العدد 49 / السنة العاشرة / (يوليو-أغسطس) 2015

  • 1
  • 2

هو الإسلام

د. عبد الرحمن العشماوي - avatar د. عبد الرحمن العشماوي - شعر

هو الإسلام

 من الإسلامِ ينبثق السلامُ ويُبنى من مبادئه النظامُ وتشرَبُ نورَه الصافي قلوبٌ وينهَلُ من مكارمِهِ الكِرامُ هو الغيثُ الذي يُروي عُقولاً بأنقَى ما يجودُ به الغَمَامُ هوَ النَّهرُ الذي يسقِي قلوبًا فينمو الحُبُّ فيها والوِئَامُ هو الغصنُ الوَرِيفُ يَمُدُّ ظلاًّ يفيئنا إذا احْتَدَمَ الزِّحَامُ لو التفتتْ إليهِ قلوبُ قَومِي لما أزرَى بأقصانا اللئَامُ ولا عانَى من البَاغِي عِرَاق ولا عانتْ من الباغي شآمُ ولا لعبتْ بِنَا رومُ وفُرْسٌ ولا أزرَى بعروتنا انفصَامُ ولا انقطعتْ حِبَالُ القُدسِ عنَّا ولا ضاعتْ ولا انفلَتَ الزِّمَامُ هو الإسلامُ فيضٌ من يَقينِ تطيبُ بهِ النفُوسُ ولا تُضَامُ له في الهند... إقرأ المزيد

أصالة الحوار ومحوريته في الإسلام

صهيب مصباح - avatar صهيب مصباح - ثقافة وفن

 عندما يتأمل الإنسان طبيعة الحوار وفقراتها، لا يستطيع أن يتجاهل أن الإسلام -منذ بدايته- دين يتوجه بالخطاب للعالم كله. ومن ثم فهو دين تفاعُل واتصال وخروج للآخرين، وهو دين محجج بالحجج والبراهين والأدلة -الغيبية، والعقلية، والكونية، والإنسانية، والتشريعية- على صدقه وقوته وقدرته على التفاعل مع الآخرين، على أعلى مستويات الجدال والحجاج العلمي والأدبي الرصين، بحثًا عن الحق وبناء عليه. وعندما نتحدث عن الحوار في الإسلام، فإننا نتحدث عن طبيعة من طبائع الإسلام، وخاصة من أعظم... إقرأ المزيد

الانتباه هو قدرة التوجه نحو حادثة أو أمر، ثم تركيز الطاقة الذهنية حوله. وإن توجيه أذهاننا إلى شيء أو إلى حادثة وتركيز انتباهنا عليه يساعد على تنظيم العديد من الفعاليات الحيوية، وهو وظيفة من وظائف أدمغتنا. إن الانتباه هو تكثيف لطاقتنا الذهنية، وهو يساعدنا على فهم الأمور وإدراكها. وبتعبير آخر فإن الطاقة الذهنية لشخص مّا تتمركز وتتكثف على البؤرة التي جلبت انتباهه. والإنسان إنما يتعلم الأمور والحوادث التي يركز طاقته الذهنية عليها ويستطيع التفكير فيها. واللحاء الجبهي (Frontal Cortex) الموجود في القسم الأمامي من الدماغ يقوم بدور فعال في عملية الانتباه. وقابلية الانتباه تعد من النعم المهمة المهداة لنا والتي نحتاج إليها في كل أمر من أمور معاشنا وحياتنا. ومهما اختلفت مهننا أو أعمارنا فالانتباه ضروري للجميع.

تلعب قابلية الانتباه دوراً أساسياً في تحقيق القيام بمهمة التنظيم والتصنيف والتخطيط. ويجب تأمين هذه الخواص والصفات عند الدراسة والبحث وعند تنفيذ التعليمات. فإن جُوبه أحد بالفشل في هذه الساحات فعليه البحث عما إذا كانت عوامل الانتباه عنده طبيعية أم لا.

في المرحلة الجنينية فإن سماع الجنين للأصوات الآتية إليه من الخارج نتيجة لنعمة السمع ونعمة الانتباه. ومع الولادة وبتوجيه الانتباه نحو العالم الخارجي تتطور هذه القابلية الفطرية. وبواسطة الحواس الخمس يستطيع الإنسان بشكل إرادي أو آلي تكثيف انتباهه نحو شيء أو أمر من الأمور.

والانتباه ضروري في تنظيم الحياة اليومية وتحقيق التعلم وتنظيم العلاقات بين الأفراد وأداء المهام والمسؤوليات وتعقب القراءة والاستماع وفهم التعليمات والتركيز على التفاصيل.

الانتباه في الحياة اليومية

لنفرض هنيهة بأن مدة تركيزنا وانتباهنا أصبحت قصيرة. في هذه الحالة لا نستطيع أن نكون مثمرين ومنتجين في العديد من الساحات في حياتنا اليومية، وبالأخص عندما نقرأ أو نكتب أو نستمع أو نعمل. ويصعُب علينا آنذاك أداء وظائفنا بشكل وافٍ وكامل؛ فلا نستطيع متابعة كلام شخص نستمع إليه على الرغم من تركيز انتباهنا على كلامه. وعندما نشكو من ضعف الانتباه نقع في أخطاء بسيطة ونعجز عن رؤية التفاصيل. وقد لا نرى المانع الموجود أمامنا فنتعثر، وقد نسقط على الأرض، ونجد صعوبة في الذهاب إلى المدرسة أو في القراءة أو في أداء وظائفنا الروتينية.

وما نطلق عليه تعبير "تكثيف الانتباه" أو "التركيز" فهو قابليتنا في تعميق انتباهنا. وهو مهم وضروري في تأملنا للأشياء وللحوادث وإدراكنا أيّ موضوع وفي تفكرنا بكتاب الكون وقراءتنا له بشكل أفضل، كما يغنينا عن تلقي التحذيرات والتنبيهات. والقرآن الكريم يدعو الإنسان بشكل متكرر إلى التفكر والتأمل، تأمُّلِ هذا التناغم المدهش في الكون وتأمل تجليات أسماء الله الحسنى فيه. فتركيز الفكر والتأمل يلعب دوراً مهماً في تكامل الإيمان.

لو كنا نسمع جميع الأصوات وننتبه لها لسمعنا أو رأينا أشياء مزعجة كثيرة. فمحدودية السماع وعدم سماعنا الأصوات خارج هذه الحدود وسيلة مهمة لراحة الإنسان، كما أن عدم تشتت انتباهنا في كل صوت نسمعه من النعم الكبيرة المهداة لنا. ولولا هذا لكان أقلُّ صوت نسمعه أثناء العمل كافياً لتشتيت انتباهنا وقطع تركيزنا عن عملنا. وكذلك الأمر بالنسبة للرؤية. فلو كنا نبصر كل جسم يقع في ساحة رؤيتنا عندما نعمل لتشتت انتباهنا وقلت إنتاجية عملنا. إذن فمن النعم الكبيرة المهداة لنا أن انتباهنا لا يتشتت نتيجة كل التنبيهات الواردة إلينا من الخارج.

إن تركيز انتباهنا بشكل كافٍ يساعدنا على فهم أفضل وعلى اتخاذ قرار أحسن وفي زيادة إنتاجنا في حياتنا اليومية. إن خزن ما يقال لنا في الذاكرة وفهم الموضوع الذي نعمل عليه فهماً جيداً وتذكرنا له فيما بعد متعلق بمدى تركيز انتباهنا آنذاك على ذلك الموضوع. وفي لحظات تعرضنا لأي خطر لا نرى ولا نسمع أي شيء خارج أنفسنا وخارج الخطر الذي تعرضنا له، وهذا يشير إلى أن الإنسان يستطيع التركيز على شيء إن أراد ذلك.

يعرض عارض يشتت الانتباه عند كل إنسان بدرجة ما، ويشكل الانتباه عند التعرض للخطر أمراً في غاية الأهمية. وعندما ننظر إلى الحوادث التي يتعرض لها الإنسان في حياته اليومية نرى أن بعضها حوادث طفيفة وبعضها حوادث خطيرة قد تودي بحياته. وتقع معظم هذه الحوادث نتيجة عدم الانتباه. ويتعرض الأشخاص الذين يشْكون من السهو ومن قلة الانتباه إلى حوادث أكثر في حياتهم اليومية؛ فكثيراً ما نسمع: "لم أكن منتبهاً، لم ألاحظ ذلك الشيء". ويجب ألا ننسى أن العديد من الأطفال يتعرضون لمشاكل كثيرة وحوادث خطرة ومشاكل صحية، وحوادث تنتهي بالموت نتيجة عدم الانتباه.

عوامل إفساد الانتباه

في لحظات تعرضنا لأي خطر لا نرى ولا نسمع أي شيء خارج أنفسنا وخارج الخطر الذي تعرضنا له، وهذا يشير إلى أن الإنسان يستطيع التركيز على شيء إن أراد ذلك.

هناك أمراض بيولوجية ونفسية وعوامل تفسد الانتباه وتشتته. من أهمها عارض "النشاط المفرط". والأشخاص الذين يعانون من هذا المرض ومن عدم التركيز نرى أن المدة التي تتطلبها المواضيع التي تُعرض لهم -والتي تستلزم انتباهاً وتركيزاً ذهنياً- تكون قصيرة جداً. كما أن حالات التوتر والكآبة والقلق والإجهاد تؤدي إلى نقص في التركيز. والأشخاص الذين يعانون من هذه الحالات يصعب عليهم فهم ما يقرؤون وإن أعادوا القراءة عدة مرات مع أنهم كانوا يستطيعون فهمه سابقاً بقراءة واحدة. وهؤلاء لا يستطيعون إنجاز المهام التي تتطلب تركيزاً لمدة كبيرة.

وتظهر حالات عدم التركيز في الأشخاص الذين يعانون من أمراض عصبية كالخرف والصرع. كما أن هناك أدوية لها تأثيرات جانبية سلبية تؤدي إلى عدم التركيز.

وفي حالة قلة المحفزات وعدم وضوح الأهداف أو قيام شخص بمهمة تفوق طاقته أو بمهمة دون قابلياته أو عند زيادة الانفعال أو القلق... في مثل هذه الحالات تظهر مشاكل الانتباه. وعندما تتلقى حاسة البصر أو حاسة السمع تنبيهات كثيرة جداً يظهر عند الإنسان مشاكل في منظومة الانتباه وفي مدة الاستيعاب والفهم. وتظهر هذه الحالة كثيراً لدى الأطفال الذين يقضون مدة طويلة أمام التلفزيون أو أمام جهاز الحاسوب. ففي أثناء هذه المدة تنخفض قابلية انتباههم من ناحية السمع والبصر. والتنبيهات التي يتلقونها تفوق سعة أذهانهم، لذا تظهر هنا مشاكل عدم التركيز. فعلينا الحذر من كل ما يبعث تنبيهات كثيرة لكي نتجنب قلة التركيز وما تنتجه من مشاكل ومحاذير.

وصايا للحفاظ على الانتباه

وتلعب قابلية الانتباه دوراً أساسياً في تحقيق القيام بمهمة التنظيم والتصنيف والتخطيط. ويجب تأمين هذه الخواص والصفات عند الدراسة والبحث وعند تنفيذ التعليمات. فإن جُوبه أحد بالفشل في هذه الساحات فعليه البحث عما إذا كانت عوامل الانتباه عنده طبيعية أم لا.

والانتباه يشكل أهم عامل في نجاح الطلاب، حيث يلعب عامل الانتباه للدرس ومداه وقوته عند أي طالب، أو مدى تشتت انتباهه دورا أساسيا في موضوع نجاحه أو فشله. فالطالب الذي لا ينتبه إلى أستاذه في الصف والذي يتشتت انتباهه على فترات متقاربة يُلاحظ انخفاض في نجاحه. ومهما بدا الطالب في الظاهر منتبها لأستاذه في الدرس فإن من المهم مدى انتباهه فعلاً وحقيقة.

