناس عمدًا الفيروساتُ الصناعية استُخدمت أسلحةً بيولوجية؛ أجل، ينبغي صدّ هذه الأمواج الهادرة بسدود تحول دون هلاك الإنسانية في خضم تلك المعركة الفتّاكة.

إنّ هذه الأيام المباركة فرصة عظيمة تلين فيها القلوب، فلا حرج في استغلالها للقيام بأنشطة خيّرة وإن لم نقف لها على مثل في عصر السعادة والعصور التالية وفي كتب الفقه؛ ولا يخفى ما في الليالي المباركة من بركات؛ نعم، لم يرِد عن السلف شيء نحيي به هذه الليالي ولم تأت المصادر الرئيسة على ذِكْر عبادات خاصة بهذه الليالي، لكن لا حرج ألبتة في الحث على إحيائها بالعبادة والطاعة كالإكثار من الصلاة وتلاوة القرآن والذِّكر والدعاء؛ فهذه أيام عظيمة، فللعمل فيها قيمة أعلى إذ إنها من خواصّ الأزمنة، وقُلْ مثل هذا في خواصّ الأمكنة، فنحن مثلًا نلجأ إلى الله بالدعاء في كلّ مكان، لكن الدعاء في عرفات أرجى للقبول؛ إذ إن الوقوف بها يطهِّر الإنسان حتى يخرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فإن بقي من دَرَنِه شيء غسلته المزدلفة وأتت عليه؛ ثم إنّ لنا في الطواف حول الكعبة طهرًا خاصًّا كذلك؛ وإنما تحقق هذا بعدما أضفى ظرفُ المكان قيمةً أعلى على ما وقع فيه من أعمال.

وبناء على ما سبق فمن الأهمية بمكان أن نتوجه إلى الله تعالى بالدعاء والاستغفار في الأمكنة المباركة والأزمنة المباركة مثل يوم المولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وشهر رمضان، وأيام العيد، وأن نكدّ ونسعى في سبيل الحب والأخوة والإنسانية كي ننال رضوان ربنا تبارك وتعالى.

(1) مسند أحمد بن حنبل، 14/328.

(2) الديلمي: مسند الفردوس، 3/611.

 

 

 

إقرأ المزيد

 نظمت مجلة "حراء" مائدة فكرية في الجزائر العاصمة، حضرها مفكرون وعلماء من الجزائر والمغرب وتركيا، وذلك بتاريخ 20 يونيو 2015. حيث طُرحت في المائدة أفكارًا عن نموذج الخدمة، الذي بات نموذجًا حضاريًا لم يقتصر في مجال التعليم والإعلام فحسب، وإنما شمل ليصل مجالات الحياة كلها. هذا وقد حضر اللقاء كل من الأستاذ الدكتور عمار مساعدي عميد كلية العلوم الإسلامية بجامعة الجزائر بـ"الجزائر"، والأستاذ الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس جمعية العلماء المسلمين بالجزائر، والأستاذ الدكتور سمير بودينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بالمغرب، والأستاذ نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء من تركيا، وعلماء آخرون، وهذا أعطى للمائدة أهميتها وقيمتها.

هذا وقد لفت اننتباه الحضور الأستاذ الدكتور فارس مسدور أستاذ الاقتصاد بجامعة سعد دحلب البليدة بالجزائر في كلمته حيث قال: إن العمل الخيري في الجزائر لم يصل إلى 1% من ما وصل إليه الإخوة في مشروع الخدمة من إنجاز. وأن نموذج الخدمة ركّز على بناء الإنسان، مما جعل النموذج يتقدم ويتحضر وفق قواعد الحضارة الإسلامية. كما ركز في حديثه قائلاً: إن تربية الرجال قد يحتاج إليها المربي ولو بعد 50 عامًا. كما ركز قائلاً: إن الذي يُربى اليوم قد ينتفع بالمربي، ولكن بعد فترات طويلة قد تنتفع الأمة به، وهذا هو الذي قام به الأستاذ "فتح الله كولن" والذي يعبر عن تلك الروح الإسلامية الربانية المتصوفة الزاهدة التي تدخل إلى أعماق الإنسان. وفيما يلي أهم ما جاء في المائدة من أفكار:

نوزاد صواش من تركيا

  • مبادرة كلية العلوم الإسلامية بربط دول المغرب العربي وتركيا من خلال رمزين ونجمين في الفكر الحضاري الإسلامي مالك بن نبي والأستاذ فتح الله كولن، مبادرة تستحق التقدير.
  • أبناء الخدمة أحيوا مفهوم الهجرة من جديد، وذلك تأسيًا بالصحب الكرام رضوان الله عليهم.
  • نحن نرى بلاد الهجرة هي أوطاننا، وبالتالي لا نشعر بالغربة، ولكننا نشعر بالغربة عند العودة إلى تركيا.
  • أبناء الخدمة هاجروا إلى هذه الديار لا لكي يعودوا منها، وإنما لكي يموتوا فيها.
  • إيمان أبناء الخدمة بمشروعهم، وتوكلهم على الله عز وجل، وتزودهم بالفكر الوسطي والاعتدالي، يجعلهم يصنعون بطولات غير عادية.
  • مدارس الخدمة تقدم لتلاميذها العلم المفعم بالإيمان، والسلوك الغني بالأخلاق.

