فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف مميز

مركز الدراسات - الثلاثاء, 25 تشرين2/نوفمبر 2014
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

أرسى داعية الإيمان فتح الله كولن أسس الخدمة الدعوية، وفتح آفاقها الحيوية، وأعطاها الطابع النهضوي المناسب لروح العصر، بعد أن خرج من العراك المرير متوّجا بالنصر، حائزا على اعتراف الجماهير، بل واعتراف الخصوم الذين اضطرتهم جلائل الأعمال التي طفقت خدمته تدشنها على مستوى تركيا وأقطار أخرى تركمانية وإسلامية أولا، ثم بما أخذته من أبعاد توسعية عبَرَت إلى بقاع عدة في القارات، وهي لا تزال تتوسع بحركة دينامية ذاتية وضع كولن خطتها، ويرابط يتابعها، بحيث باتت التدشينات تتضاعف بوتيرة مباركة، وتشمل مجال قطاعات التربية والثقافة والإنشاءات الاجتماعية والتجهيزية المختلفة فضلا عن بث الدعوة ونشر السلام.

منهج خدمة فتح الله كولن يُعَدُّ فلسفة انفتحت على اجتهادات بنائية كثيرة؛ إذ التفت كُولَن إلى سجل وطنه مستلهما همة الأسلاف الأفاضل من بني عثمان، آخذا في الاعتبار شتّى المنجزات التي حققوها كاملة أو جزئيّا، وتحسس الأماني التي تاقت إليها الأجيال وطمح إليها الرجال المصلحون، فتبنّاها، وأضاف إليها ما هدته إليه عبقريته التأطيرية من استشرافات وتفتيقات في مجال النهضة.. ثم انبرى يصنع الفجر، وينسج الملحمة من خلال ما أرسى من مجمَّعات تنوير، وما ركّب من مرافق خدمة، وما أقام من شبكات تأثيث متعددة الأداءات، فاسحا الطريق في وجه الطاقات الخيرية لتباشر عهدا ميمونا من العطاء والإثمار والإحسان.

لقد هيّأ كُولَن الشروط التي تستقطب الأفواج والطوابير من أولي المحظوظية، ليحقّقوا معنى الذات الفاعلة، ويعرفوا كنه الوجود الحق، ويتذوّقوا الشهد الذي تُولّده رهانات الخدمة وينتجه البذل (الجهدي والمالي) في سبيل الله.. لقد شقّ كولن طريقًا سيارا يتسابق فيه أهل اليسار والوسع، فيكتتبون لأنفسهم في سجل الخيرين الذين اختاروا أن يستثمروا في حقل مثمر، فيُقرضوا اللهَ قَرضا حسنا يضاعفه لهم.

أقل ما يسوغ التنويه به إزاء منجزات كُولَن، أنه انتهى بجولة العراك إلى المنتهى الذي استخزت به قوى الشر، حيث ألقت أسلحتها وانجحرت في أشنع مظاهر الاندحار، ناكلة عن المضيّ في المكابرة والمخادعة وتغليط الجماهير بصلاحية سياساتها الضالة.

من طيّ ظلمات الردة والتغريب، بزغ كُولن فتحا دعَويا مبينا، يكفل للجماعات والجماهير المهيّأة للعمل الخدمي والدعوة إلى الله، أن تشق الطريق، وتسدد نحو النهضة التي تولّد المرافق الروحية والمؤسسات الاجتماعية والمجاميع التكوينية والتنويرية التي ينهض صرح الإيمان على أرضيّتها من جديد، ويستأنف مساره نحو العالمية.

القطاعات الواسعة من ذوي الإحسان كان الضلال الأيديولوجي يكبّلهم ويسدّ الطريق في وجوههم أن يسهموا في البناء، بدعوى أن الدين ينافي التقدم، ويوقع الجماهير في التخلف.

الباعث الأبرز الذي جعل الخصوم يُقْصُون أهلَ الإيمان عن الحلبة، هو يقينهم من أن إمكانات المؤمنين لا تجارى، وأهليتهم لا تبارى.. إذ ليس مَن يقف نفسه على طاعة الله ومحبّة رسوله، ويعيش الإيثار والتعفّف والبذل لأجل مرضاة الله، كمَن يعيش الأثرة والضلال الروحي والعجز والقصور في مجال القيادة والإستراتيجية والسير بالأمة على طريق النهوض.

ها عقود وعقود سلخناها نسير في ركاب المضللين، فإذا بالبلاد خراب، والإفلاس على الأبواب، وأحوال من التصحُّر في القيم والمثل الإنسانية تشمل المجتمع.. قد زايلتنا المكارم التي كانت فيما مضى من العهود عنوان النخوة والكمال، بعد أن حدا بنا حداة سوء، زيّنوا لنا التخلّي عن العقيدة التي كانت أساس تفوّقنا، وعلّة استقطابنا للأمم من حولنا.

أمام ما حقّقته ولا تزال تحققه رؤية كُولن من جلائل الأعمال والفتوحات، انخذلت قوى الضلال، وتصاغرت كثير من الجهات التي طفقت تتوشح بشعارات الإسلام لمقاصد بعيدة عن خدمة الإسلام.

وإنه لمعطيات مبشرة أن ينفسح المجال أمام المسلمين، وتزول كثير من عوائق الكبح التي كرّستها أنظمة متسلطة ائتمرت بأوامر الغرب، وسارت في اتّجاه مضاد للتاريخ وقدسيّة الرسالة التي ائْتَمَنَنَا عليها الإسلام، ولَحمتْنا بها لواحمُ التكوين ووشائج النسب والانتماء العضوي.

يمكن القول إننا اليوم -في وتيرة ثوْرات الربيع العربي[1]- نحيا طفرة الانتقال من وضعية ردّ الفعل والمدافعة من موقع الانحباس تحت طوائل العسف والقهر، إلى رحاب الفعل وممارسة السياسة، بعيدا عن أي عائق إلا عائق الأهلية؛ إذ انعدام الأهلية أو بالأحرى قابلية البناء، هو الخطر الذي يهدّد الرصيد النضالي والمكاسب السياسية المستحصلة بالمعاناة والمجاهدة.

فليس أشنع ولا أسوأ من أن نرى الأجنحة الإسلامية تستلم الراية وقيادة الجماهير في هذه البلاد التي اجتاحتها الثورة الشبابية، ثم لا تلبث أن تنتكس وتخور -لا قدّر الله- وتعجز عن قيادة الجماهير على درب الإيمان والتعمير وبناء النموذج المدَني الكامل والقمين بشد الأنظار إليه.

 إن شرط الخلوص القلبي الذي يُمَعْيِرُ به كُولن الجهد والخدمة، هو الذي تغدو فيه رقابة الله للفعل الذي نؤديه، وللعمل الذي ننجزه، هي ما يحكمنا ويحدونا في مهامنا قبل أي رقابة أخرى تتابعنا أو تفتّش وراءنا.

إن كل إنجاز في مجال المدنية والإيمان يحقّقه المسلمون في مجتمعاتهم، لمن شأنه أن يكتسب قوة الرمز ويتلبَّس صبغة الإشهار العالمي الذي يلفت البشر إلى حقيقة الإسلام. إن العالم بات قرية، وإن أقطارنا الإسلامية هي مجرد حيّ من هذه القرية، وكل تشييد ينجز على صعيد حيّنا، سيستقطب السابلة ويحرك فضولها للتعرف على مكامن الفضل فينا.