يمكن برعاية الوصايا أدناه رفع درجة الانتباه، فهي تساعد كل شخص على تركيز الانتباه، وتزداد بالتالي القدرة الذهنية له:

• تأمين الاطمئنان النفسي والروحي.

• تناول الفيتامينات بشكل متوازن.

• تأمين مكان مريح وملائم للتكيف معه.

• مطالعة الكتب بشكل كاف.

• القيام بتمارين ذهنية لتقوية الذاكرة، منها تمارين الحفظ عن ظهر قلب.

• محاولة تطويل فترة الانتباه منذ مرحلة الطفولة. ويتم هذا بالاهتمام بتنظيم فعاليات التعليم واللعب والراحة حسب عمر الطفل.

• الابتعاد عن التعرض للتوتر والإرهاق.

إن تركيز انتباهنا بشكل كافٍ يساعدنا على فهم أفضل وعلى اتخاذ قرار أحسن وفي زيادة إنتاجنا في حياتنا اليومية.

• الابتعاد عن الأجواء المريحة جداً التي تبعث على الكسل والتي تقلل الحوافز.

• الابتعاد قدر الإمكان عن الملوثات (دخان السجاير، الهواء الملوث، منتجات النفط، المواد الحافظة للأغذية...) 

• الابتعاد عن الضوضاء في أوساط العمل.

• تقليل التعرض للتلوث في ساحة العمل.

• الابتعاد عن التعرض للمنبهات الصوتية والبصرية واللونية القوية، أو التقليل منها.

• عدم الإفراط في الأكل.

قد لا تكون هذه الوصايا كافية عندما يكون تشتت الانتباه في مستوى عالٍ. لذا يستطيع المبتلَون بهذا مراجعة الأطباء أو ممارسة أنواع من التدريب والمران في هذا المجال.

والنتيجة التي نخلص إليها هي أن على الإنسان ألا يبذر نعمة التركيز والانتباه الموهوبة له في أمور لا تعود عليه بالفائدة في عمره الذي يعيشه مرة واحدة، ولا يجعلها هباءً منثوراً. فهذه القابلية ضرورية له في سعادته في الدنيا وفي الآخرة. ولكي نستغل قابلياتنا وطاقاتنا كما يجب فعلينا الحرص والحفاظ على ما عندنا من قابلية التركيز والانتباه.

_______________

* الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.

إقرأ المزيد

غدت الاتصالات الحديثة بأشكالها المختلفة وصورها المتباينة، جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وأصبح ما كان حلمًا في الأمس واقعًا ملموسًا. إذ تقدم العلم في مجال الاتصالات بخطوات متسارعة أخذت تكتشف الجديد والمفيد، وتترك بصماتها الواضحات التي أسقطت بها الحواجز بين الشعوب، وأسهمت في تلاقي الحضارات المختلفة وتلاقح أفكارها، دون أن تعرقلـها فروقات التوقيت أو اختلاف الفصول، أو تعيقـها جغرافية البر والبحر.

وفي وقتنا الراهن تظهر طفرة غنيّة عن التعريف في عالم الاتصالات التي قرّبت البعيد، ويسّـرت أوعية المعرفة، واختزلت الوقت، وحوّلت المقولة المشهورة: "العالم قرية صغيرة" إلى حقيقة مشاهدة يَـسهل معها تداول الأخبار والمستجدات عبر وسائل متنوعة وعديدة بدأت على استحياء، وسرعان ما تطورت لتـشهد حضورًا قويًّا وجريئًا ما يزال ينمو يومًا بعد يوم.

وطفرة الاتصالات تلك، جعلت بين أيدينا جهازًا صغيرًا سهل الحمل، يصلنا بالعالم كلـه خلال ثوان معدودات، ولا تكاد دولة حول العالم تنجو من الزحف المستمر لهذا الجهاز الجوال. ولفت الأمر الأنظار إلى دخول أجهزة الجوال إلى كل منزل، كما أشارت التقديرات إلى زيادة عدد مستخدمي هذا الهاتف فوق المليارات، ولا شك في أن هذا العدد يزيد شيئًا فشيئًا وسنة بعد سنة.

كما يشهد مجال الاستثمار في عالم الاتصالات نموًّا ملاحَظًا، وقد نجحت وسائل الدعاية في جذب المستهلكين الجدد، وهي تحثّهم على الدخول إلى عالم الاتصالات الفسيح.

أبراج في كل مكان

وقد أحاطت بنا أبراجُ تقويةِ بثِّ الهاتف الجوال من جميع الجهات، ودعا هذا الحضور القوي العلماءَ إلى دراسة التأثيرات الحيوية الناتجة عن تعرض الجسم لما ينبعث من جهاز الجوال وأبراجه من إشعاعات قد تحمل بين طياتها خطرًا صحيًّا كامنًا يحتمل أن يتم اكتشافه في القريب العاجل.

وتنص كتب فيزياء الأشعة على أن هناك علاقة إرسال واستقبال بين الهاتف الجوال وأبراج تقوية بثّه الخاصة به. وتنشأ في البيئة المحيطة بنا والتي تكثر فيها أعداد أجهزة الجوال وأبراج تقوية إرساله، حقول مغناطيسية كهربائية من أشعة الراديو والموجات الصغيرة المعروفة بموجات الميكروويف، وهي المسؤولة عن التأثيرات المرَضية التي قد تشاهد في من يتعرض لتلك الموجات، وتتناسب شدة تلك التأثيرات طردًا مع مدة التعرّض للإشعاع، فكلما زادت هذه المدة زاد الأثر السلبي الناتج عنها.

إشعاعات الجهاز الجوال

لا تزال الدراسات حول ضرر الجهاز الجوال محدودة، ولم يتم حتى الآن إعطاء الموضوع حقه من جهد البحث، فذلك يحتاج إلى مدة طويلة وإلى المزيد من التنقيب.. وقد تكشف قادمات الأيام أضرارًا ثابتة في هذا المجال، إلا أن أصابع اتـهام قوية أخذت في الآونة الأخيرة تصف جهاز الجوال، بالخطر الكامن الذي شرعت آثاره السلبية تـتـضح شيئًا فشيئًا.

وتقترح بعض التقارير الطبية الحديثة، وجود رابط بين استخدام الهاتف الجوال وإصابة الجسم ببعض الاضطرابات المرَضيّة العابرة، وبخاصة في مستوى الجهاز العصبي؛ مثل الشعور بالإرهاق والصداع والدوار، واضطرابات النوم، وخلل في وظيفة الذاكرة وضعف التركيز، والإحساس ببعض الخَدَر والتنميل والشعور بالغثيان.

إلا أن تقارير أخرى أخذت تُظهر بعض التخوف والقلق بشأن توقعات بوجود علاقة بين كثرة استخدام الهاتف الجوال وظهور بعض الأعراض الخطيرة، مثل الإصابة بأورام الدماغ وارتفاع ضغط الدم، والتعرض لنوبات الصرع لدى الأطفال.

أضرار في الأذن

تمت في جامعة الملك عبد العزيز، دراسة دقيقة تناولت أبعاد الأضرار المتعلـقة بالأذن نتيجة تعرضها للحقل الكهربائي المغناطيسي الصادر عن أجهزة الهواتف الجوالة وأبراج التقوية، ودُرست حالة مريض في الثانية والأربعين من عمره، وكانت الشكوى الرئيسة لديه، ضعف حاسة السمع في الأذن اليمنى منذ ثلاثة أشهر، والشعور ببعض الألم داخل الأذن وحولها عقب استخدام الهاتف الجوّال، بالإضافة إلى بعض الأعراض التحسسية في الأنف، ونوبات من الصداع المتتالي.

وذكر المريض أن تلك الأعراض تبدأ بعد استخدام الجوال بدقائق، وقد تستمر في بعض الأحيان مدة ساعة كاملة، كما لاحظ أن استخدامه لهاتف المنزل العادي لا يسبب له في العادة مثل تلك الشكاوى المزعجة. وأفاد بأنه اعتاد استخدام الجوال مدة تقارب ساعتين يوميًّا، واستخدام الأذن اليمنى تحديدًا لسماع صوت المكالمات.

وتم إجراء فحص طبي، والتركيز على فحص الأذن المصابة، وأجري تقويم لقياس حدّة حاسة السمع، فجاءت النتائج مشخّصة لحدوث حالة مرضيّة تـُعرف بـ"فقد السمع الحسي العصبي" (Sensorineural Hearing Loss) في الأذن اليمنى التي يستخدمها المريض أثناء مكالماته عبر جهازه الجوال.

وتم متابعة تطور حالة المريض الصحية، فلوحظ تدهور مستوى السمع لديه مع استمراره باستعمال هاتفه الجوال وفق نظامه السابق. وفي زيارة لاحقة اقترح الطبيب أن يستخدم المريض أذنه اليسرى لتلقي المكالمات الهاتفية، وإيقاف استخدام الأذن اليمنى، واستمر ذلك ستة أشهر، تم بعدها إجراء تقويم جديد للحالة الصحية للأذنين معًا.

وجاءت النتائج مدهشة، إذ تحسّنت حالة الأذن اليمنى بصورة ملحوظة، بينما بدأت حالة الأذن اليسرى تتدهور تدريجيًّا لتصاب بأعراض فَقْد السمع الحسي العصبي سابق الذكر، فأصدر الطبيب تعليمات جديدة إلى مريضه، مفادها ضرورة الحد من استخدام الجوال، فاستجاب لذلك، فلم يتجاوز مجمل مكالماته الهاتفية خمس عشرة دقيقة يوميًّا، واستخدم سماعة خاصة ومكبّرًا للصوت، فقلـل بذلك من مدة التعرض المباشر للجوال، بالإضافة إلى إبعاد المسافة الفاصلة بين جسمه والهاتف، ولوحظ بعدها تحسن وظيفة السمع لدى أذنه من جديد.

أما التفسير العلمي لذلك فقد أوضحتـه الدراسات التي تقول: إن لقوقعة الأذن (Cochlea) مقدرة على امتصاص جزء كبير من موجات الحقل الكهربائي المغناطيسي، مما يؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة أنسجة تلك القوقعة وما جاورها، وهذا يؤثــر سلبًا في صحّة الخلايا الشعرية (Hair cells)، مما يضعف حاسة السمع بصورة تدريجيّة ملحوظة.

كيف نخفف أضرار الهاتف الجوال؟

إن جسم الإنسان أمانة لديه، وعليه مسؤولية كبيرة تجاه الحفاظ على صحته، وصونه عما قد يحدق به من خطر وضرر، ويدخل ذلك ضمن الالتزام بوصية رسول الله  صلى الله عليه وسلم حين قال: "إن لجسدك عليك حقًّا" (رواه البخاري)، وقوله  صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضِرار" (رواه ابن ماجة).

وثمة العديد من أساليب الوقاية التي تساعد في الحد من تعرض الجسم لمخاطر الإشعاع الصادرة عن جهاز الهاتف الجوال، ومن ذلك تقليل استخدام هذا الجهاز قدر المستطاع بتقليل مدة المكالمة واقتصار استعماله أثناء الحاجة إليه، فكلما زادت مدة المكالمة زاد احتمال ظهور الخطر. ونشير هنا إلى نتائج إحدى الدراسات التي جاء فيها؛ إن إجراء مكالمة مدة دقيقتين فقط عبر هاتف جوال، كفيلة بتغيير النشاط الكهربائي للدماغ مدة ساعة كاملة.