 د. سمير بودينار من المغرب

  • النشاطات المختلفة والفعاليات الكبرى التي تقيمها الخدمة في أماكن مختلفة من العالم تمثل عنوانًا -في تقديري الخاص- ومرحلة جديدة بالنسبة للمسلمين في العالم.
  • الكل يتحدث عن التعايش والتعدد والعيش المشترك، لكن شباب مدارس الخدمة يظهرون للعالم التعايش بشكل واقعي.
  • الاختلاف الواضح بين شباب مدراس الخدمة في المهرجانات المختلفة، يظهر ألوانًا من السعادة والاندماج بين هؤلاء الشباب، الذين تجمعوا من بلدان مختلفة تحت سقف المحبة والسلام.
  • الخطاب الجديد؛ هو خطاب الأستاذ "فتح الله كولن" والذي لا يتجلى بشكل نظري في مثل هذه الفعاليات، وإنما يُرى حيًّا متحركًا في واقعه.
  • الأجيال المختلفة من هؤلاء الشباب اليافعين يمثلون عنوانًا واضحًا للبذل والعطاء والمحبة بلا حدود.

د. عبد الرزاق قسوم من الجزائر

  • الخدمة هي حسن المعاملة، أن تكون في خدمة أخيك وصديقك أي خدمة الإنسان بصفة عامة وهذا ما نحتاج إليه اليوم.
  • أن يكون الإنسان واعيًا بإنسانيته؛ عندئذ تصبح الخدمة بالمفهوم الذي قدمه لنا المفكر الإسلامي "فتح الله كولن" هي اللغة العالمية الإنسانية التي ينشدها الجميع.
  • من خلال احتكاكي بمثقفي الخدمة؛ وجدت أن الخدمة نجحت في أن تتجاوز كل أنواع الأزمات والصعوبات التي تعترض طريقها، وحتى في الظروف الطبيعية القاسية أيضًا.
  • أصبحت لغة الخدمة هي لغة الإنسان والسلام والأمن والأمان.
  • تغلبت الخدمة على لغة الألوان، لا يوجد في الخدمة من لونه كذا أو كذا، ولكن يوجد في الخدمة الذين ذابوا في بوتقة السلام الذي هو العنوان الحقيقي لمعنى الخدمة.
  • نحس حقيقة بسعادة خاصة عندما نستحم بحمام الخدمة، لنجدد الطاقات والهياكل والأسلوب والمنهج من أجل أن نندمج في أسلوب ولغة ومعنى الخدمة.
  • ما أحوجنا إلى لون من ألوان الثقافة؛ وهو ثقافة السلام، والمحبة، والإيمان، ثقافة القيم التي يجب أن تسود على لغة القتل، والاختطاف، والاغتصاب، والتعذيب، والاستبداد، وهي لغات كلها مآلها إلى الفشل.
  • الذي ينشد البقاء والسلام والحب والأخوة والتثقيف التوعوي لعقل الإنسان، عليه أن يساهم في بناء الإنسان بعقل ثقافي تثقيفي صحيح، وهذا هو منهج الخدمة.  

 

 

 

إقرأ المزيد

 إن لصوم رمضان حِكَمًا كثيرة من حيث توجهه إلى تهذيب النفس الأمارة بالسوء، وتقويم أخلاقها وجعلها تتخلى عن تصرفاتها العشوائية. نذكر منها حكمة واحدة:

إن النفس الإنسانية تنسى ذاتَها بالغفلة، ولا ترى ما في ماهيتها من عجز غير محدود، ومن فقر لا يتناهى، ومن تقصيرات بالغة، بل لا تريد أن ترى هذه الأمور الكامنة في ماهيتها، فلا تفكّر في غاية ضعفها ومدى تعرّضها للزوال ومدى استهداف المصائب لها، كما تنسى كونَها من لحم وعظم يتحللان ويفسدان بسرعة، فتتصرف واهمة كأن وجودَها من فولاذ وأنها منـزّهة عن الموت والزوال، وأنها خالدة أبدية، فتراها تنقضّ على الدنيا وترمي نفسها في أحضانها حاملة حرصًا شديدًا وطمعًا هائلاً وترتبط بعلاقة حميمة ومحبة عارمة معها، وتشد قبضتها على كل ما هو لذيذ ومفيد، ومن ثم تنسى خالقَها الذي يربيّها بكمال الشفقة والرأفة فتهوي في هاوية الأخلاق الرديئة ناسية عاقبة أمرها وعقبى حياتها وحياة أُخراها.

ولكن صوم رمضان يُشعر أشدَّ الناس غفلة وأعتاهم تمردًا بضعفهم وعجزهم وفقرهم، فبوساطة الجوع يفكر كلٌّ منهم في نفسه وفي معدته الخاوية ويدرك الحاجة التي في معدته فيتذكر مدى ضعفه، ومدى حاجته إلى الرحمة الإلهية ورأفتها، فيشعر في أعماقه توقًا إلى طرق باب المغفرة الربانية بعجز كامل وفقر ظاهر متخليًا عن فرعنة النفس متهيئًا بذلك لطرق باب الرحمة الإلهية بيد الشكر المعنوي -إن لم تُفسد الغفلةُ بصيرتَه-.