التأسيس للحراك والنهضوي المعاصر

لم يفتأ كُولَن منذ النعومة ينحت الصخر، ويشق بأظافره المعابر التي تخرج الأمة من قاع الظلمات الذي أهْوَتْ فيه. واليوم -وقد هيأ كولن الأجنحة، وأنشأ الوسائل، وأرسى المؤسّسات المكلّفة بالخدمة- ها هو يرابط من صومعته، يتابع الزحف، يقود بنفسه معركة التعمير الروحي والمادي المباركة، يوجّه الميمنة والميسرة، ويعزز المقدمة، ويحرك الساقة لدعم القلب، كلما بدت ثغرة أو لاح اختلال.

على نفس الأرض التي حرّرها الفاتح من ليل التخلّف، وعبر بحرها بجيش البناء إلى أعماق أُوربا، رابط كُولَن، وانتصب يحقّق فتوحا في مجال خدمة الإيمان ونشر رسالته إلى العالمين؛ بل هي مسيرة كمسيرة إسكندر أو مسيرة ذِي القَرنَين، تنطلق من ذات الصعيد البرزخي، لكنّها تحمل في هذه الجولة مشعل الخير، لا لتغزو وتحقّق السؤدد الشخصي الزائل، ولكن لتُرسي كلمة الله في القارات، ولترهص لقيام نهضة الإسلام الحضاري، واستعادته الريادة التي فقَدَها منذ قرون.

بل إنها مسيرة تمضي على نفس خطى أبي أيوب الانصاري وخطى من تلاه من الزاحفين الجبارين، وتيمم براية النور نحو ربوع المعمورة.

كل مقال افتتاحيّ لصحيفة أو نشرة إعلامية خِدمية، وكل محاضرة يلقيها في حلقة المحبّين، وكل فصل في كتاب مرقوم مما لا يفتأ يُصدِره كُولن، هو بيان مشحون بواردات الحال التي عاشها هذا الرباني، وتلقاها في دورة الأيام والأسابيع التي تنقضي عليه وهو في المعتكف.

توْقيتية يوم كولن تسير على وتيرة (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ)(الانشراح:7-8). ولذا هو يوصي العاملين في حقل الخدمة أن ينضبطوا بهذا التوجيه القرآني الذي وزع الأجندة اليومية للمسلم على منوال من العمل والعبادة.

لا عُشّ لهذا الربّاني ولا أهل ولا دار، لأن الانخراط جذري، والمسؤولية فادحة، والرهان مصيري، لا يحتمل أن يكون معه قرين ينازعه الحب والأولوية والأسبقية، ذلك لأن حب الأهل والمتاع غالبا ما يتحول إلى امتحان[2]، يعيق عن الاستماتة وبذل المُهجة.

لا يزال يُقَطِّر في السطور والكلمات جام ترشُّحات روح تتوزعها تجاذبات التبتّل في مصلى الاستمداد، وجولات الكر على جبهات التخلف والقعود.

بروز القائد الرباني في الأمة هو تكرُّمٌ إلهيّ وحظ يتأتى للجماهير، لأن التجنيد وراء الربانيين أهل النعرة، ميمون الطالع، مكفول العاقبة، مثمر النتيجة، وغير محبط في كل الأحوال؛ ذلك لأن الإيمان يجعل الباذلين والمجندين وراءه، يضعون في الحساب -ومن أول الطريق- اليقين من نيل الجزاء البعدي، ويركّزون عليه، وبذلك تسكنهم الطمأنينة إزاء ما بذلوا، إذ يدركون أنهم، حتى في حالة إن فاتهم تحصيل المردودية العملية ومشاهدة إيناع ما غرسوا، فإنّهم واثقون من حصول المثوبة من ربّ كريم. فرهانهم أخرويّ، واحتسابهم لله وحده.

دور المثقف في النهضة

لقد زحف الغرب واحتل الأوطان وأورثنا طبيعة سلبية قطعَتْنا عن إرثنا ونظمنا، وغرست فينا قابلية استنساخ قيمه واحتذائه في عوائده، فأضحت النخب مستلبة، قصاراها أن تسدد في رهاناتها على مقاساته وتوجهاته، يحملها على ذلك الاستنساخ ما تراه عليه من تطور، فيتهيأ لها أنها بذلك التشبُّه السطحي ستحقق النهضة، ناسية أن النظم والثقافات، وإن توسعت من حيث أصداؤها وآثارها وانتشارها، إلا أن اغتراسها لا يكون أصيلا في تربة خارج تربتها الأم. وإن الديمقراطية التي قضى بها الغرب أطوارًا من التفاهم والسلم الداخلي والإنجازات التداولية، نراها اليوم تتكشف هناك في موطنها بالغرب ذاته، عن مطاعن وإعلالات عضوية فادحة؛ إذ إن لعبة الأحزاب في بلاد الغرب لا تَسْلَم من الانسياق لقوى خفية تتمثل في لوبيات تتحكم في حركة المجتمع وتدير لعبة التداول وترجح الكفة في المقام الأول، ليس في اتجاه ما يصلح أحوال الشعوب، وإنما لصالح تلك اللوبيات ذاتها، لكن بمخادعة تمويهية توهم الشعوب وتصور لها أن السجال الحزبي، هو عنوان الحرية والتنافس النـزيه. إن في الديمقراطية حسابات تضبطها وتتحكم فيها قوى المال والإعلام والفن وقوى تجارية شتى.. فهذه القوى العالمية هي التي تصنع الأيديولوجيات، وإن قبضتها في هذا المجال لواضحة.

ستمضي علينا عقود ونحن سادرون في لعبة تعلم ديمقراطية الغرب، حتى إذا حذقناها، وجدنا الغرب في أطوار أخرى، سنحاول أيضا اصطناعها تشبها به، وهكذا، بحيث ستمضي المراحل وهَمُّنا هو تلقّي المدنية والنظم والقيم من الآخر، لا يؤثر فينا ما نراه عليه من ترنح، إذ إن مدنيته الماضية على طريق التحلل من قيم الحق، انتهت إلى مرحلة التراجع، وهو يسعى اليوم إلى أن يجدد من حيويتها، لكن حتمية انطواء الكتاب[3]، يجعله يعجز، ما لم يغير من روح هذه المدنية نحو الوجهة التي تتصالح فيها مع المثل الإنسانية، وتتخلى عن الرعونة والتربب والضلال.

الأمة المسلمة مطالبة بأن تؤصل نهضة عالمية ثانية[4]، وترسي لها نظما نابعة من روح شريعتها.. فمبْدأ خشية الله والإيمان به، ركْن مركزي في أي رهان يراد له أن يكون فتحا حقيقيا ينعطف بالإنسانية نحو السعادة المنشودة؛ بل إن خشية الله هي الركيزة التي تستتب بها سائر التوازنات التي تكفل الخير للإنسانية، وتضمن الكمال والعدل والأخوة لبَني البشر.