ومما ينصح به أيضًا، الاعتماد على استخدام الهاتف المنزلي ذي الخط الأرضي، وعدم استخدام الجوال داخل المنزل في حال وجود خط هاتفي أرضي، لا سيما وأن الأخير قد ثبتت سلامته وخلوه من أضرار الإشعاعات.

ويجب أيضًا إبعاد الجوال عن الجسم في حال عدم استخدامه، وليس من الصواب جعله بالقرب منا في المنزل أو العمل. كما يجب إبعاده عن الجسم أثناء النوم، إذ ثمة ما يشير أيضًا إلى تسبيب موجات الجوال لاضطرابات النوم، كالإصابة بالأرق والنوم المتقطع.

ويجب كذلك عدم وضع الجوال مدة طويلة في جيب ما نرتديه من ثياب، أو في حزام الخصر. وتشير دراسات إلى زيادة احتمال الإصابة بالعقم، نتيجة تعرض الأجهزة التناسلية في الجسم لمخاطر أشعة الجوال.

وأثبتت نظرية أخرى، أن إبعاد جهاز الجوال عن الرأس مسافة خمسة سنتيمترات، تخفض ما يقرب من 75% من موجات الإشعاعات الواصلة إلى الرأس والعنق، ويشجعنا ذلك على استخدام السماعات السلكية، ومكبـر الصوت (Speaker) التي يمكن معها إبعاد الجهاز عن أذن مستمعه ورأسه.

كما يجب الحرص على عدم استعمال الجوال داخل الأماكن المعدنية المغلقة، كالسيارة والطائرة والمصعد، وسبب ذلك أن الأشعة تميل إلى حبس جزء كبير منها داخل الحيـز المعدني، وهذا يعني أن الجسم سيـجبر على امتصاص كمية أكبر من هذه الأشعة، ولذلك يـُنصح بإغلاق الجوال داخل تلك الأمكنة المغلقة.

ومن المهم كذلك، عدم إجراء مكالمات الهاتف الجوال إن كانت إشارة البث ضعيفة، وذلك لأن ضعف الإشارة يجبر الجهاز على زيادة قوته وإنتاج طاقة أكبر، وفي ذلك مزيد من تعريض الجسم لمخاطر الأشعة والموجات.

كما تزيد مخاطر إشعاعات الجوال في حال استخدامه أثناء ركوب الأجسام المتحركة بسرعة، كالسيارات والطائرات والقطارات، لأن الحركة السريعة تزيد من إنتاج طاقة الجوال وبثـه للأشعة، ولذلك يُنصح بعدم إجراء مكالمات أثناء استخدام وسائل النقل تلك.

الأطفال والسيدات الحوامل

يجب تحجيم استخدام الأطفال للهاتف الجوال قدر الإمكان، والاقتصار على ذلك حين الضرورة. ومن المؤلم ما نراه من منظر الكثير من أبنائنا وهم يعبثون معظم أوقاتهم بهواتفهم الجوالة، وليت الأسرة تدرك خطر ذلك. وعمومًا فإن جمجمة الأطفال -من ناحية تشريحية- أرق مما هي عليه لدى الكبار، كما أن محتوى دماغ الطفل من السوائل أكبر، وهذان عاملان يسمحان بمرور موجات وإشعاعات أكثر نحو دماغ الطفل، مما قد يزيد من المخاطر المحتملة.

وتنصح السيدة الحامل أيضًا بتخفيف استعمالها للأجهزة الجوالة؛ فأعضاء الجنين الذي تحمله داخل الرحم حساسة جدًّا للمؤثرات الخارجية، لا سيما الموجات التي تبثها الهواتف الجوالة. كما تـحث أيضًا على تقليل استخدام الجوال بعد الولادة أثناء حملها لوليدها؛ فأنسجة جسمه الرخوة تستقبل هي الأخرى مزيدًا من الإشعاعات الضارة.

(*) اختصاصي جراحة التجميل بالمدينة المنورة / المملكة العربية السعودية.

إقرأ المزيد

المتأمل في هذا البناء يرى بوضوح روح الفنان المسلم الذي أبدع في نحت الصخور الصماء وحولها إلى كائن حي ناطق.. هذا وقد وفِّق المعماري السلجوقي "هرّم شاه بن مغيث الأخلاطي" لأن يشيد مسجدًا يبدو على بابه في وقت معين من كل يوم "ظل إنسان يصلي وأمامه كتاب مفتوح".

في عام 1228م أمر "أحمد شاه" أمير إمارة "منغوجاك" السلجوقية ونجل سلطان سلاجقة الأناضول سليمان شاه، ببناء مسجد يجمع في كنفه علوم الدين والدنيا معًا.. وتم تكليف المعماري "هرّم شاه الأخلاطي" لتنفيذ هذه المهمة.. فبدأ بالعمل من حساب مواقع الشمس والنجوم في السماء.. وبعد دراسة مكثفة استغرقت معه حولين كاملين، قام "هرم شاه" بتحديد المكان الذي سيقيم عليه المسجد.. ثم شيد مسجدًا أثبت من خلاله براعته في الفن وتعمقه في العلم، حيث استطاع أن يزاوج المادة بالمعنى والعلم بالدين؛ نحَتَ الحجر وصمم النقوش وفقًا لزاوية انحراف الشمس وزاوية سقوط أشعتها قبل حلول وقت العصر بنصف ساعة تقريبًا، الأمر الذي مكّنه من إظهار "ظل إنسان يصلي" على الباب الغربي للمسجد يبلغ طوله أربعة أمتار، ويبقى قائمًا حتى انقضاء صلاة العصر ثم يغيب ويختفي.

يقول أولياء شلبي: "يسكت اللسان، ولم يعد القلم يكتب، ويقف الإنسان مشدوهًا أمام تصاميم وزخارف هذا الصرح الذي خرج إلى الوجود بعد جهود جهيدة وحسابات دقيقة من قبل معماريين بارعين وفنانين ماهرين صابرين متصبرين".

إنه مسجد ديفريغي الكبير المتربع على أعالي بلدة ديفريغي التابعة لمدينة سيواس في تركيا... المسجد الذي أدخلته منظمة اليونسكو في قائمة التراث العالمي عام 1985... إنه خير دليل على مستوى العلم والمعرفة في ذلك الزمن، وأصدق برهان على مدى اهتمام المسلمين بالعلم الذي سخروه لخدمة الإنسانية جمعاء.

 

إقرأ المزيد

كلما فارقتها شعرت بالحنين إليها. حاولت أن أعيش في مدينة أخرى لفترة طويلة ظننت فيها أنني نسيتها. وفي يوم ممطر نزلت في كراج "حرم" للحافلات بعد فراق طال ثمانية أشهر تقريبا، فشعرت بدفئ غريب رغم برودة الجو. كأنني عدت إلى الوطن، كأنني عدت إلى أحضان أمي. فعرفت أنه إن كان هناك شيء مستحيل في حياتي فهو مسح صورة اسطنبول من قلبي. قررت أن أذهب إلى أسكدار مشيا مع الشاطئ أستعيد الذكريات وأحيي المعالم السلطانية التي حفرت لنفسها مكانا خاصا في عقلي وقلبي.

قطرات المطر تتساقط على ملابسي فتبللها ولا أبالي، فكم كنت مشتاقا إلى مطرها. سماء المدينة مغطاة بغيوم رمادية. وغلالة رقيقة من الضباب تكسو الضفة المقابلة فتضفي على المعالم العملاقة سرا غامضا. تسارعت قطرات المطر وتكاثرت، أما أنا فلم تبق نقطة واحدة في ثيابي إلا وتبللت وسرى إلى داخلها المطر وراحت جداول المياه تجري من شعري على وجهي على الأرض. لم أفكر لحظة واحدة أن أهرب من المطر المنهمر. كان بإمكاني أن أنادي سيارة أجرة فأستقلها إلى المنزل وأنجو. ولكن والحق أقول لم أفكر في ذلك أبدا. فقد كانت كل قطرة تتسرب من ملابسي إلى جسدي تؤكد لي أنني لست أحلم.. أنا أعيش واقعا حيا وأستشعر حقيقة كانت تراود أحلامي طوال الأشهر التي قضيتها بعيدا عن حبيبتي.

توقفت عن المسير بينما كان المارة يتراكضون بحثا عن ملجإ آمن يحتمون فيه من المطر. نظرت إلى الضفة المقابلة لأرى المعالم وسط هذا الجو الذي قد لا ألقاه مرة أخرى. فلاحت المآذن الست لمسجد السلطان أحمد مثل صوارخ استعدت للانطلاق. لم أر سوى المآذن وقبة المسجد الكبرى لأن البقية قد غاصت في بحر من الضباب. يا لها من صورة رائعة تؤثر في سوايدء القلب! بحثت عيناي عن قبة عظيمة أخرى تحيط بها أربع مآذن.. فبدت لي وهي تسبح في بحر الضباب كذلك. ها هي قبة مسجد أياصوفيا وقد فتح أيديه إلى السماء بالدعاء فلبت السماء دعاءه بالمطر. القبة المبللة تلمع بلون بفضي ساحر من بعيد.

يتساءلون لماذا يعشق الإنسان اسطنبول؟ لماذا يهيم الشعراء بحبها؟ لماذا يفضل الرحالة الأجانب الإقامة فيها والدفن تحت ثراها بعد موافاة الأجل؟ لماذا لا يريد القاطن فيها مغادرتها؟ ولماذا يحلم بالعودة إليها كل من يفارقها؟ مهما كان السبب فهناك ظاهرة، وهي أن الداخل إلى اسطنبول لا يخرج منها كما دخل، إنما تنطبع صورتها في روحه بشكل من الأشكال ويغادرها وكأنما ترك قطعة من قلبه وراءه.

نقلت عيناي من مسجد أياصوفيا إلى الأمام قليلا لأرى كيف تبدو قباب قصر طوب قابي تحت هذه الغلالة الضبابية الرقيقة. منائر القصر وقبابه تملأ ما بين السلطان أحمد وأياصوفيا. يا إلهي! آفاق اسطنبول في هذه اللحظات الممطرة ووسط بحر من الضباب قد غطتها المآذن الشاهقة والقباب العظيمة. إذا أراد المتسائل عن سبب هيام الناس بها أن يحصل على جواب فيكفيه أن يرى هذا المشهد فقط.

يلقاك البرج في مدخل المضيق من جانب بحر مرمره، فتصغي إلى حديثه الخفي، فيخيل إليك كأنك تسمع الهمسات التي تدور بينه وبين مجموعة الأعلام التاريخية مثل السلطان أحمد وأياصوفيا وطوب قابي والسليمانية والخليج. ها أنا أقف عاجزا عن التعبير الآن، وإخالني سأبقى عاجزا طوال رحلتي هذه في أطراف اسطنبول. وسط غشاء رقيق من الضباب ينظر إليك البرج وكأنه يريد أن يحدثك بأشياء كثيرة.

تابعت المسير فرأيتها واقفة في منتصف البحر تنتظرني لتحييني بعد غيبة كانت كالدهر في طولها. لا تزال تتمتع برشاقتها وجاذبيتها وبراءتها. ولما حاذيتها تبادلنا النظرات وابتسمت لها بشفتين مبللتين فابتستمت لي، ولوحت إلي بعلمها الذي يسبح على رأسها. تلك الأميرة الخيالية التي تسكن البرج الذي يدعى ببرج الأميرة منذ القدم والذي يعتبر أحد الرموز الخالدة لاسطنبول. ويبدو للناظر عندما يراه وسط تيارات البحر وأمواجه المضطربة كأنه ملاك أبيض يستقبل زوار المضيق الطيبين بالبسمات.