إن في الصوم نوعًا من أنواع العلاج الناجع للإنسان وهو "الحِمية" سواء المادية منها أو المعنوية، فالحِمية ثابتة طبًا. إذ إن الإنسان كلّما سلكت نفسُه سلوكًا طليقًا في الأكل والشرب سبّب له أضرارًا مادية في حياته الشخصية

إن من الحكم الوفيرة في صيام رمضان المبارك من حيث توجهه إلى نـزول القرآن الكريم ومن حيث إن شهر رمضان هو أهمُّ زمان لنـزوله، نورد حكمة واحدة فقط هي:

لما كان القرآن الكريم قد نـزل في شهر رمضان المبارك فلا بد من التجرد عن الحاجيات الدنيئة للنفس، ونبذِ سَفْسَاف الأمور وتُرهاتها استعدادًا للقيام باستقبال ذلك الخطاب السماوي استقبالاً طيبًا يليق به، وذلك باستحضار وقت نـزوله في هذا الشهر والتشبه بحالات روحانية ملائكية؛ بترك الأكل والشرب، والقيام بتلاوة ذلك القرآن الكريم تلاوة كأن الآيات تتنـزل مجددًا ، والإصغاء إليه بهذا الشعور بخشوع كامل، والاستماع إلى ما فيه من الخطاب الإلهي للسمو إلى نيل مقام رفيع وحالة روحية سامية، كأن القارئ يسمعه من الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم بل يشدّ السمع إليه كأنه يسمعه من جبريل عليه السلام، بل من المتكلم الأزلي سبحانه وتعالى، ثم القيام بتبليغ القرآن الكريم وتلاوته للآخرين تبيانًا لحكمة من حكم نـزوله.

إن العالم الإسلامي في رمضان المبارك يتحول إلى ما يشبه المسجد، ويا له من مسجد عظيم تعجُّ كلُّ زاوية من زواياه، بل كل ركن من أركانه، بملايين الحفَّاظ للقرآن الكريم. يرتلون ذلك الخطاب السماوي على مسامع الأرضيين، ويظهرون بصورة رائعة براقة مصداق الآية الكريمة: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ...﴾(البقرة:185) مثبتين بذلك أن شهر رمضان هو حقًا شهرُ القرآن. أما الأفراد الآخرون من تلك الجماعة العظمى فمنهم من يلقي السمع إليهم بكل خشوع وهيبة، ومنهم من يرتل تلك الآيات الكريمة لنفسه.

ألا ما أقبح وما أزرى الانسلاخ من هذا المسجد المقدس الذي له هذا الوضع المهيب، لهاثًا وراء الأكل والشرب تبعًا لهوى النفس الأمارة بالسوء! وكم يكون ذلك الشخص هدفًا لاشمئزاز معنوي من قبل جماعة المسجد؟. وهكذا الأمر في الذين يخالفون الصائمين في رمضان المبارك فيُصبحون هدفًا لازدراء وإهانة معنويين -بتلك الدرجة- من قِبَل العالم الإسلامي كله.

إن صيام رمضان من حيث تطلّعه لكسب الإنسان -الذي جاء إلى الدنيا لأجل مزاولة الزراعة الأخروية وتجارتها- له حكمٌ شتى. إلا أننا نذكر واحدة منها هي أن ثواب الأعمال في رمضان المبارك يُضاعَف الواحد إلى الألف. ومن المعلوم أن كل حرف من القرآن الحكيم له عشرُ أثوبة، ويعدُّ عشر حسنات، ويجلب عشر ثمار من ثمرات الجنة -كما جاء في الحديث الشريف- ففي رمضان يولّد كلُّ حرف ألفًا من تلك الثمرات الأخروية بدلاً من عشر منها، وكلُّ حرف من حروف آيات -كآية الكرسي- يفتح الباب أمام الألوف من تلك الحسنات لتتدلى في الآخرة ثمارًا حقيقية. وتزداد تلك الحسنات باطراد أيام الجُمَع في رمضان، وتبلغ الثلاثين ألفًا من الحسنات ليلةَ القدر.

نعم، إن القرآن الكريم الذي يهب كلُّ حرف منه ثلاثين ألفًا من الثمرات الباقية يكون بمثابة شجرة نورانية -كشجرة طوبى الجنة- بحيث يُغنِم المؤمنين في رمضان المبارك تلك الثمرات الدائمة الباقية التي تعدّ بالملايين.. تأمل هذه التجارة المقدسة الخالدة المُربِحة وأجِل النظرَ فيها، ثم تدبّر في أمر الذين لا يقدّرون قيمة هذه الحروف المقدسة حقَّ قدرها، ما أعظم خسارتهم وما أفدحَها؟

وهكذا، فإن شهر رمضان المبارك أشبه ما يكون بمعرض رائع للتجارة الأخروية أو هو سوق في غاية الحركة و الربح لتلك التجارة وهو كالأرض المُنبتة في غاية الخصوبة والغَناء لإنتاج المحاصيل الأخروية.. وهو كالغيث النازل في نيسان لإنماء الأعمال وبركاتها.. وهو بمثابة مهرجان عظيم وعيد بهيج مقدّس لعرض مراسيم العبودية البشرية تجاه عظمة الربوبية وعزة الألوهية.