لا ريب أن كُولَن يستشرف هذه الآفاق التي باتت مفتوحة حيالنا، والتي نَعْشَى أن نراها نحن الذين ترسَّبَ في أعماقنا اليأسُ من النهوض.. فكُولَن يؤمن بأن الأمّة المحمدية قد حان دورها في الانطلاق، وأن قانون التداول على البناء الحضاري الكوني، قد آذننا تارة أخرى، وهو يحدونا اليوم أكثر من أي وقت مضى، إلى أن ننبري لإقامة النهضة العالمية الثانية.. هذه النهضة التي لا مناص من أن نظل ماسكين بزمامها على الطريق القويم، بحكم الموثق وبالنظر إلى أهلية وعالمية عقيدة الإسلام التي شرّفنا بها، والتي ستظل هي عامل الانبعاثات الحضارية التقويمية على مر العهود والعصور، وستبقى مصدر الوثبات التي نستقل بها القطار كلما عثر بنا القدم، فبفضل هذه العقيدة لن يقعد بنا أي تخلف أو انحطاط -مهما طال- عن الانتفاض وتجديد العزيمة، فنحن أشبه بمن ملك عنصر النار، لن يعدم توليد الطاقة أبدا.

وحتى يدور المحرك ويتسارع الزحف، لا بدّ من أن تتضافر جهود الأمة وتتشابك الأيدي والقلوب وتركز على هدف الانبعاث الذي سيخلصنا جميعا من الخذلان.

إن من واجب النخب العربية أن تعزز التقارب بين أقطار الأمة المسلمة. واليوم إزاء تركيا بتوجهها الجديد، والميمون، يجب علينا أن نعمل على تقوية التقارب، بل وعلى تحقيق الاندماج. ولن يضيرنا -إذا ما كنا أهل استشراف سديد- أن نتقارب مع تركيا حتى ولو -افتراضا- نجحت في الالتحاق بالحظيرة الأوروبية، ذلك لأن أي تحصيل ارتقائي يصيب جناحا من الأمّة، ينعكس حتما على باقي الأمة، ولو معنويًّا.

 

لنا العبرة في الغرب الذي يتأجّج بينه استعار التنافس الاقتصادي، لكنه يقدم مبدأ التضامن على مبدإ التفرق؛ إذ كل نجاح تحققه إحدى دوله يوظفه الغرب اليوم في تعزيز البناء المشترك، ألا نراهم والأزمة تعصف بهم، والشعوب -تحت ضغط البطالة- تدعو إلى الانكفاء القطري، لا يفتأون يضخّون المئات من الملايير، استنقاذا لميزانيات الدول التي انهارت خططها.

مسؤولية المثقفين العرب أن يتجاوزوا مطبات التنفير والتخويف وإثارة النعرات الشوفينية والعرقية وخلافات الماضي وسقطات التاريخ، ولنا أن نقتدي بالغرب أيضا في الروح التي تجاوز بها تَكَبُّداتِه في حروبه المدمّرة؛ إن ألْمانيا وفرنْسا تترابطان اليوم بوحدة عضوية تمليها المصالح والإستراتيجية، لأن الفرقة تعني الضعف وفقدان المكانة الدولية.. إن وحدتهم تضمن لهم السور الذي يقيهم التجاوز الذي يتهدّدهم من قِبل الدول الناهضة شرقًا وجنوبًا.

إن التكفف الذي يراه كُولن سمةً واجبة ولازمة في الإنسان باني الحضارة المنشودة، يشمل مجال القول أيضا؛ فليس الإشباع الجسدي وحده مخلا بالفاعلية لدى الإنسان، إنما القول حين يغدو لغوًا، ويضحي هَدْرة، وتقصير أوقات، وتفقيرا فكريًّا وقيميًا

لقد ورثنا ثقة ساذجة واعتقادا أعمى في مثالية النظم الغربية التي حكَمَنا بها، وفي سياساته وديمقراطيته، وتجمَّدْنا عندها؛ فتَوَطَّنَتْنا روح الانكفاء العرقي والتقزّم القطري، ولم تكن الأمة إلا ملة واحدة حتى حين كانت تحكمها خلائف ودول وأسر تتوزع الملك بينها. فالشعوب والحركة والتعامل والشعور الراسخ، والانفتاح الإقليمي والجغرافي بين أبناء الأمّة وعلمائها وتجارها وطلابها وخبرائها، ظل يحتفظ بالجسرية البينية التي استندت على دعائم العقيدة الواحدة، واليقين بالمصير المشترك. ولقد ظلت العربية لسان الجامعات المسلمة، وكان في ذلك التوحد اللساني ضمانا كبيرا لوحدة الشعور.. وإن الضرورات والضغوط لتزداد اليوم إلحاحا، لتجعل من العربية والقرآن والحس المشترك عوامل التوحد والتأحد، التي لن يغفر لنا التاريخ التهاون في إرسائها.

إن الابتزاز الذي نراه يزداد علينا شراسة، والقبول المذهل لوضع الفريسة التي نحن عليها حيال وحشية رأسمالية غاشمة، تقتضي منا العمل السريع والجاد والصارم على تخليص أنفسنا من براثنه. إن فَرْشَةَ[5] النفط وحدها هي التي تجعل شعوبا منا لا تستشعر اليوم ما يقع لها بأنياب الغرب.. وإن ثروة النفط لا ينبغي أن تنفد دون أن تفيد منها الأمة ما يساعد على تحقيق النهضة التي تجعلنا في مصاف الأمة الواقفة.

إن مناشدات التقارب والاندماج التي ينادي بها كُولن، تندرج ضمن هذا المنظور الخلاصي الذي لا بدّ وأن يثير قلَق القوى التي تجد في الوضع التفكّكي دوام مصالحها النخبوية.

 لا بدّ أن يشتغل أهل الثقافة والفكر والفن، فضلا عن الساسة والباحثين في المصير الأممي، على إبراز المكاسب التي تجنيها الأمة حين تتداعى إلى الترابط والتقارب.

إن إثارة غبار العرْقية، والعنصرية، والإحَنِ -التي لا بدّ أن يطويها النسيان-، والاعتراض المعلن أو المقنَّع على دعوات الاندماج والتخطيط المشترك، هو الرد الطبيعي الذي لا يفتأ يسوِّغ به أهل النظر القصير سياساتهم الانعزالية، ويموّهون به على حساباتهم الخاطئة.

إن العولمة تفرض علينا أن نرسم بيداغوجية تعليمية وإعلامية يكون حجر الزاوية فيها هو تلقين الشعوب والناشئة حتمية العمل الجاد على تحقيق التلاقي والتقارب والترابط العضوي، ذبا عن المكانة، وكفالة لأسباب البقاء.

إن مفهوم الوطنية لا يلغي استراتيجية الاستقواء بِالأخ، ومَدِّ اليمين إليه. إننا نرى أوروبا تمسح اليوم ديونًا أسطورية لدولة اليونان، دعما لجدار الوحدة بين شعوب القارة العجوز.

لا زلنا نسمع في همس الأبواق التي لا بعد نظر لها، أن الدعوة إلى التقارب التركي العربي خطّة تحمل في طياتها العمل على إحياء دولة الخلافة. إن الغرب اليوم يبني خلافته، وهو يحترق كي يضمن لها الْمتانة، لأنه يراها السدّ المنيع الذي يحفظ له سؤدده ومكانته الدولية.