يلقاك البرج في مدخل المضيق من جانب بحر مرمره، فتصغي إلى حديثه الخفي، فيخيل إليك كأنك تسمع الهمسات التي تدور بينه وبين مجموعة الأعلام التاريخية مثل السلطان أحمد وأياصوفيا وطوب قابي والسليمانية والخليج. ها أنا أقف عاجزا عن التعبير الآن، وإخالني سأبقى عاجزا طوال رحلتي هذه في أطراف إسطنبول. وسط غشاء رقيق من الضباب ينظر إليك البرج وكأنه يريد أن يحدثك بأشياء كثيرة.

تركت الملاك الأبيض في وحدته الصامتة وتابعت المسير إلى أسكدار. فناداني قصر دولمه باخجه من الضفة المقابلة. أجهدت نفسي لأنفذ إلى شبحه الرمادي من خلال الطبقة الضبابية الكثيفة، ولكن لم أتمكن من ذلك. فتلقيت تحيته ورددت عليه بصوت عال، وما أظنه سمعني لأن ضوضاء قطرات المطر الغزيرة محته دون أن يتجاوز عدة أمتار. سلمت على مسجد شمسي باشا ومكتبته القديمة. مسجد صغير جدا أنشأه المعماري العظيم سنان، ومن ثم يتمتع بفن رائع. ومضيت حتى وصلت إلى ميدان أسكدار. لا أريد أن أقص شيئا عن هذا الميدان التاريخي الذي شهد من الأيام الجسام، لأنني تارك ذلك إلى حديث آخر طويل.

وقفت في منتصف الميدان... نظرت إلى اليمين، إلى المسجد الجديد أو مسجد والدة سلطان فرأيته يبتسم لي في مهابة. ونظرت إلى اليسار فابتهج مسجد ميهريماه سلطان لرؤيتي، أو هكذا بدا لي من شدة فرحتي. وأخيرا وقبل أن أستقل سيارة تحملني إلى منزلي المتواضع أحببت أن أطل من المضيق لأرى الجسر. أوسعت الخطى إلى المرفأ وحدقت في الأفق ولكن ارتطمت نظراتي بستار كثيف من الضباب فلم أر الجسر الذي يربط بين قارتي أسيا وأوروبا.

شعرت بشيء من الاكتئاب... الأمر الذي يصيب الإنسان عندما يؤمل نفسه بأنه سيلقى بعد قليل صديقا فارقه منذ أمد بعيد. لا بأس، فالوقت أمامي متسع، وأنا بعد اليوم مع الأحباب. أشرت إلى سيارة فتوقفت عند الرصيف. فتحت الباب والمطر ينهمر من جميع أطرافي. نظر السائق إلي وعرف من هيأتي أنني قادم من سفر بعيد. فقال بصوت ممتلئ بالمرح أهلا بك في اسطنبول...

 

إقرأ المزيد

يتكون جسم أو جدار المعدة من طبقتين رئيستين: طبقة عضلية مكوَّنة من ثلاث طبقات من الألياف العضلية (خارجية طولية، ووسطى دائرية، وداخلية مائلة). ووظيفة عضلات المعدة؛ طحن الطعام وخلطه بعصارة المعدة حتى يصبح سائلاً غليظ القوام هو "الكيموس"، ثم دفعه نحو الأمعاء الدقيقة بفضل موجات من التقلص، تسري في المعدة من أعلاها إلى أدناها مرة كل عشرين ثانية، وهو ما نسميه "التمعج".

أما الطبقة الأخرى، فهي الغشاء المخاطي الذي يتجمع في ثنيات طويلة عندما تخلو المعدة، ولكنه ينبسط عندما تمتلئ وتكسو الغشاء طبقة من المخاط، لها أهمية كبيرة في حماية جدار المعدة، وتنتشر بالغشاء المخاطي المبطن لجدار المعدة (35) مليون غدة معدية، وهي المعروفة بـ"الليزوسوم" (Lysosomes)، وهي عبارة عن تركيب خلوي (Organelle) يفرز أنزيمات لتكسير وتفكيك المواد الغريبة في داخل الخلية، حيث يقوم بإفراز العصارة المعدية بواقع ثلاث لترات يوميًّا. هذه العصارة المعدية تتكون من خميرة أو أنزيم "الببسين" (Pepsin)، وأنزيم الرينين، وحمض الهيدركلوريك، بالإضافة إلى العامل الداخلي المنشأ اللازم لامتصاص فيتامين (ب12).

يعمل أنزيم الببسين على هضم البروتينات -فقط- هضمًا جزئيًّا على هيئة ببتونات، وبعد ذلك تعمل أنزيمات الأمعاء على إتمام الهضم. والببسين يفرز في المعدة على شكل غير فعال، حتى إذا وصل إلى تجويف المعدة، حوله حمض الهيدركلوريك إلى الشكل الفعال، وذلك للحيلولة دون قيام هذا الأنزيم بهضم البروتينات في الخلايا التي تفرزه وهي الليزوسوم.

وظيفة المعدة

وظيفة المعدة الأساسية هي هضم المواد الغذائية التي نتناولها وخاصة المواد البروتينية، أي تكسيرها إلى جزيئات صغيرة، حيث تقوم جدران المعدة القوية بالضغط على الطعام لأربع ساعات يتحول بعدها الطعام إلى شبه سائل.

ومعنى الهضم، أن يتم تكسير كل الأجزاء الكبيرة إلى أبسط صورها، إما ليتم امتصاصها مباشرة إلى الدم، أو أن يقام عليها عمليات أخرى ليتم هضمها إلى أبسط ما يمكن أن يمتص بالدم.

فإن لم يتم ذلك التكسير بصورة جيدة، وجدنا المشكلات الصحية الكبيرة؛ كسوء التغذية والأنيميا، وعدم هضم البروتين والانتفاخات، وغيره من أمراض الجهاز الهضمي التي كثيرًا ما تؤرق الناس كلهم. وللمعدة أربع وظائف أخرى، هي التخزين، والخلط، والإفراز، والتخلص من البكتريا؛ إذ تعتصر جدران المعدة الطعام وتطحنه، وتعجنه وتخلطه بالعصارة المعدية.

والمعدة دورها حيوي ليس فقط في هذه الصورة، وإنما أيضًا لأنها تعادل المواد التي تدخل إليها معادلة "أس هيدروجينية"، بمعنى أن تنظم المعدة الرقم الهيدروجيني بما يناسب الحامضية التي يكون عليها الدم. لأنه لو ابتلع الإنسان شيئًا حامضيًّا أو قلويًّا، كيف يسير إلى تيار الدم بهذه الصورة؟ فهو خطر على جميع الخلايا والأنسجة الأخرى. لذا فدور المعدة، معادلة هذه الحامضية إلى أن تصل لنفس درجة حامضية الدم، هذه المعادلة هي ما يطلق عليها "PH".

لماذا لا تهضم المعدة نفسها؟

المعدة من لحم... والمعدة تهضم اللحم... فلمَ لا تهضم المعدة نفسها؟!

المعدة لها غشاء مخاطي يقوم بوقاية بطانة المعدة من حمض الكلور وأنزيم "الببسين"، ولكن لا يوجد غشاء يحمي باقي عضيات الخلية من تأثير هذه الأنزيمات، لأن الأنزيمات الهاضمة موجودة فقط داخل هذه العضيات: الليزوسوم وهي تقوم بابتلاع الأجسام الغريبة المراد هضمها إلى داخلها ثم تقوم بهضمها، وبذلك تبقى الأنزيمات معزولة عن باقي أجزاء الخلية؛ وذلك عامة أحد طرق موت الخلايا المريضة أو الخلايا التي انتهى عمرها عن طريق انفجار هذه العضيات، وتسرب الأنزيمات إلى باقي أجزاء الخلية وتحللها، ثم موت الخلية (Apoptosis).

ولماذا لا تقوم هذه الأنزيمات بهضم الليزوسوم وباقي التراكيب الخلوية (Organelle) الموجودة داخل المعدة؟

إن الانحناءات في جدار المعدة الداخلي والتعرجات، موجودة في القناة الهضمية، ويختلف عمقها من مكان لآخر حسب الوظيفة للمكان التي توجد فيه. نراها في المعدة تكاد تكون معدومة، وهذا لأن الطعام هنا يُهضَم، أي لابد أن يكون الوعاء أملس تمامًا لجودة العملية واختلاط الطعام تمامًا بالعصارة المعدية ليتم هضمه جيدًا.

والمعدة فيها تعاريج بسيطة جدًّا، وفيها معادلة للأحماض والقلويات (PH) التي تدخل الجسم، معنى هذا أن المعدة بها آلية خطيرة جدًّا لتحميها من الأحماض والقلويات؛ لتحمي جدارها أولاً، ولا تهضم نفسها من عصارتها الذاتية التي تفرزها، ومن الأحماض والقلويات التي ترد إليها من الخارج. كما أن المعدة بها غشاء سميك جدًّا من المخاط (Mucus)، هذا المخاط يعمل كعازل بين ما هو داخل المعدة وخلايا المعدة.

هذا الغشاء متصل متساوي السُّمْك في الجدار الداخلي للمعدة، إلا من بعض المناطق التي تُخرج منها المعدة عصارتها المعدية، سنجد عندها أن الغشاء المخاطي خفيف، وعادة ما يكون مركز هذه القنوات للداخل في التجاويف البسيطة جدًّا لسطح المعدة الداخلي.

أما هذا المخاط فتفرزه خلايا متخصصة اسمها "الخلايا المخاطية" (Goblet Cells) التي تفرز كمية كبيرة جدًّا من المخاط يوميًّا، وهي منتشرة بكثرة في الجدار الداخلي للمعدة لتجدد تلك الطبقة العازلة للمعدة.

يرجع ذلك إلى أن الله سبحانه وتعالى قد بطّن جدار المعدة من الداخل ببطانة عجيبة معجزة، تتجدد خلاياها بسرعة مذهلة تصل إلى نصف مليون خلية في الدقيقة، بحيث تتجدد في فترة تتراوح بين يوم إلى ثلاثة أيام. وهي بذلك تفوق السرعة التي تعمل بها العصارة المعدية بما تحتويه من حمض الهيدروكلوريك والأنزيمات الهاضمة الأخرى لإذابة تلك البطانة، كما أن هذه الخلايا المتجددة دائمًا، تعمل على تكوين حاجز سميك تفصل به غشاء المعدة وجدرانها الداخلية عن الحمض والأنزيمات الهاضمة، وهذا ما يُطلق عليه "الحاجز الميكانيكي".

في الوقت الذي تتدفق فيه العصارة المعدية إلى تجويف المعدة لتختلط بالطعام، فإن بطانة المعدة تقوم بإفراز المخاط وهو قلوي التأثير، إذ يلتصق هذا المخاط بغشاء المعدة وكأنه مرهم أو كريم، ويقوم بمعادلة الحمض ويمنع تأثيره. والمخاط بذلك يعمل كحاجز كيميائي يحمي غشاء المعدة وجدرانها من التآكل أو الهضم.

خلايا المعدة قلوية التأثير، وهي بذلك غير مناسبة لنشاط وعمل أنزيم الببسين، كما أن الغشاء الذي يغلّف الخلايا المبطنة للمعدة له خاصية عجيبة، حيث لا يسمح هذا الغشاء بنفاذ أنزيم الببسين وكذلك حمض الهيدروكلوريك.

تحتوي خلايا بطانة المعدة على مضادات للأنزيمات الهاضمة، وتقوم هذه الخلايا بالالتصاق مع بعضها التصاقًا وثيقًا، بحيث لا تسمح بالنفاذ لأي مادة هاضمة من تجويف المعدة إلى جدران المعدة الداخلية.