لأجل كل ذلك فقد أصبح الإنسان مكلَّفًا بالصوم، لئلا يلج في الحاجات الحيوانية، كالأكل والشرب من حاجات النفس بالغفلة، ولكي يتجنب الانغماس في شهوات الهوى وما لا يعنيه من الأمور.. وكأنه أصبح بصومه مرآة تعكس "الصمدانية" حيث قد خرج مؤقتًا من الحيوانية ودخل إلى وضع مشابه للملائكية، أو أصبح شخصًا أُخرويًا وروحًا ظاهرة بالجسد، بدخوله في تجارة أُخروية وتخلّيه عن الحاجات الدنيوية المؤقتة.

نعم، إن رمضان المبارك يُكسِب الصائم في هذه الدنيا الفانية وفي هذا العمر الزائل وفي هذه الحياة القصيرة عمرًا باقيًا وحياة سرمدية مديدة، ويتضمن كلها. فيمكن لشهر رمضان واحد فقط أن يمنحَ الصائم ثمرات عمر يناهز الثمانين سنة. وكون ليلة القدر خيرًا من ألف شهر -بنص القرآن الكريم- حجة قاطعة لهذا السر.

فكما يحدد سلطان أيامًا معينة في فترة حُكمه، أو في كل سنة، سواء باسم تسنّمه عرش الحُكم أو أي يوم آخر من الأيام الزاهرة لدولته، جاعلاً من تلك الأيام مناسبات وأعيادًا لرعيته، فتراه لا يعامل رعيتَه الصادقين المستحقين في تلك الأيام بالقوانين المعتادة، بل يجعلهم مُظهرًا لإحسانه وإنعامه وأفضاله الخاصة. فيدعوهم إلى ديوانه مباشرة دون حجب، ويخصّهم برعايته الخاصة ويحيطهم بكرمه وبإجراءاته الاستثنائية، ويجود عليهم بتوجهاته الكريمة.. كذلك القادر الأزلي ذو الجلال والإكرام وهو سلطان الأزل والأبد وهو السلطان الجليل لثمانية عشر ألف عالَم من العوالم، قد أنـزل سبحانه في شهر رمضان أوامره الحكيمة السامية وقرآنَه الحكيم المتوجه إلى تلك الألوف من العوالم، لذا فإن دخول ذلك الشهر المبارك في حكم عيد ومناسبة إلهية خاصة بهيجة، وفي حكم معرض بديع رباني، ومجلس مهيب روحاني، هو من مقتضى الحكمة. فما دام شهر رمضان قد تمثل بتلك المناسبة البهيجة وذلك العيد المفرح فلابد أن يؤمَر فيه بالصوم، ليسموَ الناسُ -إلى حد ما- على المشاغل الحيوانية السافلة. فالكمال في ذلك الصوم هو جعل جميع حواس الإنسان كالعين والأذن والقلب والخيال والفكر على نوع من الصوم، كما تقوم به المعدة. أي تجنيب الحواس تلك من المحرمات والسفاهات وما لا يعنيها من أمور، وسوقها إلى عبودية خاصة لكل منها.

فمثلاً: يروّض الإنسان لسانَه على الصوم من الكذب والغيبة والعبارات النابية ويمنعه عنها، ويرطّب ذلك اللسان بتلاوة القرآن الكريم وذكر اللّٰه سبحانه والتسبيح بحمده والصلوات والسلام على الرسول الكريمصلى الله عليه وسلم والاستغفار، وما شابهه من أنواع الأذكار.

ومثلاً: يغضّ بصرَه عن المحرَّمات، ويسد أذنَه عن الكلام البذيء، ويدفع عينَه إلى النظر بعبرة وأُذنَه إلى سماع الكلام الحق والقرآن الكريم. ويجعل سائر حواسه على نوع من الصيام.

ومن المعلوم أن المعدة التي هي مصنع كبير جدًا إن عطّلت أعمالَها بالصيام فإن تعطيل المعامل الصغيرة الأخرى يكون سهلاً ميسورًا.

إن حكمة من الحكم الكثيرة لصيام رمضان المبارك المتعلقة بالحياة الشخصية للإنسان تتلخص بما يأتي:

إن في الصوم نوعًا من أنواع العلاج الناجع للإنسان وهو "الحِمية" سواء المادية منها أو المعنوية، فالحِمية ثابتة طبًا. إذ إن الإنسان كلّما سلكت نفسُه سلوكًا طليقًا في الأكل والشرب سبّب له أضرارًا مادية في حياته الشخصية. وكذلك الحال في حياته المعنوية، إذ إنه كلما الْتَهم ما يصادفه دون النظر إلى ما يحل له ويُحرم عليه تسمّمت حياتُه المعنوية وفسدت، حتى يصل به الأمر أن تستعصيَ نفسُه على طاعة القلب والروح فلا تخضعَ لهما. فتأخذ زمامَها بيدها وهي طائشة حُرة طليقة، وتسوق الإنسان إلى شهواتها دون أن تكون تحت سيطرة الإنسان وتسخيره.