إن الحلم برجعة الخلافة أمر غير وارد، لأن التاريخ لا يتراجع إلى وراء، وظروف اليوم غيرها أمس.. إنما حلم الأمة أن تقيم النظام الجماعي، التجمّعي، الذي يكفل لها العزة، كيفما كانت تسمية وشكل هذا النظام التجمعي، الجماعي، حلم يثوي في جوانح كل مسلم، بله الطوائف المتنورة من أبناء الإسلام.

يكتب المثقف للشعب، وكثيرا ما يكون إدراكه لأحلام الجماهير ناقصا، أو أن رؤيته لا تبلغ من حيث السداد، ما يجعلها تتنـزل جلوات تنويرية تحمل الوعي وتقوّي لدى الفئات قدرة التوق إلى التغيير. فأقصى ما يركز عليه هذا المفكر أن يعاين الأوضاع والانسداد، ويواصفها بنوع من المشاركة العاطفية، فيكون بذلك يتحرك على أرضية الشكوى العامة والتخبط المرير الذي يعم الساحة، فهو من ثمة يساير الجماهير في انفعالاتها، وربما جاءت روحه من الانسحاق والأنين ما ترى فيه الفئات ترجمانا عن مواجعها ولواعجها، فيرسو هو عند محطة الدغدغة مكتفيا بما بات لديه عندها من صيت. فدوره هنا هو دور باكية الملمات والمعددة التي تحيي مجالس التعزية والحداد.

ويكتب المفكر باسم الأمة وبروحها وبجراجات وجدانها، ويتعمق ما يسكنها من اعتلالات ولواعج وآلام، فترشح أنفاسه نزفا وجمرا وتفتّت كبد، ولا يكتفي بذلك في المناسبات أو حين يصعد المنصة، أو يعلو المنبر فقط، بل إنه يصهر حياته وسيرته والعقود التي يقضيها في المبارزة في المَجْحَمِ، فلذا تأتي الآهات والتأوهات التي يرسلها في كل حرف يحرره وفي كل لفظ ينظمه، مصهورة، مذابة، جاعلا من نفسه على ذلك النحو، شعلة تتّقد لتنير الطريق للأمة، وتكشف لها المريرة[6] التي تخرجها من التردّي إلى الحياة.

هؤلاء الجلة، القلة (بل الندرة) هم الذين يظلون وراء الستار محجوبين بامِّحائهم، لكنهم، ولأصالة المبدإ الذي يعتنقونه، يتمكّنون آخر الأمر من أن يخترقوا سور الحصار، وينفذوا إلى قلب المشهد، ويشدون إليهم الجماهير، ويسيرون بهم فرادى وأشتاتا ثم جموعًا وشعوبا، يصنعون ما وعد الله أن يصنعه المتقون العاملون.

إن كل تأمين على دعاء هؤلاء السادة، وتأييد لما يقومون به من أسباب الإنهاض باستماتة وامِّحاء، وكل دعاء لهم واقتراب منهم وانضمام بالقول والفعل إلى معسكرهم، وكل تقوية للصرخة الإيقاظية الثورية التي لا يفتأون يرسلونها وسط الجموع الشاخصة إليهم بمواجدها، السائرة معهم وخلفهم نحو الأهداف الكبرى، هو جهد يجزى عليه الإنسان، لأنه استجابة إلى داعي الخير.

إستراتيجية اللاعنف

مما تميزت به رؤية كُولن الدعوية، تجنّبها للمواجهات العنيفة، ومجافاتها للغلظة الإجرائية في المنهج الدعوي وفي الحياة التي تربي عليها الأجيال. فهي دعوة رزينة، متّزنة، بقدر ما حرصت على الدينامية والاستثمار الحاسم للوقت والفرص والإمكانات في بث الدعوة ونشر برامجها، بقدر ما هي حريصة على التوثق لخطاها والتثبّت لخططها، والتبصر لمشاريعها التبليغية والتكوينية. ذلك لأن كُولَن يرى أن الإسلام دين الله الذي لا تزحمه المواعيد ولا تربكه الرزنامات، فلا ميقات محددًا لانتشاره، ولا أجل مضبوطًا لاستتبابه على البسيطة، فهو دين ليس مرتبطا بجيل بعينه ملزم باستكمال نشره في الآفاق وبين العالمين، إنما الإسلام عقيدة هيّأتها المشيئة الإلهية لأن تكون دين الإنسانية. ولقد اقتضت السنن الإلهية أن الهداية الروحية تستقطب البشر كلما ازداد شعورهم بالحاجة والضياع واللاّأفق.

 هناك يُقلِّبون النظر في الأرجاء، يتطلّعون لعل أن يسعفهم صوتٌ يضعهم على الجادة. وما أكثر ما يتوهّمون في الْتماعات السراب أدلّة وهداة، لكنها لا تلبث أن تتراءى لهم مجرّد أشباح لا حقيقة لها. عندئذ يهرعون إلى السماء، إلى تبني كمالات الشرع، والاستجابة إلى نداءاته. ولقد استقر الإسلام في البقاع التي دخلها، وتجذر بين الأمم التي ذاقت شَهْدَهُ، لأنها وجدته يجسد السقف الأعلى من المكارم والمثل التي تُكبرها الفطرة ويُؤْثِرها الحسُّ السليم. من هنا استمر تقديس هذه الأمم لدينها، لا تزيده الصروف والأطوار، مهما تردّت وقست، إلا تغلغلا في النفوس، وتمكنا في الضمائر. وإن الهزائم والتراجعات والتمحيصات التي ما فتئت الشعوب المسلمة تلقاها منذ قرون من الانحطاط، لا يجد لها المسلمون بمختلف مشاربهم وطبقاتهم تقريبا، من تبرير إلا في حيدتهم هم عن النهج الشرعي، ومجاوزتهم للقواعد والأسس التي وضعها الإسلام أرضية للحضارة ولدوام سعادة الإنسان.. فلا يزال المسلمون يُحمِّلون أنفسهم مسؤولية التخلّف والقعود على الهامش والعجز المخزي وافتقاد الكرامة الشنيع، وليس الإسلام الذي يوقنون أنه كفل لهم في الماضي السؤدد، وأن من شأن العودة إلى حظيرته، أن تعيدهم إلى السبيل القويم الذي أهّلهم إليه القدَر، باعتبارهم خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتَنهى عن المنكر وتؤمن بالله.

فبهذه القناعة يرجح كولن النشاط الدعوي الهادئ الدؤوب، على العمل المنفعل المعرض للتقطع والتعطل.. فلئن تستمر في التقدم بريث وثبات ومردودية، أفضل من أن تقفز بعجلة لكن بمجازفة ومن غير ما طائل.