إذن، كلما توغلنا في أسرار خلق الله وعايناه كلما شعرنا بمدى جهلنا وضآلة علمنا... وصدق الله حين قال: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً﴾(الإسراء:85)، ﴿فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(المؤمنون:14).

إقرأ المزيد

لعل رجلاً جبلاً مثل الشيخ سعيد النورسي لا يجاريه أحد في زمانه ومكانه  علمًا وعملاً حسب شهادة المتخصصين. والدارس لفكر وسيرة هذا العالم الجليل لاشك أنه يتوقف طويلاً عند مرحلتين مفصليتين في حياته. مرحلة سعيد القديم ومرحلة سعيد الجديد. حينها سيعلم أن العمل السياسي وهمومه ومثالبه هو العامل الأول وراء هذا التقسيم وهو المسؤول المباشر عن تغيير الشيخ النورسي لتوجهه العام من الانشغال بالسياسة والانغماس في عالمها إلى الفرار منها والتحذير من مصايدها.

لقد أمن الشيخ النورسي بأن السياسة التي سادت البلاد سياسة ظالمة، لأنها رضعت من ثدي الثقافة الغربية المبنية على القوة والمنتجة للصراع، بدل اجتماع القوم على الثقافة الملية التي تنطلق من الرحمة وتنتج التعاون ليتحقق الإصلاح. 

ولا غرو أن يطرح أي عاقل تساؤلات مشروعة حول الأسباب الحقيقية الكامنة وراء هذا الموقف المثير، لرجل عالم موسوعي خبر دروب الحياة وعايش أدق مراحل الانتقال الذي عاشته الدولة التركية الحديثة؛ رجل من عيار الشيخ سعيد النورسي.

طبيعي أن علو همة هذا العالم الجليل منعته من التفرج على واقع أمة كبيرة يصاغ أمام عينيه، دون أن يكون واحدًا من صناع قراراته. ومعلوم أن الأنظمة الدولية اليوم على مختلف تشكلاتها من شيوعية واشتراكية إلى لبرالية ورأسمالية إلى آخر ما تفتق عنها من ديمقراطية، لاشك أنها جميعًا تملك من وسائل الاثارة ومن أسباب الدعاية وحسب كل جيل، ما يجعل الإنسان المتحرق والمكتوي بهموم الناس والمؤمن بغد أفضل، يهرول عن حسن نية ومقدمًا على الانخراط في هياكل هذه الأنظمة من أجل تلمس طريق الاصلاح والعمل على تنفيس كرب المكروبين والدفع بكل ما من شأنه إصلاح الأوضاع.

نعم! وهل يشك أحد ممن يعرفون الشيخ النورسي في حسن طويته  وأنه سيكون من السباقين للمساهمة في هذه الأعمال والانخراط في هذه الأنظمة. بلى كذلك كان وقد أبلى الرجل بلاء حسنًا والتف حوله من الجماهير من آمنوا به وصدقوه. لكن الرياح جرت بما لا تشتهيه سفينة الإصلاح التي ركبها الشيخ النورسي، حيث دخل في عالم من التناقضات التي يعج بها ميدان السياسة وبدأت مطارق الظلم والتعسف والتهم تنهال عليه من كل جهة. وقد سجل ذلك بنفسه رحمه الله في ما أثر عنه من مكتوبات ومذكرات طارت شهرتها في الآفاق. و يمكن تلخيص هذه المطارق في:

  • مطرقة الدول المستبدة.
  • مطرقة الظلم المغروز في الفطرة.
  • مطرقة غياب العدالة وعدم المساواة.
  • مطرقة العلوم والثقافات الوافدة.

و تحت وطأة هذه المطارق نفذ صبره رحمه الله وقر إعتزال عالم السياسة والكفر  بالمنهج السياسي في الإصلاح ومحاربة الفساد. فقال رحمه الله: "إن الإنسان الذي يخوض غمار هذه الحرب الطاحنة يمثل أصدق تمثيل الآية الكريمة ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾(الأحزاب:72) لذا لايجوز النظر  إلى المظالم المحيرة فضلاً عن موالاة تلك التيارات وتتبع أخبارها والاستماع إلى دعاياتهم  الكاذبة الخدّاعة ومشاهدة معاركها بأسىً وحزن. لأن الرضى بالظلم ظلم واذا ما مال إليه يكون ظالمــًا، وإذا ما ركن إليه ينال زجر الآية الكريمة ﴿وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾(هود:113)".

لقد أمن الشيخ النورسي بأن السياسة التي سادت البلاد سياسة ظالمة، لأنها رضعت من ثدي الثقافة الغربية المبنية على القوة والمنتجة للصراع، بدل اجتماع القوم على الثقافة الملية التي تنطلق من الرحمة وتنتج التعاون ليتحقق الإصلاح. فقال رحمه الله في أحد كلماته: (القوة ركيزة الحياة؟ والصراع "دستورها؟ فالمدنية الحاضرة تؤمن بفلسفتها: إن ركيزة الحياة الاجتماعية البشرية هي "القوة" وهي تستهدف "المنفعة" في كل شئ. وتتخذ "الصراع" دستورًا للحياة. وتلتزم بالعنصرية والقومية السلبية رابطة للجماعات. وغايتها هي "لهوٌ عابث" لإشباع رغبات الأهواء وميول النفس التي من شأنها تزييد جموح النفس وإثارة الهوى. ومن المعلوم أن شأن "القوة"هو" وشأن "المنفعة" هو "التزاحم" إذ هي لا تفي بحاجات الجميع وتلبية رغباتهم. وشأن "الصراع" هو "التصادم" وشأن "العنصرية" هو "التجاوز" حيث تكبر بابتلاع غيرها).

كيف يمكن لرجل تلك صفاته أن يستمر في مجال هذه مواصفاته؟

لاشك أن التعويل على القوة في مجال الإصلاح منهج لا يستقيم ورسالة الإصلاح؛ وأما استعمال هذه القوة في المجال السياسي فهذه ثالثة الأثافي. لأن التزاحم حول المنافع، وهي ميزة العمل السياسي في واقع الدولة الحديثة، لاشك سيؤدي إلى الصراع وكل ذلك يوقع في تجاوزات وهضم للحقوق لايعلم حجمه إلا الله. نعم، وأن النجاح الظاهر والمرحلي الذي يحققه السياسي سيولد لدى صاحبه غرورًا وأنانية يجعلانه أكثر شراهة وضعفًا أمام كل الشهوات البهيمية. ولا ينجو من الانغماس في هذه الأوحال إلا العقلاء وقليل ماهم. ولأن الشيخ النورسي إكتوى بنار هذه التجاوزات وذاق من علقم هذه السياسات فقد عبر عن السياسات التي هذه صفاتها تعبيرًا بليغًا حيث قال في إحدى كلماته العميقة: (وهكذا نبتت شجرة زقوم على قمة هذا الوجه من "أنا" غطت بضلالها نصف البشرية وحادت بهم عن سواء السبيل. أما الثمرات التي قدمتها تلك الشجرة الخبيثة، شجرة زقوم، إلى أنظار البشر فهي الاصنام والآلهة في غصن القوة البهيمية الشهوية؛ إذ الفلسفة تحبذ أصلاً القوة، وتتخذها اساسًا وقاعدة مقررة لنهجها، حتى إن مبدأ "الحكم للغالب" دستور من دساتيرها، وتأخذ بمبدأ "الحق في القوة" فاعجبت ضمنًا بالظلم والعدوان، وحثت الطغاة والظلمة والجبابرة العتاة حتى ساقتهم إلى دعوى الألوهية).

لعل رجلاً جبلاً مثل الشيخ سعيد النورسي لا يجاريه أحد في زمانه ومكانه  علمًا وعملاً حسب شهادة المتخصصين. والدارس لفكر وسيرة هذا العالم الجليل لاشك أنه يتوقف طويلاً عند مرحلتين مفصليتين في حياته. مرحلة سعيد القديم ومرحلة سعيد الجديد

- لكل ما سلف يمكن طرح عدة تساؤلات:

- هل ترك الشيخ النورسي السياسة اختيارًا أم اضطرارًا؟

- لماذا تكالبت عليه المطارق من كل جانب؟

- ما موقفه من السياسة؟

- هل استعاذة الشيخ النورسي من الشيطان والسياسة مبدأ؟ أم موقف أملته ظروف معينة؟

- وما موقف تلاميذه وإخوانه من بعده من السياسة وأهلها؟

                                                           (يتبع)

 

 

 

 

إقرأ المزيد

 مجلة حراء تطل عليكم من جديد؛ بمخزون روحي وفكري وثقاقي وعلمي، ثري وممتع، يغذي القلب وينير الفكر ويشرح الصدر. ففي "تجديد الذات"المقال الرئيس لهذا العدد،يدعو الأستاذ فتح الله كولن إلى قضية مركزية، تكاد تكون أهمّ أعمدة فكره الذي تقوم عليه الفلسفة الانبعاثية في النهوض بالفكر والدين. فهو لا زال يؤكد ويستمر في التوكيد على أن الحياة التي يحياها الأفراد والمجتمعات والدول، قد تضيع وتتسرب إلى خارجوجودنا الإنساني؛ إذا نحن -أفرادًا وأممًا- لم نحسن كيفية تجديد هذا الذات الممثل للجوهرية الإنسانية، وكيف نعيد بين آونة وأخرى تجديد ما تعتّق منه. وتآكل من أعمدته وبنيانه، بل يذهب إلى أبعد من ذلك، فيرى أن الزوال والفناء نتيجة حتمية لمن يعجز عن تجديد ذاته في وقت الحاجة والضرورة، فتجديد الذات هو في جوهره حركة نحو الحياة المتجددة، واستجابة لنواميس الأكوان والطبيعة والوجود، مَنْ يندُّ عنها تسحقه النواميس وتلقي به خارج دورة الحياة، ودائرة البقاء.

أما عبد الإله بن مصباح فإن مقاله عن "المتاهة الخطيرة تجزئة العلوم.. إلىأين؟" يكاد يؤكد على خصوصية هذه الأمة في تفاعلها مع العلوم الحديثة، حيث يقول بعد أن يشير إلى المسارات الخاطئة التي تتجه إليها العلوم الحديثة: "لأجل ذلك حرص الإسلام كل الحرص على الأخلاق في العلم، لإعداد الأمة التي ستؤدي الأمانة وتحمل الرسالة".

والشاهد البوشيخي -وكما عودنا- فقد أتحفنا بمقال غاية في العلمية والرصانة بعنوان "السلسلة الذهبية.. فرد فأسرة فمجتمع"،حيث ركز على الأسرة والتيتعتبر المدرسة الأولى للأجيال التي تؤهلها للمهمات الحياتية الكبرى، فيقول: "فالمؤمن الذي يعتني بالإيمان، يحمي ظهره بأهله إن كانوا من جنسه"، إلى أن يقول: "ولكن إذا كان الأهل من جنس المؤمن، مثلوا خطوطًا خلفية تحمي ظهره".

أما حذيفة أحمد الخراط فيكتب مقالاً علميًّا عن "قشرة الرأس.. أسبابها وعلاجها"، هذه الظاهرة التي يعاني منها الملايين من النساء والرجال، حيث تشير الإحصائيات إلى أن انتشار هذه الظاهرة، يجعل منها المشكلة التي تحتلّ المرتبة الأولى في قائمة مشكلات فروة الرأس، إذ يشكو منها ثلث الأشخاص في مجتمعات العالم المختلفة.