أما في رمضان المبارك فإن النفس تعتاد على نوع من الحِمية بوساطة الصوم وتسعى بجد في سبيل التزكية والترويض وتتعلم طاعة الأوامر، فلا تصاب بأمراض ناشئة من امتلاء المعدة المسكينة وإدخال الطعام على الطعام. وتكسب قابليةَ الإصغاء إلى الأوامر الواردة من العقل والشريعة. وتتحاشى الوقوع في الحرام بما أخذت من أمر التخلي عن الحلال. وتجدّ في عدم الإخلال بالحياة المعنوية وتكدير صفوها.

ثم إن الأكثرية المطلقة من البشرية يُبتَلون بالجوع في أغلب الأحيان. فهم بحاجة إلى ترويض، وذلك بالجوع الذي يعوّد الإنسان على الصبر والتحمل. وصيام رمضان هو ترويض وتعويد وصبر على الجوع يدوم خمسَ عشرة ساعة أو أربعًا وعشرين ساعة لمن فاته السحور. فالصوم إذن علاج ناجع لهَلع الإنسان وقلة صبره، اللذَين يضاعفان من مصيبة الإنسان وبلاياه.

والمعدة كذلك هي نفسُها بمثابة معمل لها عمال وخَدَمَة كثيرون، وهناك في الإنسان أجهزة ذات علاقات وارتباطات معها، فإن لم تعطِّل النفسُ مشاغلَها وقت النهار مؤقتًا لشهر معين ولم تدعها، فإنها تُنسي أولئك العمال والخَدَمَة عباداتهم الخاصة بهم، وتُلهيهم جميعًا بذاتها، وتجعلهم تحت سيطرتها وتحكّمها، فتشوش الأمر على تلك الأجهزة والحواس وتنغّص عليها بضجيج دواليب ذلك المصنع المعنوي وبدخانه الكثيف، فتصرف أنظارَ الجميع إليها وتُنسيهم وظائفَهم السامية مؤقتًا. ومن هنا كان كثير من الأولياء الصالحين يعكفون على ترويض أنفسهم على قليل من الأكل والشرب، ليرقوا في سلّم الكمال.

ولكن بحلول شهر رمضان يدرك أولئك العمال أنهم لم يُخلقوا لأجل ذلك المصنع وحده، بل تتلذذ أيضًا تلك الأجهزة والحواس بلذائذَ سامية وتتمتع تمتعًا ملائكيًا وروحانيًا في رمضان المبارك ويركزون أنظارهم إليها بدلاً من اللّهو الهابط لذلك المصنع. لذلك ترى المؤمنين في رمضان المبارك ينالون مختلف الأنوار والفيوضات والمسرات المعنوية -كلٌ حسب درجته ومنـزلته- فهناك ترقيات كثيرة وفيوضات جمة للقلب والروح والعقل والسر وأمثالِها من اللطائف الإنسانية في ذلك الشهر المبارك. وعلى الرغم من بكاء المعدة ونحيبها فإن تلك اللطائف يضحكن ببراءة ولُطف.

إن صوم رمضان من حيث كسرُهُ الربوبية الموهومة للنفس كسرًا مباشرًا ومن ثم تعريفها عبوديتَها وإظهار عجزها أمامها، فيه حِكم كثيرة، منها: أن النفس لا تريد أن تعرف ربَّها، بل تريد أن تدّعي الربوبية بفرعونية طاغية. فمهما عُذِّبَت وقُهرت فإن عِرق تلك الربوبية الموهومة يظل باقيًا فيها. فلا يتحطم ذلك العرقُ ولا يركع إلاّ أمام سلطان الجوع.

وهكذا، فصيام رمضان المبارك يُنـزل ضربة قاضية مباشرة على الناحية الفرعونية للنفس. فيكسر شوكتها مُظهرًا لها عَجزَها، وضعفها، وفقرها، ويعرّفها عبوديتَها. وقد جاء في إحدى روايات الحديث: أن اللّٰه سبحانه قال للنفس: "من أنا وما أنتِ؟" أجابت النفس: "أنا أنا، أنت أنت" فعذّبها الرب سبحانه وألقاها في جهنم، ثم سألها مرة أخرى فأجابت: "أنا أنا، أنت أنت" ومهما أذاقها من صنوف العذاب لم تردع عن أنانيتها.. ثم عذَّبها اللّٰه تعالى بالجوع، أي ترَكها جائعة، ثم سألها مرة أخرى: "من أنا وما أنتِ؟" فأجابت النفس: "أنتَ ربيِ الرحيم وأنا عبدُك العاجز".

المصدر: المكتوبات بديع الزمان النورسي. طباعة دار النيل 

 

 

 

 

إقرأ المزيد

 ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾

(البقرة:185).

إن صيام شهر رمضان يأتي بين أوائل الأركان الخمسة للإسلام، ويُعدّ من أعاظم الشعائر الإسلامية.