إن السداد في تنفيذ الخطط والبرامج يتعزز ويعطي نتائجه حين يترسخ في صورة حراكات متصاعدة الفعل، ووتائر متلاحقة الأداء، وتوسعات متزايدة المساحة، وقطاعات مترابطة الأواصر. فبذلك التواشج العضوي، والدأب المسترسل بلا هوادة ولا خلل، يتم البناء ويَطَّرد سبيلُه، ويضحى نهجا مدنيا تغتني به حياة الأفراد والمجتمع، وتكتسب صبغة الاحتسابية التي تضمّنتها الآية القرآنية في قوله تعالى موجّها الأمة إلى ما يحقق سعادتها في الدارَين (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللهُ عَمَلَكُمْ)(التَّوْبة:105).

إن شرط الخلوص القلبي الذي يُمَعْيِرُ به كُولن الجهد والخدمة، هو الذي تغدو فيه رقابة الله للفعل الذي نؤديه، وللعمل الذي ننجزه، هي ما يحكمنا ويحدونا في مهامنا قبل أي رقابة أخرى تتابعنا أو تفتّش وراءنا.

 حقا إن كُولن يرى أن الانخراط القلبي في تنفيذ المهام يجعل الفرد يعيش الإنجازات مخطوف الأعماق، إذ إن التمرّس بالإخلاص والتفاني في حسم ما نواجه من مأموريات الدعوة، وما يسند إلينا من واجبات، أو ما نرسمه من أهداف، يكسبنا تلك الخاصية الروحية التي نغدو بها على حالة من التجنيح العميق كلما باشرنا العمل وبادرنا إلى البذل. إنها نفسية المحارب الباسل حين يدخل المعركة، إذ يحياها بمواجد لا يعود يعي في خضمها شيئا من الوجود، إلا تحقيق النصر أو الظفر بالشهادة.

وإن من مقتضيات التثبت والتبصر في العمل الدعوي مراعاة الظروف الملابسة لأوضاع الخدمة، فمثلما تراعي الخدمةُ شروط الأداء داخل الوطن، تراعيها حين تنبري لها خارج الوطن. وإن العولمة التي تحمل لافتة الانفتاح على الآخر، لا ينبغي أن توهمنا بهذا الشعار، إذ التضييق على العمل الخيري والنشاط الروحي لا يجد القبول والترحيب من قبل دوائر الاحتكار العالمي التي يهمها أن ترى العالم متحللا من كل وازع أخلاقي وروحي، إذ طبيعة رهاناتها أن توجد الإنسان المستهلك الذي يعتقد أن الحياة هي تَبَضُّعٌ وتهافت على اقتناء ما تلقي به القوى الصناعية والتجارية إلى السوق.

فمن الطبيعي أن لا نتوقع من الثقافة المعولمة التوسعية بما ملكت من هيمنة إعلام وتشريع وتوجيه، أن ترحب بأي دعوة أو روحية تضع في مقدمة أهدافها ترشيد الإنسان وتوعيته روحيًّا وقيميا، والدفع به على طريق كبح جماح الأهواء في نفسه، وتدريبه على الفطنة في الحكم على الأشياء، والقدرة على اتقاء البواعث الاصطناعية والأيديولوجية التي تعمل على تعميق قابلية التسفل والبهيمية فيه من خلال شحذ روح التحلل واستشراء أدواء الاستزادة في الماديات والاستهلاكيات في نفسيته.

إن ثقافة التهييج المادي الماكر الذي تتبعه الرأسمالية الاحتكارية اليوم، بما يصبغ روحيتها الماركوتنغية من توجه إغرائي مطلق العنان، لهي النهج الذي تتبعه القوى الابتزازية العالمية في تدجين الشعوب. فقد استعاضت عن الاحتلال المباشر للأمم باحتلال آخر ناعم، هو أخطر ما يكون من حيث القدرة على ثني العنق، وتجريد الأمم والشعوب من مناعتها التي ظلت تنافح بها ضد استهدافاته لشخصيتها ومقومات تماسكها ومنظومات قيمها.

وإن دور الإعلام المعولم، المتخطي لكل الحدود، والمستهتر بكل القدسيات، إلا قدسية المال الْمَرْبِية مصادره، وطرق كسبه وإنفاقه، ليتصدر الخطوط في ترويض البشرية على الطاعة والانسياق الأعمى للرذيلة والتسفل، وإن أخطر ما انتهى إليه فعل التدجين الإعلامي للإنسان المعاصر أن بات يستعبد المجتمعات، ويخضعها لتأثيراته الإفسادية، بل لقد بات الإعلام[7] ظاهرة عولمية إدمانية أخرى، لا يقدر الإنسان المعاصر عن الانفكاك عن سلطانها الفتاك، إذ أذعن لها، فبات ينام ويستيقظ على البرامج المفتتة للقيم، بدءا من أشرطة الكارتون، وهو ما انتزع الحكمة منه، بحيث تطبعت روحه على ملابسة السخافات، والتدنّي الفكري، والشعوري. إن الثقافة السمعية البصرية التي نَمّطها الغرب على قوالب تخرب الروح، قد أفقدت الإنسان المعاصر غيرته على الشرف، وجعلته يتقبل وضع التراجع والامتهان الذي قلص المسافة كثيرا بين الكائن البشري والحيوان، لاسيما من حيث تحكم الغريزة، وتيقظ حس الافتراس والتبذل.

إن ولع الإنسان اليوم بتجديد جهاز النقّال مثلا، وشغفه بتشغيله طوال اليوم، لهو وجه من هذه الكلبية البافْلوفيّة التي جرّتنا إليها ثقافة التسوق.

إن قوة الإنسان تتبدد على هذا النحو الانسياقي دون أن يعي ذلك. إن روحانية الإسلام كفلت لنا الإخلاد إلى السكينة في حلقة الذكر، وإلى التأمل في حضرة الترتيل القرآني، وإلى التجنيح عند التحول من سكينة الصلاة (بوجهَيها الجهْري والسري) إلى سكينة الذكر وتأدية المعقبات، فضلا عن التنفيل آناء الليل وأطراف النهار، فساقنا ذلك كله إلى وضع من الاستجمام المفيد الذي يتخلل يومنا، ويورثنا الصلابة الروحية والمعنوية، ويحفظ لنا مخزوننا من القوة والحيوية، عكس ما تفعله بنا هذه الثقافة الاتصالية التي تستنـزفنا على هذا النحو الدرامي الخطير.

إن فضيلة الصمت والقصد في الكلام التي ظلت ممدَّحة إلى عهد قريب في ثقافات العالم، قد عصفت بها ثقافة الاتصال، بحيث أحالت الإنسان إلى كائن ثرثار، لا قدرة له على التركيز، لأن استرساله في المكالمات، والمواجهات الشبحية، يستهلك حتما ما له من احتياط ذهني ومرصود عقلي ووجداني كان في الوسع أن يتيح له تنفيذ شيء نافع، ودائم.. إن الاستغراق في مواقف التواصل قد شغل الإنسان وحرمه من أن يجد بهجة الامتلاء.

إن التكفف الذي يراه كُولن سمةً واجبة ولازمة في الإنسان باني الحضارة المنشودة، يشمل مجال القول أيضا؛ فليس الإشباع الجسدي وحده مخلا بالفاعلية لدى الإنسان، إنما القول حين يغدو لغوًا، ويضحي هَدْرة، وتقصير أوقات، وتفقيرا فكريًّا وقيميا، هو أيضا إشباع إسفافي مقيت، لأنه يتدنى بقابليات الكمال وبالحس السوي، بل وبالمروءة. إنه انسياق من جنس انسياقات نزوية كثيرة وفاسدة ربَّتْها فينا المدَنيةُ المادية المعاصرة، المستهدفة للمثل السامية والروحية التي ظل الإنسان يبجّلها عبر الدهور.