وفي مقال نقدي متميز، يكتب سليمان الدقور عن "الإنسان الغاية والإنسان المثالي"، مستعرضًا ومحللاً لبعض ما كتب ونشر عن فكر الأستاذ فتح الله كولن على صفحات مجلة حراء، فيقول: "فلا بد من التأكيد هنا بشكل واضح، أن القراءة المتأنية الفاحصة الكاشفة عن الدلالات الموضوعية لفكر فتح الله كولن،هو ما تحتاجه هذه الكتابات العميقة المؤثرة، ذلك أن مطلوبها الرئيس هو صناعة الإنسان وإعادة بنائه وفاعليته".

و"سيد الأزمان" عنوان مقال أديب إبراهيم الدباغ، يتحدث فيه عن زمان محمد صلى الله عليه وسلم فيقول: "هذا نبي الزمن وكل الأزمان، ورسول العالم وكل العوالم، أعاد للنبوات شبابها ويفاعتها، وللربوبية قدسيتها ونزاهتها، قلبه مستودع أسرار الله، وعلى لسانه يدور كلامه، قدم لغوامض كتاب الوجود، وأدار مفاتيح الفهم في مغاليق الأكوان".

وفي "تجديد الخطاب الدعوي"، يكتب عبد الحميد عشاق عن قضية مهمة تمثل همًّا مؤرقًا من هموم الأمة الرئيسة، حيث يقول: "فالخطاب الإسلامي ليس مقصورًا على شؤون الغيب وقضايا الروح -كما يتوهم بعض الناس- بل يتسع ويمتد ليواكب حركة الاجتماع الإنساني في شتّى مجالات الحياة بمختلف أبعادها ومظاهرها".

ومقال علمي آخر لناصر أحمد سنه بعنوان "منظفو البيئة"، فيقول: "للبكتريا والفطريات دور رئيسي في النظافة على الأرض، فإنها تحلل الأجسام والنبات الميتة على مدار الحقب، كما تقوم أنواع من البكتريا بمعالجة المخلفات الحيوانية، والمكافحة البيولوجية".

وفي مقالها الرقيق تكتب ليلى محمد السبيعي عن "وارثي الأرض"،مخاطبة الإنسان: "أيها الإنسان النازف الروح المتعثر بتلابيب ذنوبه وأوهامه المنكسر الأحلام، أما آن لك أن تلملم جرة روحك المشروخة، وترتد عن زمن الهرج والفتن؟"

وعن كتاب النور الخالد، يكتب عادل القدسي مقالاً أدبيًّا بعنوان "النورالخالد.. إشارات وبشارات"، يظهر فيه تأثره بالكتاب وبطرح الكاتب لسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم حيث يقول: "إن كتاب النور الخالد، ينقل روح السيرة إلى أرواحنا، أو هو ينقل أرواحنا إلى روحا لسيرة، فتجدنا نلتحم معًا في ملحمة هذه السيرة. فإن كل صفحة من النور الخالد هي برنامج عمل، ومشروع تغيير وبناء، ومخطط تنفيذ وتطبيق لواقعنا الحال يلزمنا المعاصر".

.ومصطفى بوزغيبة يكتب مقالاً غاية في الشفافية والرقة عن "جمالية العبادة والشوق إلى الله تعالى"؛ فهي -العبادة- كيمياء السعادة الحقيقية التي تمد قلوب السالكين بمعاني القرب والأنس بالله، وتشحن هممهم بالتعلق به وملازمة أعتابه، وهو يستشهد بجملة من أبيات الشعر التي أنشدها هؤلاء السالكون، فيقول:

 ما عنك يشغلني مال ولا ولد  نسيت باسمك ذكر المال والولد

وعن "أقوى الخيوط وأوهن البيوت" عند العنكبوت، يكتب محمد السقا عيد عن هذا المخلوق العجيب الذي يجمع في نسيجه بأقوى الخيوط مع أوهن البيوت، مبينًا من الناحية العلمية الإشارة إلى الإعجازية القرآنية في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللهِ أَوْلِيَاءَكَ مَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾(العنكبوت:41).

وعن "ثقافة البيت العثماني" يكتب ممتاز أيدن،حيث يبين خصائص البيت العثماني ومميزاتها، والتي نجد كثيرًا منها مستوحاة من الثقافة الإسلامية الأصيلة.

وكتب رشيد كهوس في "نداء الحب" قائلاً على لسان أحد أصدقائه: "كنت أنتظر شخصًا يدخل حياتي فيمنحني السعادة والبهجة طوال العمر، فكان حب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاك الشخص الراقي الذي اقتحم حياتي وأضرم نيران الحب في أعماقي، وكأن قلبي كان في انتظاره منذ زمان".

وفي بحث علمي عن البعوض يكتب ناصر أحمد الكناني بحثًا يصدره بالآية الكريمة:﴿إِنَّاللهَ لاَيَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ فيقول: "إن البعوضة لها قابلية الحس بالكائنات الحية بواسطة حرارتهم، فإن البعوضة تستطيع أن تلتقط حرارة الأجسام بشكل ألوان"، وهذا البحث بقدر ما هو نافع ومفيد، غير أنه ممتع كذلك.

أما مقال إسماعيل جولاك عن "الوعي بالتاريخ واستشراف المستقبل"، فهو يعالج هذا الموضوع من المنظور القرآني حيث يقول: "يجب أن ننظر إلى التاريخ بعين البصيرة والعبرة كما ننظر إلى القصص القرآني . ونستخلص منه العبر" إلى أن يقول: "إن القرآن الكريم لم يتناول الوقائع والأحداث عشوائيًّا دون هدف".

وفؤاد البنا يكتب مقالاً بعنوان"إعصار الكبر الحارق"، يعالج فيه سلوكيات المتكبرين والمتغطرسين فيقول: "إن الناظر في حقيقة أعمال المتكبرين، سيجدهم يسلطون جوانهم وجوارحهم على حقوق الناس اجتياحًا وبغيًا وإفسادًا، وتستبيح حرماتهم حتى لكأنها شعلة نار متقدة أو إعصار حارق أو جحيم يتسعر ونار تتلظى".

وفي "الطفل والمدنية" يكتب محمد باباعمي مقالاً فيه روعة الحقيقة أنية مجنحة في سوانح وخطرات راودت عقل الكاتب وروحه ووجدانه، وللجواب على ما دار في ذهنه من إشكالات يقول"اهتديت إلى ثلاث عبارات جمعتها في عبارة واحدة جاء فيها "الله والحرية لا ينفصلان"، فإذا سلمنا بحرية الإنسان ومسؤوليته عن أفعاله فإننا بذلك نعترف بوجود الله".

وأسامة سعيد محمد يكتب مقالاً بعنوان"لغة الكمياء في الكائنات الحية"، يتحدث فيه عن هذه اللغة لا سيما في النمل فيقول مثلاً: "مواد كيميائية كثيرة أخرى في عالم النمل، منها على سبيل المثال "جاذبات الجنس"، وهي تعني أن أحد الجنسين يبحث عن نصفه الآخر" إلى أن يقول: "ليست لغة الكمياء بعيدة عن الإنسان، فهو وإن كان يتواصل مع الآخرين بالكلام، فإن أعضاء جسده تتواصل معًا بالكمياء".

وبعد، هذه إشارات سريعة لما يحتويه هذا العدد من حراء، آملين أن يجد فيها القارئ الكريم الفائدة والمتعة، ومن الله التوفيق والسداد.

 

 

 

 

 

إقرأ المزيد

قدم الأستاذ محمد فتح الله كولن تعازيه في مقتل أكثر من مائة شخص على الأراضي الفرنسية جراء هجمات إرهابية غاشمة شهدتها العاصمة باريس مساء أمس الجمعة.

وقد أعرب الأستاذ فتح الله كولن عن حزنه العميق إزاء سقوط الأبرياء ضحايا في العملية البغيضة، مستنكرًا كل أنواع الإرهاب بقوله: "أستنكر بشدة كل أنواع الإرهاب بغض النظر عن هوية المنفذين والمستهدفين والغاية التي نفذ من أجلها".
واعتبر كولن كل أنواع الأعمال الإرهابية "أكبر خطر يهدد الأمن والسلام الإنساني"، مؤكدًا على ضرورة إدانة الأعمال الإرهابية كلها، وشجبها من قبل الجميع دون تقديم أي مبررات أو أعذار تبرر ذلك.

"ليست هناك وحشية أكبر من الإرهاب"

ذكر الأستاذ فتح الله كولن عبر بيان نشره اليوم أن : "الإرهاب أكبر تهديد للإنسان وحياته التي تعدّ من أسمى القيم الإنسانية في العالم، ولا يمكن لأي دين أو عقيدة أو رؤية أن تؤيد الإرهاب وتوافق على مثل هذه الجرائم الوحشية".
ولفت كولن إلى "أن نفس الإنسان وحياته مكرّمة ومعظّمة من قبل الله تعالى، وليس في هذا الأمر استثناء بسبب اللون أو الجنس أو الدين، يقول تعالى: (من قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس َجَمِيعًا)، فقد جعل الله تعالى  حياة الإنسان من أسمى وأرقى القيم التي يجب احترامها وحمايتها".
ولقد أكد الأستاذ كولن على أن "المسلم الحق لا يمكن إلا أن يكون ممثلاً للسلام وحارسًا للأمن والأمان. لذا، يستحيل أن يكون الإرهابي مسلمًا، ويستحيل أن يكون المسلم الحق إرهابيًّا".
هذا وختم الأستاذ فتح الله كولن بيانه بتعزية الشعب الفرنسي كافة قائلاً: "أرجو من الله عز  وجل الشفاء العاجل للمصابين جراء هذه العملية غير الإنسانية في باريس، وأن يلهم أهالي الضحايا والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند وكل الشعب الفرنسي الصبر والسلوان".

وفي الصدد نفسه تعرب مجلة حراء عن استنكارها لهذا العمل الإجرامي الأثيم مهما كان مرتكبوه وتقدم خالص التعازي لفرنسا حكومة وشعبا في الضحايا الأبرياء الذين سقطوا في هذا الهجوم الغاشم، وتتمنى للمصابين منهم الشفاء العاجل.

 

 

 

إقرأ المزيد

 في حياتنا الفكرية والثقافية نقاط كثيرة تظلّ مضطربة بين دوافع المدّ والجزر، بل تظل مبددة تائهة خلف كلمات وعبارات هي إلى الرمزية أقرب منها إلى الكلام المبين.

ولو كانت هذه النقاط هامشية في حياتنا الفكرية، إذن لهان الخطب، ولأجزنا لأنفسنا أن نجعل من موضوعاتها قصائد رمزية يفهمها كل سامع حسب ما يريد وينال الشاعر بذلك رضا الجميع. ولكنها نقاط تتضمن أهم، بل أخطر قضايانا المصيرية، ومن ثم فهي لا تحتمل إلا البيان الجازم والنصوص المحكمة القاطعة.

وفي نظري أن خير ما يُلجئ رجال الفكر والعلم في بلادنا إلى تجلية آرائهم حول هذه القضايا الأساسية وإلى الابتعاد عن استعمال العبارات ذات الدلالات العمومية أو الغامضة والمتشابهة، وإلى وضع النقاط على الحروف، وإنما هو الحوار .. الحوار الوجاهي بين ذوي الأفكار المتعارضة والمذاهب المتخالفة.

إذ الأساليب الرمزية والجمل الغامضة والمتشابهة، لا مكان لها بين طرفي حوار.وتلك هي مزية النقاش بين الأطراف، إنها تصقل الفكرة، وتصفيها من الشوائب وأسباب الغموض.