إن أكثر الحِكم المتمخضة عن صوم رمضان تتوجّه إلى إظهار ربوبية الحق تبارك وتعالى، كما تتوجّه إلى حياة الإنسان الاجتماعية وإلى حياته الشخصية، وتتوجه أيضًا إلى تربية النفس وتزكيتها، وإلى القيام بالشكر تجاه النِعَم الإلهية.

نذكر حكمة واحدة من بين الحِكم الكثيرة جدًا من حيث تجلي ربوبية الحق تبارك وتعالى من خلال الصوم وهي أن اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق وجهَ الأرض مائدة ممتدة عامرة بالنِعم التي لا يحصرها العد، وأعدّها إعدادًا بديعًا من حيث لا يحتسبه الإنسان. فهو سبحانه يبيّن بهذا الوضع، كمالَ ربوبيته ورحمانيتَه ورحيميته. بيد أن الإنسان لا يبصر تمامًا -تحت حجاب الغفلة وضمن ستائر الأسباب- الحقيقة الباهرةَ التي يفيدها ويعبّر عنها هذا الوضع، وقد ينساها.. أما في رمضان المبارك فالمؤمنون يصبحون فورًا في حكم جيش منظّم، يتقلدون جميعًا وشاح العبودية للّٰه، ويكونون في وضع متأهب قُبيل الإفطار لتلبية أمر القادر الأزلي: "تفضّلوا" إلى مائدة ضيافته الكريمة.. فيقابلون -بوضعهم هذا- تلك الرحمة الجليلة الكلّية بعبودية واسعة منظمة عظيمة.. تُرى هل يستحق أولئك الذين لم يشتركوا في مثل هذه العبودية السامية، وفي مثل هذه الكرامة الرفيعة أن يُطلق عليهم اسم الإنسان؟

إن هناك حِكَمًا عدة يتوجه بها صيام رمضان المبارك بالشكر على النعَم التي أسبغها الباري علينا، إحداها هي أن الأطعمة التي يأتي بها خادم من مطبخ سلطان لها ثمنُها -كما ذُكر في "الكلمة الأولى"- ويُعدّ من البلاهة توهّمُ الأطعمة النفيسة تافهة غير ذاتِ قيمة، وعدم معرفة مُنعِمها الحقيقي، في الوقت الذي يمنح الخادم هبات وعطايا لأجلها. وكذلك الأطعمة والنعم غير المعدودة التي بثّها اللّٰه سبحانه في وجه الأرض فإنه يطلب منّا حتمًا ثمنَها، ألا وهو القيام بالشكر له تجاه تلك النِعم. والأسباب الظاهرية التي تُحمل عليها تلك النعم وأصحابها الظاهرون هم بمثابة خَدَمة لها، فنحن ندفع للخدام ما يستحقونه من الثمن ونظل تحت فضلهم ومنّتهم بل نبدي لهم من التوقير والشكر أكثر مما يستحقونه والحال أن المنعم الحقيقي سبحانه يستحق -ببثّه تلك النِعَم- أن نقّدم له غاية الشكر والحمد، ومنتهى الامتنان والرضا، وهو الأهل لكل ذلك، بل أكثر. إذن فتقديم الشكر للّٰه سبحانه وإظهار الرضا إزاء تلك النعم إنما يكون بمعرفة صدور تلك النعم والآلاء منه مباشرة، وبتقدير قيمتها، وبشعور الحاجة إليها.

لذا فإن صيام رمضان المبارك لهو مفتاحُ شكر حقيقي خالص، وحمد عظيم عام للّٰه سبحانه. وذلك لأن أغلب الناس لا يدركون قيمة نِعَم كثيرة -غير مضطرين إليها في سائر الأوقات- لعدم تعرّضهم لقساوة الجوع الحقيقي وأوضاره. فلا يُدرِك –مثلاً- درجة النعمة الكامنة في كسرة خبز يابس أولئك المُتخمون بالشبع، وبخاصة إن كانوا أثرياء منعّمين، بينما يدركها المؤمن عند الإفطار أنها نعمة إلهية ثمينة، وتشهد على ذلك قوّتُه الذائقة. لذا ينال الصائمون في رمضان -ابتداء من السلطان وانتهاء بأفقر فقير- شكرًا معنويًا للّٰه تعالى منبعثًا من إدراكهم قيمة تلك النعم العظيمة. أما امتناع الإنسان عن تناول الأطعمة نهارًا فإنه يجعله يتوصل إلى أن يدرك بأنها نعمة حقًا، إذ يخاطب نفسه قائلاً: "إن هذه النِعم ليست مِلكًا لي، فأنا لست حرًا في تناولها، فهي إذن تعود إلى واحد آخر، وهي أصلاً من إنعامه وكَرَمه علينا، وأنا الآن في انتظار أمره".. وبهذا يكون قد أدَّى شكرًا معنويًا حيال تلك النعم. وبهذه الصورة يُصبح الصوم في حكم مفتاح للشكر من جهات شتى، ذلك الشكر الذي هو الوظيفة الحقيقية للإنسان.