 ولا غرابة أن يرشدنا القرآن إلى فضيلة الصوم عن القول التي كان المصطفون، ومنهم مريم وزكرياء وآخرون، يعتصمون بها، في تواصلهم مع الله. وإن الاعتكاف في الإسلام قاعدته الكف عن الكلام، إلا ما كان من ذكر أو تلاوة أو ترتيل أوراد. بهذا التحنف يهيّئ الإنسان نفسه للتحولات التي تغير مجرى التاريخ.

إن هدف القوى الرأسمالية الاحتكارية هو جعل الكرة الأرضية سوقا، والشعوب طوابير من المستهلكين المتهافتين على السلعة، أيًّا كانت طبيعتها. ولذا هي ترى في الدين -لاسيما الإسلام- أخطر فاعل يواجه مخططاتها الماركوتنغية، إذ روحانية الدين ترتفع بالإنسان نحو القصد والتوازن والسمو النفسي، وتحدوه إلى عدم الانجرار وراء تهييجات أساليب العرض..

فإنسان مدنية اليوم -شأنه مع كل مدنية مادية جامحة- تتّجه به ترويضات بيداغوجية التسليع، نحو أفق يفقد معه نوازع إنسانيته، لأن التركيز التعقيمي يقع على جوانب الروح فيه، ولأن دوائر تحطيم مكامن العظمة في الإنسان تدرك أن إماتة الروح هي الضامن لرهان (وَحْشَنَةِ) الإنسانِ، وإطلاق عقال غرائزه، وجعله كائنا تتحكم فيه مُهلكات المدنية المعاصرة (الجنس والوخز والذهانيات الثقافية الأخرى..)، حتى الرياضة فلتت من إطارها الإنساني النبيل، وباتت أفقا ماركوتنغيا يتلقن منه ساكنة الأرض قيم العنف والغش والغلظة الوحشية، لاسيما وأن رمزيات الجمال التي تميز عالم التنافس الرياضي، باتت هي ذاتها تنعكس بالسوء على الأخلاق، وتُطبِّع أهلَ البسيطة على قيم الجموح والبهيمية، لاسيما وقد أفلحت ثقافة التهجين المعولمة في استقطاب الأنثى إلى الحلبة، شاهدا على تسفل الجبلة وتدهور المثل، وفاعلا يتمرس على ألوان من الشطط والتبذل تنافي طبيعة الجنس الأمومي.

فلذا يرتفع اليوم صوت العقل يدعو إلى ضبط حراك التطور المادي بقواعد الفطرة والاتزان، والعمل على وضع حد لهذا الانفلات من ربقة الدين.. انفلات ربط الإنسان بالمادة، وجعله مخلوقا مشروطا بنوازع التهتك الجسدي.. من هنا لا يفتأ كُولن يلحّ على وجوب أن تتمرس المجتمعات -مثل الأفراد- بضوابط التعفف والقصد والتريض على خلق التمالك الذي يعيد للروح حيويتها، وللعقل وضاءته، وللبصيرة وهجها، ليتأتى للإنسان المعاصر أن يتخطى شراك اللذة والسقوط في هوة التحلل التي لا قرار لها.

اختيار الأطراف ذات القابلية للتحاور

إن مبدئية الحوار الحضاري التي يشدد عليها كُولن، أمر لا مناص منه، استنانا بسلوك الرسول الأعظم -صلى الله عليه وسلم- مع مَن حاورهم في عهده من أساطين القوى العالمية آنذاك. فلقد توطدت الصلة بين الإسلام وبين عظيم الحبشة، لأن الرسول الأكرم، أدرك ما لصاحب تلك المملكة من أهمية في مجال إشاعة الدعوة، وجلب الأطراف المحاورة لها، والمتعاطفة معها. ولقد رأى كُولن في طريقة مخاطبة النبي للنجاشي من خلال الدخول إلى نفسيته من باب ما يعهد من تعاليم عقيدته، حيث حدثه عن مريم والمسيح، أن المنهجية النبوية تبين لنا أهمية أن نحدث الآخر بموضوعات قريبة من معتقده وكتابه.[8] لقد كان ذلك التواصل النبوي الشريف مع النجاشي أظهر إعلان على عالمية الدعوة الإسلامية، وكان في الكيفية التي أرسى عليها النبي تلك العلاقة منهاج للأمة تقتديه في سعيها اليوم من أجل نشر الإسلام وتوصيله إلى العالمين.

إن الجزيرة العربية وهي ترى أتباع محمد -صلى الله عليه وسلم- في تلك المرحلة البدئية، بما شابها من ضعف وقلة ناصر، ينتهون إلى الحبشة، ويحظون بضيافة ملكها، قد شعروا بما للأمر الدعوي من خطر. ولذا فإن المشركين لم يقصروا في العمل على الاعتراض على تلك العلاقة، وكان سعيهم ذلك مستهل التحول الرؤْيوي الجاد الذي حصل لهم، إذ ما عتَّموا أن رأوا الكفة تجنح نحو محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأحست القبائل ذاتها بطروء شيء ما على قناعاتها، يحدوها للتفتح على الدين الجديد، فتهيأت بذلك الأقوام العربية لأن تدْخل في دين الله أفواجا. لقد كان تأثير العمل التواصلي الذي قام به الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع الحبشة، كبيرا، وإن اختيار الطرف المحاوَر كان من السداد بحيث أعطى ثماره المعنوية، وكان في الإمكان أن تتوجه الجماعة المسلمة اللاجئة إلى البلاد التي كانت خاضعة لروما الكنسية، لكن تقدير الرسول أن إفريقيا كانت أكثر استعدادا لتقبل الحوار، جعل التوجه يخصها بشكل عملي، إذ سارت الجماعة المسلمة الأولى من اللاجئين نحو الحبشة، فلقد ظلّت إفريقية (مصر والحبشة وليبيا ونوميديا) مفتوحة على الدعوات الروحية، وكانت الأقرب إلى العرب على صعيد الرؤية الروحانية للكون. فالجو الشرقي كان أكثر تغلغلا في تلك البلاد من غيرها، لذا أثمرت العلاقة النبوية مع الحبشة، وأحدثت الصدى المطلوب، علمًا بأن الرسول لم يستثن من الحوار الكراسي الدولية الأخرى في عهده، إنما الانخراط في بناء جسرٍ للتعامل الحي كان مع إفريقيا، وربما تجسدت ثمرة ذلك الجهد التواصلي أيضا في التجاوب الإيجابي المصري معه -صلى الله عليه وسلم-، وفي زواجه من ماريا القبطية.