وإذا لم يتح لنا أن ننشئ مثل هذا الحوار في ندوات مفتوحة أو مساجلات منظمة ترعاها مجلات أو صحافة تُخلص في خدمة هذا الهدف القدسي العظيم، فلا أقل من أن نلاحق أولئك الذين ينثرون أفكارهم فوق المنابر السيارة المتحركة .. أولئك الذين ما يكادون يطرحون آراءهم حتى يولوا سراعاً مدبرين لا يلوون على أحد .. نسعى وراءهم ونسمعهم - جهد الاستطاعة - حوارنا ونقاشنا واستيضاحاتنا بروح علمية موضوعية هادئة.

لعلهم يلتفتون، فيتوقفون، فينصاعون إلى المناقشة والحوار، فتتضح المبهمات وتتلاقى الآراء وتجتمع الكلمة، ولئن لم يتم شيء من ذلك، فحسناً أننا قد أبرأنا الذمة، على طريقة ذلك الفقيه الذي قالوا إنه كان سائراً في طريق فمر به رجل أعجبته القلنسوة التي على رأسه، فخطفها وولى مسرعاً، فتبعه الفقيه ينادي: يا هذا، وهبتك القلنسوة، قل قبلت.

في حديث أو حوار صحافي قال الدكتور فواز زكريا رئيس قسم الفلسفة بجامعة الكويت: إن من أهم القضايا التي تنتظر الحلّ، مشكلة موقف الإنسان المعاصر من الدين، فمفكرو النهضة العربية المعاصرة لم يتخذوا موقفاً صريحاً وجريئاً من هذه القضايا إلى الآن .. ثم  قال: إنني وإن كنت لا أدعو إلى ثورة شاملة في هذا الميدان، ولكني على الأقل أدعو إلى فكر مستنير في الميدان الديني. وضرب المثل في الحلّ على الطريقة الأوربية؛ فقد اتخذ الأوربيون موقفاً صريحاً وحاسماً  من هذه القضية وحلوا المشكلة حلاً جذرياً عندما حدّوا من سلطان الدين، وأبعدوه عن التدخل في أمور الدولة وأمور العلم.

وأنا أوافق الدكتور زكريا على أن هذه المعضلة من أهم القضايا العربية التي تنتظر الحل. ولذا فقد كنت أتمنى أن يجعل منها موضوع محاضرة. في البلدة التي دعي أستاذاً زائراً إليها، وأجرى هذا الحديث الصحافي فيها، يدعى إليها لفيف ممن سماهم مفكروا النهضة العربية المعاصرة من مختلفي الأفكار والاتجاهات، ثم يجري حوار ونقاش علمي رزين بين الأطراف، حول ما قد يطرحه من قناعات وأفكار في هذه القضية .. وفي تصوري أن ثماراً إيجابية ذات أهمية ستتحق من وراء ذلك، ولسوف يصقل الحوار القضية المطروحةـ، ويبرز حجمها وجذورها، ويكشف عن الحل العلمي الأمثل لها.

ولكن الرجل لم يفعل ذلك، بل اكتفى بتحريك الموضوع واستثارة الأفكار إليه، بعبارات ملفوفة وإشارات لدنه ذات احتمالات متعددة.

ونظراً لقناعتي التامة، بأن المسألة تعدّ كما قال حقيقة من أهم القضايا التي تنتظر الحل، وأن على المفكرين اتخاذ موقف صريح وجريء منها، ورغبة مني في الاستجابة الصادقة لدعوته. أقول بكل موضوعية وتقدير: ها أنا ذا كواحد من هؤلاء المفكرين سأتخذ موقفاً صريحاً وحاسماً من هذه القضية ولسوف ابتعد، جهداً الاستطاعة عن استعمال العبارات الشمولية الغامضة أو المحتملة، ولسوف أكون أكثر جرأة وصراحة مما يريد الدكتور زكريا، ولسوف أبتعد جهد الاستطاعة عن استعمال العبارات ذات الدلالة الشمولية أو المعاني الغامضة والمحتملة.

ونظراً لقناعتي التامة، بأن المسألة تعد حقيقةً كما قال من أهم القضايا التي تنتظر الحل، وأن على المفكرين اتخاذ موقف صريح وجريء منها، أقول بكل موضوعية وتقدير:

إنني - كواحد من هؤلاء المفكرين - على استعداد لاتخاذ موقف أكثر صراحة وجرأة في هذه القضية مما يريده أستاذ الفلسفة في جامعة الكويت. ولسوف أضع النقاط جهد استطاعتي على الحروف، وابتعد عن استعمال تلك الجمل والعبارات الشمولية ذات الدلالات الغامضة أو المحتملة.

إن مما هو معروف بداهة أن الدين المتعامل به في حياة الأوربيين، وفي منظورهم الفكري، ظاهرة اجتماعية أفرزها الفكر الإنساني خلال القرون الغابرة، وإن كانت له جذور ذاتية لا علاقة لها بصنع الإنسان، فيما يراه المؤمنون منهم.

فمسيحية الغرب - فيما يعرفه الغربيون جميعاً - هي تلك صاغها بولص اليهودي وقسطنطين الروماني، والأناجيل المتدولة، ليست، فيما يعرفون ويعتقدون تعبيراً عن الوحي الذي كان يتنزل على سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وإنما هي كتابات ومذكرات لأولئك الذين يسمون بالرسول، جمعوا فيها أخبار المسيح وطائفة من أقواله.

ومن ثم، فإنهم لا ينظرون إلى التعاليم والمبادئ المسيحية، على أنها أوامر إلهية نزلت على بني إسرائيل أو على الناس عموماً بحيث لا يسعهم إلا تطبيقها والالتزام بها وإنما هي فيما يعتقدونه ويجزمون به، مجموعة أفكار وإلهامات وآراء متلاحقة ومتطورة، لقيت استجابة وقبولاً، ثم حظيت من المجامع الكنسية بالاحترام والتقديس. ومن هنا جاز لهم عموماً، وللباحثين الاجتماعيين منهم خصوصاً أن ينظروا إلى الدين المتعامل به في حياتهم على أنه ظاهرة اجتماعية من نسج الناس وصنعهم.

يقول جون ستوارت ميل في كتابه الحرية، جواباً لمن قد يقترح تحديد نوع الضرورات التي ينبغي أن تقيّد بها الحرية، في الآداب المسيحية، ولكي يزول اللجج والخصام في تحديد الضرورات بين فئات المجتمع، يقول تعليقاً على هذا الاقتراح:

إن ما يسميه الناس آداب المسيحية – وإن كان الأصح أن يسمى آداب الكهنوتية- ليس مما أخذ عن السيد المسيح ولا مما نقل عن الحوارين، بل هي آداب وضعتها الكنيسة الكاثوليكية على سبيل التدريج أثناء القرون الخمسة الأولى"

ومن هنا جاز لهم أن يجعلوا لأنفسهم سلطاناً في تطويره واستخدامه لما يرونه من منافعهم واتجاهاتهم وتوسيع أو تضييق مهامّه وصلاحيته، شأنهم في ذلك كشأن من قبلهم .. فليس غريباً ولا مستهجناً في المجتمع الغربي أن يقترح باحث قانوني أو عالم من علماء النفس أو الفلسفة مثلاً تغيير كثير من المبادئ والآداب المسيحية أو توجيهها وجهة مخالفة، إذ إن ذلك شأنهم، بل ربما كان داخلاً في صلاحياتهم الاجتماعية، وإن كان الأخذ بتلك المقترحات قد تحتاج إلى إجراءات محددّة.

يقول بنتام – وهو عالم بريطاني في الاجتماع والفلسفة والقانون: "يجب أن يكون سير الديانة موافقاً لمقتضى المنفعة، فالديانة باعتبارها مؤثراً تتركب من عقاب وجزاء، فعقابها يجب أن يكون موجهاً ضد الأعمال المضرة بالهيئة الاجتماعية فقط. وجزاؤها يكون موقوفاً على الأعمال التي تنفعها فقط. وهذه هي القاعدة الأولية، والطريقة الوحيدة في حكم سير الديانة هو النظر إليها من جهة الخبر السياسي في الأمة فقط. وما عدا ذلك لا يلتفت إليه" .

الخلاصة أن الدين المتعارف عليه عن الغربيين ليس أكثر من ظاهرة إنسانية.

ومن ثم فلا عجب أن يتخذوه أداة تسخير لبلوغ رغباتهم وتحقيق أفكارهم، بل لا غرابة في تطويعه لاتخاذ عوناً لتحقيق الكثير من أهوائهم ونزواتهم ونلتفت الآن إلى الإسلام الذي هو الدين الذي يعتنقه الغالبية العظمى من سكان البلاد العربية والإسلامية، ونتساءل - بحكم ما رأيناه من واقع الدين في المجتمعات الغربية - كيف ينبغي أن نتعامل مع الإسلام هنا؟.. أنتعامل معه هو الآخر على أنه ظاهرة إنسانية واجتماعية فنستخدمه نحن أيضاً أداة لتحقيق اتجاهاتنا السياسية والاجتماعية وقناعاتنا الفكرية، ثم نقدّره ونلتزم به ضمن هذا النطاق؟

إن الإجابة العلمية والمنهجية عن هذا السؤال نقيض - بدون ريب - أن نبدأ فننظر إلى الإسلام الذي نتعامل معه وندين به: ما هو وما حقيقته؟ ننظر إليه من خلال دراسة علمية حيادية دقيقة. فإن تبين أنه هو الآخر ليس أكثر من ظاهرة اجتماعية تجمعت من إبداعات الفكر الإنساني وصنعه خلال القرون المتصرّمة، فإني عندئذ لا أدعو إلى الحدّ من سلطانه فحسب، بل لا بدّ أن أذهب، بكل قناعة فكرية وطمأنينة وجدانية إلى ضرورة التخلص من سائر قيوده وأثقاله، مردداً مع (سارتر) أطروحته التي يقول فيها (إن من العبث أن نبحث عن قيم نقيد أنفسنا بها في عالم لا وجود فيه للخالق).

أجل.. فإن ذلك أحرى من أن نجامل قيماً لا وجود لها، حتى وإن حصرنا وجودها في المعابد وربطناها بموازين التربية والأخلاق، كما يفعل الغربيون، بحجة أن الدين عندهم وإن كان لا يتفق مع العلم ومقتضاياته، إلا أنه في جملته ذريعة إلى الخير والحب وتصعيد الوجدان.

وما من ريب في أن اتفاقنا على اتخاذ ضوابط وقيود تحقق ما نراه مصلحة لنا، خير من أن نربط أنفسنا بقيود وضوابط لا يربطنا بها إلا وهم أنها ضوابط دينية منزلة من عند الله.

أم إن قضى قرار البحث العلمي الموضوعي المتجرد من أي أسبقيات فكرية ونفسية بأن الإسلام في أصوله الاعتقادية وبنيانه التشريعي، واقع ذاتي، ذو وجود موضوعي خارج ومستقل عن ذهن الإنسان وكيانه، وأنه ليس حصيل الفكر الإنساني وإبداعه، فلا مناص عندئذ - إن أردنا أن نكون علميين وموضوعين حقاً - من الخضوع لسلطانه والتقيد بأحكامه، كما لا مفر لنا من الخضوع لأي ناموس أو نظام كوني مشاهد أمامنا ذي وجود خارجي عن تصورتنا وأذهاننا، ويغدو السعي في إقناع الغربيين وتقليدهم – والحالة هذه - عبثاً سخيفاً ومضحكاً، لا يعبّر إلا عن ذلّ المهانة والتبعية العمياء في نفوسنا.

المصدر: نسيم الشام

 

 

 

إقرأ المزيد

 إن كنتَ ترغبُ أن تفهم كيف أن الإيمانَ باللّٰه وباليوم الآخر، أثمنُ مفتاحَين يحلاّن لروح البشر طلسمَ الكون ولُغزَه، ويفتحان أمامها باب السعادة والهناء.. وكيف أن توكّل الإنسان على خالقه صابرا، والرجاءَ من رزّاقه شاكرا، أنفعُ علاجين ناجعين.. وأن الإنصاتَ إلى القرآن الكريم، والانقيادَ لحكمه، وأداء الصلوات وترك الكبائر، أغلى زاد للآخرة، وأسطعُ نور للقبر، وأيسرُ تذكرةِ مرور في رحلة الخلود.

أجل، إن كنتَ تريد أن تفهم هذه الأمورَ كلها؛ فأنصت معي إلى هذه الحكاية التمثيلية القصيرة:

وقع جندي -في الحرب العالمية- في مأزق عصيب ووضع محيّر، إذ أصبح جريحا بجرحين غائرين في يمينه وفي شماله. وخلفَه أسد هصور يوشك أن ينقضّ عليه. وأمامَه مشنقة تُبيد جميع أحبته وتنتظره أيضا، زد على ذلك كانت أمامَه رحلةُ نفي شاقة طويلة رغم وضعه الفظيع المؤلم!.. وبينما كان هذا المسكين المبتلى مستغرقا في تفكير يائس من واقعه المُفجع هذا، إذا برجل خيّرٍ كأنه الخضر عليه السلام يتلألأ وجهُه نورا يظهر عن يمينه ويخاطبه:

"لا تيأس ولا تقنط. سأعلّمك طلسمين اثنين، إن أحسنتَ اســتعمالهما ينقلب ذلك الأسدُ فرسا أمينا مسـخرا لخدمتك، وتتحول تلك المشــنـقـةُ أرجوحة مريحة لطيفة تأنس بها، وسأناولك دواءيـن اثنين، إن أحسنت استعمالهما يصيّران جرحَيك المنتنين زهرتين شذّيتين، وسأزوّدك بتذكرة سفر تستطيع بها أن تقطع مسافةَ سنة كاملة في يوم واحد كأنك تطير. وإن لم تُصدّق بما أقول فجرّبـه مرةً، وتيقَّن من صـحته وصدقه".

فجرَّب الجندي شيئا منه، فرآه صدقا وصوابا.

نعم، وأنا كذلك -هذا المسكين "سعيد"- أصدّقه، لأنني جربتُه قليلا، فرأيته صدقا وحقا خالصا.

ثم، على حين غرة رأى رجلا لعوبا دسّاسا -كأنه الشيطان- يأتيه من جهة اليسار مع زينة فاخرة، وصور جذابة، ومُسْكِرات مغرية، ووقف قبالته يدعوه:

- إليّ إليّ أيها الصديق، أقبِل لِنَلْهُ معا ونستمتع بصوَر الحسناوات هذه، ونطرب بسماع هذه الألوان من الأغاني ونتلذذ بهذه المأكولات اللذيذة. ولكن يا هذا! ما هذه التمتمة التي ترددها؟!

- إنه طلسم ولغز!

- دع عنك هذا الشيء الغامض، فلا تعكّر صفو لذتنا، وأنسَ نشوتنا الحاضرة.. يا هذا.. وما ذلك بيدك؟

- إنه دواء!

- ارمِه بعيدا، إنك سالم صحيح ما بك شيء، ونحن في ساعة طرب وأنس ومتعة. وما هذه البطاقة ذات العلامات الخمس؟

- إنها تذكرة سفر، وأمر إداري للتوظيف!

- مزّقها، فلسنا بحاجة إلى سفر في هذا الربيع الزاهي!

وهكذا حاول بكل مكرٍ وخديعة أن يقنع الجندي، حتى بدأ ذلك المسكين يركَن شيئا قليلا إلى كلامه.

نعم، إن الإنسان ينخدع، ولقد خُدعتُ أنا كذلك لمثل هذا الماكر!

وفجأة دوّى صوت كالرعد عن يمينه يحذّره:

- إياك أن تنخدع! قل لذلك الماكر الخبيث:

- إن كنتَ تستطيع قتلَ الأسد الرابـض خلفي، وأن ترفع أعواد المشنقة من أمامي، وأن تبرأني من جرحَيّ الغائرين في يميني وشمالي، وأن تحول بيني وبين رحلتي الشاقة الطويلة.. نعم إن كنتَ تقدر على إيجاد سبيل لكل هذا فهيا أرنِيهِ، وهات ما لديك، ولك بعد ذلك أن تدعوني إلى اللّهو والطرب، وإلاّ فاسكت أيها الأبله، ليتكلم هذا الرجل السامي -الشبيه بالخضر- ليقول ما يروم.

فيا نفسي الباكية على ما ضحِكتْ أيام شبابها. اعلمي أن ذلك الجندي المسكين المتورط هو أنتِ، وهو الإنسان.. وأن ذلك الأسد هو الأجـل.. وأن أعواد المشنقة تلك هي الموت والزوال والفراق الذي تذوقُه كلُّ نفس.. ألاَ تَرَين كيف يفارقنا كلُّ حبيب إثر حبيب ويودّعنا ليلَ نهار..؟ أما الجرحان العميقان، فأحدهما العجزُ البشري المزعج الذي لا حدّ له. والآخر هو الفقرُ الإنساني المؤلم الذي لا نهاية له. أما ذلك النفي والسفر المديد فهو رحلة الامتحان والابتلاء الطويلة لهذا الإنسان، التي تنطلق من عالم الأرواح مارةً من رَحِم الأم ومن الطفولة والصبا ثم من الشيخوخة ومن الدنيا ثم من القبر والبرزخ ومن الحشر والصراط.

وأما الطلسمان فهما الإيمان باللّٰه وباليوم الآخر. نعم، إن الموت بهذا الطلسم القدسي يلبس صورةَ فرسٍ مسخّر بدلا عن الأسد، بل يتخذ صورةَ بُراق يُخرج الإنسانَ المؤمن من سجن الدنيا إلى روضة الجنان، إلى روضة الرحمن ذي الجلال. ومن هنا كان الكاملون من الناس يحبّون الموت ويطلبونه حيث رأوا حقيقتَه. ثم إن سير الزمان ومرورَه على كل شيء ونفوذَ الزوال والفراق والموت والوفاة فيه يتخذ بهذا الطلسم الإيماني صورةً وضّاءة حيث تحفِّز الإنسانَ إلى رؤية الجِدَّة بتجدد كل شيء، بل يكون مبعثَ التأمل في ألوان مختلفة متنوعة وأنواع متباينة لمعجزات إبداع الخالق ذي الجلال وخوارق قدرته، وتجليات رحمته سبحانه ومشاهدتها باستمتاع وبهجة كاملين. بمثل ما يُضفي تبدُّلُ المرايا العاكسة لألوان نور الشمس، وتغيّر الصور في شاشة السينما من جمال وروعة إلى تكوّن المناظر الجذابة وتشكلها. أما ذانك العلاجان: فأحدهما التوكل على اللّٰه والتحلي بالصبر، أي الاستنادُ إلى قدرة الخالق الكريم والثقةُ بحكمته سبحانه.

- أهو كذلك؟

نعم، إنّ من يعتمد بهوّية "عجزه" على سلطان الكون الذي بيده أمر ﴿كُن فَيَكُونُ﴾ كيف يجزع ويضطرب؟ بل يثبت أمام أشدّ المصائب، واثقا باللّٰه ربه، مطمئنّ البال مرتـاحَ القلب وهو يردد: ﴿إنّـا لِلّٰهِ وَإنّـا إلَيـهِ رَاجِعُونَ﴾(البقرة: 156).

نعم، إن العارف باللّٰه يتلذذ من عجزه وخوفه من اللّٰه سبحانه. وحقا إن في الخوف لذةً! فلو تمكنّا من الاستفسار من طفل له من العمر سنة واحدة مفترضين فيه العقلَ والكلام: "ما أطيب حالاتك وألـذّها؟" فربما يكـون جوابُه: "هو عندما ألوذ بصدر أمي الحنون بخوفي ورجائي وعجزي.". علما أن رحمةَ جميع الوالدات وحنانَهن ما هي إلاّ لمعةُ تجلٍّ من تجليات الرحمة الإلهية الواسعة.

ومن هنا وجَد الذين كَمُل إيمانُهم لذةً تفوق أية لذة كانت في العجز ومخافة اللّٰه، حتى إنهم تبرّؤوا إلى اللّٰه براءةً خالصة من حَولهم وقوتهم ولاذوا بعجزهم إليه تعالى واستعاذوا به وحده، مقدِّمين هذا العجز والخوف وسيلتين وشفيعين لهم عند البارئ الجليل.

أما العلاج الآخر فهو الدعاءُ والسؤال ثم القناعةُ بالعطاء، والشكرُ عليه والثقةُ برحمة الرزاق الرحيم.

- أهوَ هكذا ؟

نعم، إن من كان ضيفا لدى الذي فَرَش له وجه الأرض مائدةً حافلة بالنِعم، وجعل الربيعَ كأنه باقة أنيقة من الورود ووضعها بجانب تلك المائدة العامرة بل نثَرها عليها.. إنّ مَن كان ضيفا عند هذا الجواد الكريم جلّ وعلا كيف يكون الفقر والحاجة لديه مؤلما وثقيلا؟ بل يتخذ فقرَه وفاقَته إليه سبحانه صورةَ مُشهٍّ لتناول النِعم. فيسعى إلى الاستزادة من تلك الفاقة كمن يستزيد من شهيّته. وهنا يكمن سبب افتخار الكاملين واعتزازهم بالفقر إلى اللّٰه تعالى. "وإياك أن تظن خلاف ما نقصد بالفقر، إنه استشعار الإنسان بالفقر إليه سبحانه والتضرع إليه وحده والسؤال منه، وليس المقصود إظهار الفقر إلى الناس والتذلل لهم والسؤال منهم بالتسول والاستجداء!".

أما ذلك المستَنَد أو الأمر الإداري أو البطاقة فهو أداءُ الفرائض وفي مقدمتها الصلوات الخمس واجتناب الكبائر.

- أهوَ هكذا ؟

نعم، إن جميع أهل الاختصاص والشهود وجميع أهل الذوق والكشف من العلماء المدققين والأولياء الصالحين متفقون على أنّ زادَ طريق أبد الآباد، وذخيرةَ تلك الرحلة الطويلة المظلمة ونورَها وبُراقَها ليس إلاّ امتثال أوامر القرآن الكريم واجتناب نواهيه، وإلاّ فلا يُغني العلمُ والفلسفة والمهارة والحكمة شيئا في تلك الرحلة، بل تقف جميعُها منطفئةَ الأضواء عند باب القبر.

فيا نفسي الكسول! ما أخفّ أداء الصلوات الخمس واجتناب الكبائر السّبع وما أريَحَها وأيسرَها أمام عِظَم فوائدها وثمراتها وضرورتها! إن كنتِ فَطِنةً تفهمين ذلك. ألاَ قولي لمن يدعوكِ إلى الفسق واللّهو والسفاهة، وإلى ذلك الشيطان الخبيث الماكر:

لو كانت لديك وسيلة لقتل الموت، ولإزالة الزوال عن الدنيا، ولو كان عندك دواء لرفع العجز والفقر عن البشرية، ووساطة لغلق باب القبر إلى الأبد، فهاتها إذن وقُلْها لأسمع وأطيع.. وإلاّ فاخرس، فإن القرآن الكريم يتلو آيات الكائنات في مسجد الكون الكبير هذا. فلننصت إليه، ولنتنّور بنوره، ولنعمل بهديه الحكيم، حتى يكون لسانُنا رطبا بذكره وتلاوته.

نعم، إن الكلام كلامُه. فهو الحقُّ، وهو الذي يُظهر الحقيقةَ وينشر آيات نور الحكمة.

 

 

 

إقرأ المزيد
الصفحة 1 من 198