إن حكمة واحدة للصوم من بين حِكَمه الغزيرة المتوجهة إلى الحياة الاجتماعية للإنسان هي أن الناس قد خُلقوا على صور متباينة من حيث المعيشة، وعليه يدعو اللّٰه سبحانه الأغنياء لمدّ يد المعاونة لإخوانهم الفقراء. ولا جرم أن الأغنياء لا يستطيعون أن يستشعروا شعورًا كاملاً حالات الفقر الباعثة على الرأفة، ولا يمكنهم أن يحسوا إحساسًا تامًا بجوعهم، إلا من خلال الجوع المتولد من الصوم.. فلولا الصوم لما تمكّن كثير من الأغنياء التابعين لأهوائهم من أن يدركوا مدى ألم الجوع والفقر ومدى حاجة الفقراء إلى الرأفة والرحمة. لذا تُصبح الشفقة على بني الجنس -المغروزة في كيان الإنسان- هي إحدى الأسس الباعثة على الشكر الحقيقي، حيث يمكن أن يجد كلُّ فرد أيًا كان مَنْ هو أفقرَ منه من جهة، فهو مكلّف بالإشفاق عليه.

فلو لم يكن هناك اضطرار لإذاقة النفس مرارة الجوع، لما قام أحدٌ أصلاً بإسداء الإحسان إلى الآخرين والذي يتطلبه التعاون المكلّف به برابطة الشفقة على بني الجنس، وحتى لو قام به لَمَا أتقنه على الوجه الأكمل، ذلك لأنه لا يشعر بتلك الحالة في نفسه شعورًا حقيقيًا.

إن صوم رمضان يحوي من جهة تربية النفس البشرية حِكمًا عدة، إحداها هي أن النفس بطبيعتها ترغب الانفلات من عقالها حرة طليقة، وتتلقى ذاتها هكذا. حتى إنها تطلب لنفسها ربوبية موهومة، وحركة طليقة كيفما تشاء، فهي لا تريد أن تفكر في كونها تنمو وتترعرع وتُربى بِنعم إلهية لا حد لها، وبخاصة إذا كانت صاحبة ثروة واقتدار في الدنيا، والغفلة تساندها وتعاونها. لذا تزدرد النعم الإلهية كالأنعام دون إذن ورخصة.

ولكن تبدأ نفس كل شخص بالتفطن في ذاتها في رمضان المبارك، ابتداء من أغنى غني إلى أفقر فقير، فتدرك بأنها ليست مالكة، بل هي مملوكة، وليست حرة طليقة، بل هي عبدة مأمورة، فلا تستطيع أن تمدّ يدَها إلى أدنى عمل من غير أمر، بل حتى لا تستطيع أن تمدها إلى ماء.. وبهذا ينكسر غرورُ ربوبيتها الموهومة، فتتقلد ربقة العبودية للّٰه تعالى، وتدخل ضمن وظيفتها الأساس وهي "الشكر".

المصدر: المكتوبات بديع الزمان النورسي. طباعة دار النيل 

 

 

 

إقرأ المزيد

بآيات عطرة من القرآن الكريم، بدأت ندوة "منهج الأستاذ فتح الله كولن في بناء الإنسان وخدمته" والتي نظمتها مجلة حراء بشراكة مع مختبر مناهج العلوم في الحضارة الإسلامية وتجديد التراث التابع لجامعة محمد الأول بوجدة، وذلك يوم 27 يونيو 2015 بقاعة نداء السلام كلية الآداب بمدينة وجدة بالمغرب، وقد ترأس الجلسة الدكتور لخضر زحوت رئيس شعبة الدراسات الإسلامية بجامعة محمد الأول بوجدة المغرب، حيث أبرز أهمية الموضوع قائلاً: "نحن بصدد الحديث عن علَم استثنائي من أعلام التربية".  ثم استمر في حديثه ليقوم بتعريف المشاركين في هذه الندوة؛ الدكتور سمير بودينار رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة من المغرب والدكتور محمد البنعيادي أستاذ بجامعة ظهر المهراز بفاس من المغرب، والدكتور علي إحسان سعيد كرمنلي أستاذ التفسير بجامعة الفاتح، والأستاذ نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء من تركيا والدكتور عبد الحميد الداودي أستاذ الثانوي التأهلي بزايو من المغرب. وقد ركز المتداخلون على أهمية الاهتمام بتربية وتعليم الإنسان والذي يعتبر مصدر المشاكل والحلول، ومن هذا الجانب بينوا أن مشروع الخدمة قد أصاب عندما جعل الإنسان فكرة مركزية في مشروعه، كما أشاروا إلى عبقرية الأستاذ كولن الذي استطاع أن ينتج مصطلحات جديدة في حقل الإصلاح تواكب الزمان والمكان، وأوضحوا كذلك أن شروط إنشاء الحضارة واحدة لا تتغير واشتغال الخدمة في ظل هذه الشروط يعتبر استئناف السير الحضاري الذي تسعى الأمة إلى تحقيقه، واعتبروا أن الخدمة انتقلت من مرحلة التكديس إلى مرحلة البناء، كما أشاروا إلى أن تجربة الخدمة يمكن تلخيصها في فتح القلوب والعيش من أجل الآخرين. هذا ويمكن تلخيص ما جاء في هذه الندوة على النحو التالي:

 

د. عبد الحميد الداودي من المغرب

  • الاهتمام بالفرد والأسرة مطلب رئيس لتجديد النسيج الاجتماعي للأمة.
  • إذا كان الإنسان هو المصدر الأساس والعنصر الأبرز، في الاختلالات الاجتماعية الكبرى، فإنه كذلك المنطلق الرئيس والفاعل المؤثر في أي عملية إصلاحية حقيقية.
  • الإنسان الإيجابي ركن الحضارة الأساس.
  • تميزت جهود الأستاذ فتح الله كولن، بالتذكير المستمر بأن الخسران المبين أو الفوز المبين في المشاريع الإصلاحية، متعلق إلى حد بعيد بالإنسان.
  • إنسان الفكر والحركة رأس مال الإصلاحات الكبرى.
  • الفكر ينقل الإرادة إلى العمل.

د. علي إحسان سعيد كرمنلي من تركيا

  • الأستاذ فتح الله كولن أنتج مصطلحات جديدة في حقل الإصلاح والنهضة مثل الإنسان الكامل والإنسان المثالي ورجل القلب.
  • الأستاذ فتح الله كولن يتناول الإنسان من مختلف نواحيه؛ من الناحية الإيمانية، ومن الناحية العقلية والفكرية، ومن الناحية القلبية والروحية، ومن الناحية مسؤولياته في المجتمع.
  • مشروع الخدمة هو مشروع حضاري لتنشئة الإنسان المثالي الكامل، وبناء الأجيال الذهبية.
  • الإنسان الكامل عند الأستاذ فتح الله كولن هو الذي يضحي بكل شيء من أجل أن يحيى الآخرين، يبكي من أجل أن يضحك غيره.
  • الإنسان الكامل يستطيع التحليق عاليًا، يملك نفَسًا طويلاً، لا يبطئ من سرعة مسيره يقف بثبات ورباطة جأش، مملوء بتطلعات الآخرة وأذواقها.
  • الأستاذ كولن ينتج أفكارًا ويحققها، وهذا الذي ميزه عن غيره.
  • الإنسان الجديد لا يفكر فقط، وإنما يتحرك وتجده دائمًا في الميدان.

د. محمد البنعيادي من المغرب

  • الأستاذ فتح الله كولن جاء حلقة مكملة ومستأنفًا لحلقات الإصلاح في الفترة المعاصرة.
  • مشروع الخدمة يجمع تجارب الإصلاح التي بدأت في الماضي.
  • مشروع الخدمة يقوم بنقل المجتمع الإسلامي من مرحلة التكديس إلى مرحلة البناء.
  • نجد تطابق في شروط الحضارة بين الأستاذ فتح الله كولن والأستاذ مالك بن نبي، وهذا يظهر أن هذه الشروط ثابتة ويشترك فيها مفكروا العصر على اختلاف الفترات التي عاشوا فيها. 
  • أكبر تحدي بالنسبة للإنسان وهو تمثله، الخصال التي يدعو إليها، وإذا استطاع أن يحقق هذا سيستطيع نقل أفكاره إلى أفعال.

نوزاد صواش من تركيا

  •   الأمة الإسلامية فيما قبل كانت تتساءل حول لماذا الغرب تقدم ونحن تأخرنا، لكن الآن تتساءل عن الكيف؛ أي كيف نستطيع تحويل أفكارنا إلى مؤسسات.
  • الأستاذ فتح الله كولن، آمن بفكرة وقبل التحدي ثم نزل إلى الميدان.
  • معيار الصدق هو التطابق بين ما يقول الإنسان وبين ما يطبق.
  • خلاصة الخدمة كلها هي العيش من أجل الآخرين.
  • الأستاذ فتح الله كولن يعتبر أن المسلم لا توجد لديه حياة خاصة، وإنما كل همه يجب أن يكون من أجل الآخرين.
  • الأستاذ فتح الله كولن يرى أن الإسلام فتح للقلوب وليس للأراضي.
  • الله سبحانه يريد منا سلطان على القلوب وليس على الأراضي.
  • فتح القلوب يأتي بالخروج من الذات والعيش من أجل الآخرين.

د. سمير بودينار من المغرب

  • نحن في حاجة إلى تجديد منهج قراءة أعلام ورواد حركات التجديد.
  • الخدمة يصعب استعاب مشاريعها، لأنها حقيقة أنموذج جديد في عالم الإصلاح.
  • الأستاذ فتح الله كولن يعتبر أن العالم الذي نتواجد فيه هو دار خدمة، أي كيف نستطيع أن نبني مشروعًا حضاريًّا ومن خلاله يصبح بإمكاننا تحقيق الشهادة على الناس.
  • تجربة الخدمة تمتلك من قوة الفاعلية ما يجعلها تأثر في مختلف الأوساط ومختلف الجغرافيات عبر العالم.
  • الخدمة ركزت على التعليم لكن بطريقة مختلفة عن التجارب السابقة، حيث نجد أن هناك نفير عامًا وتعبئة من مختلف شرائح المجتمع من أجل بناء المدارس وتربية الإنسان من خلالها.
إقرأ المزيد