من هذا الاعتبار المنهجي يؤكد كولن وجوب أن تحسن جهات العمل الدعوي اختيار الأطراف ذات القابلية للتحاور، وأن يتم مخاطبتها بما يتلاءم مع ثقافتها ومدنيتها؛ لأن المحاور الذي يجهل قواعد التداول، ولا يراعي بيداغوجية التواصل، ينتهي إلى الخيبة، وقد لا يفلح حتى في لفت النظر إليه، بل قد ينتج عن ذلك الجهل بشروط الحوار، النفور من الإسلام ومن المسلمين، وهو ما نشاهده اليوم، إذ إن سيرة كثير من المسلمين في المهاجر، ورعونتهم، وعدم تقديرهم لمسؤوليتهم إزاء الإسلام، تجعلهم يبدون حتى في المظهر الخارجي النابي عن ذوق ومدنية الآخر، حيث يعيشون، على صورة شاذة، ومجسدة للتهوش والبدائية، وكان حريًّا بالمسلم أينما كان، أين يتوسل إلى الدعوة إلى الحق بالكيفية الناجحة، والسلسة، والمتدرجة. فأقل مكاسب الأمّة لو أنها عرفت السبيل الأنجح إلى توصيل قيم الإسلام السمحاء، أن تتجنب ارتدادات العداء التي لا تفتأ تغذي أسبابها اللوبيات الحاقدة على الإسلام.

إن التأثير في الآخر يتحقق عن طريق الظهور المدني والصناعي المتميز، وبما تكسبه الأمم في مجال التدافع والتنافس، وهو ما لم نتهيأ له بعد. إذ أغلب الأقطار الإسلامية رهين التخلف، ويتحقق التأثير كذلك بالمسلك المثالي، والرجاحة المعنوية المعبرة.

لا بدّ للدعوة أن تعمل على بث الطمأنينة في البيئات التي تنشط فيها، حتى داخل المجتمع الإسلامي. وإن شرط الاستئلاف أمر أساسي في كل جهد تنويري، إذ إن الثقافة المعاصرة صلَّبت في النفوس روح التعنت والاعتداد، وطمست في الضمائر منابض الإيمان والقداسة، لذا بات يتعذر على الداعية ورجل الخدمة أن يحقق الهدف التنويري ما لم يتسلحْ بترشيدية تأخذ بعين الاعتبار سيكولوجية مدنية الراهن، واستفحالات الغلظة والتهمج الروحي فيها، وأن يدرك مدى ما يسكن قلب هذه المدنية من كراهية وتحامل شرس على الإسلام بخاصة. وإذا كانت الحال هكذا فكيف للمسلم أن يتسبب في تهييج الجموع المسعورة ضده، وهو يرى أن سياسة الإثارة والاستفزاز والعدوان باتت من صميم أيديولوجية بعض الأوساط الغربية في رؤيتها للإسلام.

إن التميز التشكيلي المنتظر أنْ تحققه الحضارة المنشودة، يكون ذا معنى وفحوى متى حرص على إرساء خصوصيات الإسلام، وإبراز كفاءة هذا الدين المثالية في التجاوب مع مطامح الإنسان، بغضّ النظر عن زمان هذا الإنسان ومكانه. إذ كما يوفر الإسلام للإنسان شرط التحصين الذي يقي الإنسان من مخاطر الزلل التي طفقت تعصف بالمدنيات عبر العصور، يوفر كذلك له شرط الحرية وانفساح المجال واسعا أمامه لأنْ يستثمر إمكاناته في الخير والتعمير وتحقيق دوره في الخلافة في الأرض.

الإنسان الغربي قتل فكرة الألوهية، وها هو يقتل نفسه. وإن استنقاذ البشرية من هذا المصير المشؤوم لا يكون إلا على يد المسلمين ووفق تعاليم الإسلام.

 وفي انتظار تهيُّئ الشروط التي تمكّن من إرساء مدنية الإسلام، على الأمة أن تعمل بلا كلل على تحقيق التميز، وسد باب التردي.

إن السد الذي أخبر القرآن بأن ذا القرنين أقامه حاجزا بين أهل الإيمان والكفر، يجدر بنا أن نقيمه على الصعيد المعنوي، لكي يقينا من رياح التدمير، ريثما تتهيأ الشروط، فننهض ونعود لحماية العالمين من شرور النفس وزيغانها المبيد.

يقول كُولن: "الأفكار مناطة بالتطبيق وإلاّ بقيت أحلامًا وردية"[9]. كثيرًا ما سجَّلنا للأستاذ كولن واقعيته الفكرية، وقصدنا بالواقعية الفكرية هذا التمثل التوصيفي للواقع، والترصد الإحصائي الحسي والسببي لمكوناته، والتصور العملي لمعضلاته وتعقيداته.

ومن المؤكد أن قطاعاتٍ لا تنتهي من التفكير البشري لا تفتأ تتفق في كل عصر وكل منعطف على تخيل حلول، وافتراض بدائل، يتحسن بها الواقع الإنساني ويستقيم، لكن جلّ ذلك التفكير -لقصور النظرة- يظل مجرد تحويمات فوقية، لا تمتلك قابلية القبض على كيمياء الأوضاع المدنية والحضارية، وتحويلها في الاتجاه الذي يُحدث الانفراج.

نسبة كبرى مما تخطّه أقلامُ أهل الفكر يُعدّ -عند التمحيص- تجريدًا ذهنيًّا، وافتراضًا تصوريًّا لا سلطان له على الحياة، فهو من قبيل الإنشاء ليس إلا. وإن كثرة كاثرة من كتابات المفكرين والأيديولوجيين والمنظّرين هي في الحقيقة أصداءٌ لأدبيات الميتافيزيقا، كما تعاطاها الإنسان في القديم، بل إنها صدًى معاد، ونُسخة تتكرر على الدوام، عن حلم المدن الفاضلة؛ إذ يذهب الجنوح التنظيري بأصحاب هذه الكتابات إلى خارج مدارات الواقع، فيخبطون بعيدًا عن الموضوعية، من حيث يحسبون أنهم يُفَعِّلون الواقع، ويضعون أسس تغييره.

مما تميز به فكر الأستاذ كولن أنه يقبض بقوة على مبدأ الواقعية، ويتسم -أصالةً- بها؛ لأنه يعي أهمية الدور الذي يجب على المفكر المسلم أن يلعبه في عهود الخزي التي لا تزال الأمة تعيشها منذ قرنين تقريبًا. إنه دور استنقاذي، استعجالي، يسدد نحو الغايات بلا توانٍ أو تردد، انعطافًا بالأمة نحو الصحوة والمعافاة.

هناك أنانية وقصور تعكسه أحيانًا شعارات دعوية تعتمد العمل التنظيمي الحصري، فكأنها تجعل من العمل التكتلي غايتها، فهي من ثَم تقصد إلى تحقيق الكيان الفئوي، أو التنظيمي، أكثر مما تهدف إلى الخدمة والبناء.

 من واقعية نظر كولن، أنه يشترط توفر الدولة الحرة لتنفيذ المخطط النهضوي الحضاري، فأهم أركان عملية إنجاز الحضارة -بحسبه- هو الإنسان المؤمن المؤهل، وأقوى أسسها الحيوية هو دولة حرة ومستقلة، وأثمن رؤوس أموالها هو الزمن.[10]

ومن المؤكد أنها نظرة موضوعية، ومتزنة؛ إذ ما أكثر ما رأينا أهل الفكر المعارِض للنظم الشمولية يجعلون في أولوية شعاراتهم الدعوة السافرة إلى الثورة على الدولة، والانقلاب على نظمها؛ توسلاً لتنفيذ أي إصلاح أو تعديل في البنية والمعطيات المدنية. لكن الأستاذ كولن، بواقعية تقديراته، يرى أن دور الدولة أمر أساس في الإقلاع الحضاري، غير أن كولن يشترط للدولة أن تكون حائزة على مقوّم الحرية؛ لأن الدولة الحرة هي المؤهلة لخوض التغييرات الكبرى، وإنجاز الوثبات الأبعد. ذلك لأن كولن صاحب فكر عملي، استمد مقومات تفكيره من خلال ملابسة واقعه الوطني، وارتباطه به، وأيقن أن شمولية الرهانات المصيرية، والتحولات الكبرى، إنما تتحقق على يد الدولة المرَشََّدة التي تدرك دورها، وتنهض به، فتشمل بجناحيها سائر مكونات المجتمع، وتؤهبها، وتدفع بها نحو الغاية الانبعاثية، الأمر الذي يختزل الوقت، ويحقّق النجاعة والفاعلية في تحقيق الأهداف.

حقًّا إن كولن يرى أن الإنسان الفعّال، المتجدد في روحيته وجدارته، هو الطرف الأبرز في صناعة النهضة، لذا فإن خطة تهيئة وإيجاد هذا الإنسان؛ إذا ما تمت برعاية الدولة تكون أسرع وأشمل، عكس ما يكون عليه الحال إذا ما كانت مساعي هذا التهييء والتكوين تجري خارج إشراف الدولة، أو عكس إرادتها، فعندئذ يكون الجهد سباحةً ضد التيار، وتنشأ علاقة الاعتراض والقمع التي تعيق أي صحوة، بل وتصادرها، وتضطرها إما إلى الانطفاء، وإما إلى العمل في جنح السرية والتخفي، مع ما يكون في ذلك من مخاطر على العاملين، ومن ضآلة ومحدودية على مستوى المردود والنتائج العائدة عليها.

هناك أنانية وقصور تعكسه أحيانًا شعارات دعوية تعتمد العمل التنظيمي الحصري، فكأنها تجعل من العمل التكتلي غايتها، فهي من ثَم تقصد إلى تحقيق الكيان الفئوي، أو التنظيمي، أكثر مما تهدف إلى الخدمة والبناء.

لا ريب أن الضغوط السياسية والأيديولوجية القامعة تحتّم على العاملين انتهاج سبل التستر والحذر، وإن من طبيعة هذا النوع من العمل -غالبًا- التزام التنظيم الهيكلي الخفي. فمساحة التحرك والتأثير ضيّقة، ومحفوفة بالتهديدات، ونتائجها غالبًا ما تكون بطيئة، ومتعسرة. وإن الاستمرار على اتباع نهج الحذر والتحفظ إنما تسوّغه روحية الثبات على الموثق، والحرص على المضي في الاستصلاح، ولو على نطاق محدود، وعدم إلغاء راية الدعوة على أمل أن تتهيأ الظروف الأفضل والأوفق للعاملين. من هنا رأينا الأستاذ كولن يقرر أن النهضات تنفّذها الدول الحرة، فهي التي تضمنها وتعطيها الصبغة الوطنية والقومية، بحيث تغدو رهانًا جمعيًّا، ومقصدًا مركزيًّا تتضافر على بلوغه الإرادات الخيّرة والجهود المباركة.

لا ريب أن مبدأ إناطة النهضة بالدولة الحرة -كما رسم كولن- إنما أسَّست له تجربةُ العمر، وتَقلُّب الأوضاع بالأستاذ في مجتمعٍ سارت به سياسة التغريب على طريق الانسلاخ والتفريط في الهوية الأصلية.

ذلك لأن التقدم بالعمل الدعوي، باعتباره خطة نافذة وفعّالة في اتجاه البناء والتسديد، ظل يدبّ دبيبًا تحت ضغط القمع والمنع، قياسًا إلى الآمال التي كانت تسكن أعماق الأستاذ، وبالنظر إلى الدافعية العارمة التي لبثت تحرّكه وتجعله يوقف حياته على حلم تعميم الاستفاقة وتجذيرها في مجتمعٍ كانت آليات الأسْلبة والسلخ تفعل فعلها المنكر فيه، بعنادٍ وبلا هوادة.

أجل، كان الأستاذ يدرك أهمية تلك الأحجار القليلة التي يضعها أساسًا لليقظة، وقيمة تلك الخطوات التي يقطعها بكل جهد وإجهاد على طريق توطيد الصحوة، وكان موقنًا بأن ضم موضع شِبر إلى الأرضية المضاءة بنور الدعوة، هو فتح مبين.

[1]     التي نأمل أن لا تكون مخيبة. 

[2]     يقول كُولن: "والحقيقة أن الحب الحقيقي يبدأ بهذه الخطوة الأولى. وإذا جئنا إلى مشاعر الحب الفطرية عنـد الإنسان كحب الإنسان لوالديه وزوجته وماله... الخ، فيجب أن يكون هذا الحب ضمن الإطار الذي أمر به الله تعالى، وإلا ساق الله تعالى عبده إلى امتحانات في الحياة الدنيا بمختلف الوسائل ويؤاخذه عليه، أو يؤخر ذلك إلى يوم القيامة. والخلاصة أن المؤمن هو إنسان متوازن وعليه أن يحفظ هذا التوازن في كل آن ويصونه في وجه جميع رغباته الأخرى وشهواته". (أضواء قرآنية في سماء الوجدان، فتح الله كولن، ص:78). 

[3]     (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ)(الرَّعْد:38) 

[4]     يقول كولن: "إن عالمنا (...) يمكنه بعد زمن العطل العابر أن يحرك مجددًا كل الأرواح والأدمغة المنورة، فيحقق النهضة العالمية الثانية أو الثالثة". (ونحن نقيم صرح الروح، ص:30). 

[5]     أي تدفق الخيرات والنعم. 

[6]     الأثر الممتد على الأرض، الذي ترسمه الخطا وتعمّقه، فيغدو مسلكا للعابرين. 

[7]     نسجل حتمية إفلات الإنسان بمرور الزمن من قبضة السمعي البصري التي تحاصره اليوم، وتملأ حياته بموادها الإرسالية المختلفة، وإن مستقبل السينما مثلا، سيكون هو مستقبل الدراما اليونانية والرومانية التي طوى الزمن صفحتها، وبتنا نتعرف عليها من خلال أطلال مدارج مسارحها الأثرية.. فالإنسان يشب عن الطوق ويتجاوز الأطوار الثقافية التي تستلبه خلال عهود قد تطول، لكن الذي نخشاه أن يقع في براثن ألوان أخرى شر من السينما كما يتعاطاها التصنيع الهيليودي اليوم. 

[8]     أضواء قرآنية في سماء الوجدان، فتح الله كولن، ص:163. 

[9]     ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:58. 

[10]    ونحن نبني حضارتنا، فتح الله كولن، ص:18. 

الإطلاع : 3792 آخر تعديل على الأربعاء, 10 كانون1/ديسمبر 2014 09:56
أ.د. سليمان عشراتي

جامعة وهران -الجزائر.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة