مصطلح الإنسان عند النورسي

مركز الدراسات - السبت, 13 كانون1/ديسمبر 2014
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

 

يعتبر مصطلح "الإنسان" -كما ورد في كليات رسائل النور- من أهم المفاتيح المفهومية، ومن أكبر المسالك الضرورية؛ للدخول إلى العالم الفكري للأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي، ومنظومته الفلسفية/القرآنية؛ ذلك أنه بنى تأملاته للكون والحياة والمصير على التأمل في الذات الإنسانية، إذ انطلق في فهمه للكون من ذاته كنوع، متدرجا عبر مسالكها إلى آفاق السماوات والأرض، متفكرا في كل شيء، من خلال ما يجده في نفسه من عجز وفقر، وما يجده في هذه العوالم من امتداد لا يتناهى. ثم بعد ذلك يدخل إلى قضية "الخلق" التي هي سر الوجود، ولغز الكون، ومعضلة الفلسفات. يدخلها طبعا من باب القرآن الكريم، ولكن "مشاهدا" لا قارئا وحسب. ذلك أن الدخول إلى القرآن من باب "المشاهدة" يعني مطالعة الكون الكبير، والنظر إلى أسراره معاينة.

إن الإنسان في فكر بديع الزمان ليس مخلوقا عاديا وحسب، ولا هو حتى مخلوق أرضي وحسب، بل هو أبعد من ذلك وأعظم. إنه مخلوق كوني. أي إن الماهية الوجودية للإنسان هي ماهية كونية كبرى

من هنا كان النورسي ينظر إلى الإنسان. ومن هنا استقى مفهومه الكوني له. نعم إن الإنسان في فكر بديع الزمان ليس مخلوقا عاديا وحسب، ولا هو حتى مخلوق أرضي وحسب، بل هو أبعد من ذلك وأعظم. إنه مخلوق كوني. أي إن الماهية الوجودية للإنسان هي ماهية كونية كبرى. بمعنى أن فهم هذا الكائن لا يمكن تناوله، ولا استيعابه بحصره في مركز إقامته: الأرض. وإنما الواجب ربط وجوده بوجود الكون كله! ذلك أن أول باب من أبواب الدخول إلى الماهية الإنسانية هو باب العلة الخلقية، أو الوجودية. بمعنى أن نتساءل: ما علة وجود الإنسان أصلا؟ من هنا يمكن أن يتحدد مجال الوجود الإنساني. ومن هنا يمكن فهم الماهية الكونية للإنسان.

فإذا كان القرآن الكريم الذي هو المصدر الأول والأساس لمنظومة النورسي الفكرية؛ يحدثنا عن قضية "الاستخلاف" الرباني للإنسان قبل قصة خلقه؛ فلا يكون خلق آدم عليه السلام؛ إلا من بعد ما قدرت له وظيفته الكونية؛ ذلك أن قول الله - عز وجل -: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً)(البقرة:30)؛ واقع قبل خلق آدم - عليه السلام -؛ لأن القرآن يقص علينا أن هذا الإخبار كان قبل ذلك، كما في سورة "ص". قال تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(ص:71-72)، وقال - عز وجل - في بيان علة الخلق: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(هود:7). إن معنى ذلك عند الأستاذ سعيد النورسي إذن؛ أن الوجود الإنساني كله، حتى في أدق تفاصيله، لا يمكن فهمه إلاّ من خلال هذا المنظور الكوني للإنسان! وهذا هو الجديد الذي يمكن أن نـزعم أن بديع الزمان قد تقدم به كمفتاح لفهم: ما الإنسان؟ على سبيل التفسير التدبري للقرآن الكريم، والقراءة الكونية لآياته. ومن هنا أيضا يمكن القول: إن بديع الزمان قد جاء بمفهوم قرآني للإنسان. فبنى عليه -تقريبا- كل نظرياته النورية للكون والحياة والمصير.

إذا كان القرآن الكريم الذي هو المصدر الأول والأساس لمنظومة النورسي الفكرية؛ يحدثنا عن قضية "الاستخلاف" الرباني للإنسان قبل قصة خلقه؛ فلا يكون خلق آدم عليه السلام؛ إلا من بعد ما قدرت له وظيفته الكونية

إن الدارس لمصطلح "الإنسان" لدى بديع الزمان يجد أنه بإزاء "مفهوم كوني". هذا المفهوم الذي يمكن إجماله في حدّ كلي، نركّبه -من خلال استقراء نصوص كليات رسائل النور- تركيبا مبنيا على استقصاء كل الأبعاد الوجودية لـ"الإنسان"، كما يراها بديع الزمان. فلندخل إذن إلى هذا العالم المفهومي العجيب، من خلال ما دأبنا عليه من منهجية مصطلحية، وذلك كما يلي:

أولا: التعريف:

أ- في اللغة:

يرجع أصل استعمال مادة "أنس" في اللغة إلى معنى الظهور، والاقتراب، والألفة، وعدم التوحش. والراجح أن عنه تفرعت سائر المعاني لهذه المادة اللغوية. وذلك ما ذهب إليه أغلب المعاجم. قال ابن فارس: "الهمزة والنون والسين: أصل واحد، وهو ظهور الشيء. وكل شيء خالف طريقة التوحش. قالوا: الإنس خلاف الجن؛ وسموا بذلك لظهورهم. يقال: آنست الشيء: إذا رأيته. قال الله تعالى: (فَإِنْ آنَسْتُم مِنْهُمْ رُشْدًا). ويقال: آنست الشيءَ: إذا سمعته، وهذا مستعار من الأول. قال الحارث:

آنسَتْ نَبأَةً وأفزعها القُنّـ        ـاصُ عَصْرًا وقد دنا الإمساءُ

والأُنس: أُنس الإنسان بالشيء إذا لم يستوحش منه"([1]) إلاّ أن مصطلح "الإنسان" قد اختلف في أصله: أهو من الأنس أم من النسيان؟ وأما لفظ "الإنس" فالأكثر على أنه من "الأنس" بمعنى ضد التوحش. وعليه حمل كثير من اللغويين معنى "الإنسان" أيضا. إلا أن آخرين أرجعه إلى "نسي" لا "أنس". قال الراغب الأصفهاني: "الإنس خلاف الجن. والإنس خلاف النفور. والإنسي منسوب إلى الإنس. يقال ذلك لمن كثر أُنْسُه، ولكل ما يُؤْنَسُ به. (...) والإنسان: قيل سمي بذلك؛ لأنه خُلِقَ خلقة لا قوام له إلا بإنس بعضهم ببعض؛ ولهذا قيل: الإنسان مدني بالطبع؛ من حيث لا قوام لبعضهم إلا ببعض، ولا يمكنه أن يقوم بجميع أسبابه. وقيل سمي بذلك لأنه يأنس بكل ما يألفه. وقيل: هو إفْعِلانٌ، وأصله إنْسِيانٌ سمي بذلك؛ لأنه عُهِد إليه فنسي".([2])

فأما هذا المعنى الأخير فقد روي عن ابن عباس. قال صاحب اللسان: "وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: إنما سمي الإنسان إنسانا؛ لأنه عُهِد إليه فنسي (...) وقيل للإنس إنسٌ؛ لأنهم يؤنسون أي يبصَرون، كما قيل للجن جنٌ؛ لأنهم لا يؤنسون، أي لا يبصَرون".([3])

إن الإنسان -كمفهوم وجودي- عند الأستاذ النورسي، قائم من حيث ماهيته على رؤية نورسية قرآنية. فهي نورسية؛ لأنها من محض تأمله التفكري، ونظره التدبري، وهي قرآنية؛ لأن بديع الزمان لم يكن ينظر في تأملاته للكون إلاّ من خلال القرآن الكريم

وأيا كان الأصل في المفهوم اللغوي "للإنسان"؛ فإنه يجمع هذه المعاني كلها، من حيث هو مخلوق اجتماعي، يعيش في مجتمع من جنسه، ويقوم بعضه ببعض، ويألف ويؤلف، وينسى ويتذكر. ومن هنا جاءت الرسالات السماوية للإنسان، تترى؛ قصد تذكيره دائما بحقيقته الوجودية، ووظيفته الكونية.

ب- في الاصطلاح:

وأما في اصطلاح بديع الزمان؛ فـ"الإنسان" هو:

- الإنسان: هو ثمرة شجرة الخلق، والفهرست الكوني الجامع، العاكس الأكمل للأسماء الحسنى، الساعي لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته، المشاهد عبودية الكائنات باستخلافه في الأرض؛ عبادةً كليةً لله الواحد الأحد.

وبيان ذلك مفصلا هو كما يلي:

بــ1- الإنسان ثمرة لشجرة الخلق:

إن الإنسان -كمفهوم وجودي- عند الأستاذ النورسي، قائم من حيث ماهيته على رؤية نورسية قرآنية. فهي نورسية؛ لأنها من محض تأمله التفكري، ونظره التدبري، وهي قرآنية؛ لأن بديع الزمان لم يكن ينظر في تأملاته للكون إلاّ من خلال القرآن الكريم. فهي إذن رؤية تندرج ضمن ما يمكن تسميته "بالتفسير المفهومي للقرآن الكريم". إن كون "الإنسان ثمرة لشجرة الخلق" راجع إلى أن هذا المخلوق الآدمي هو الغاية الخلقية لهذا الكون، من حيث بناؤه القرآني؛ إذ خلق الله - عز وجل - الأرض والسماوات على صورة مهيأة لاستضافة هذا الساكن الفريد، حمّال الأمانة التي عرضت على السماوات والأرض والجبال (فَأَبَيْنَ أنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)(الأحزاب:72). فحملُ هذه الأمانة إذن؛ هو حدث كوني مرتبط -في سياقه القرآني- بالأرض والجبال والسماوات. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن الكون كله بخلائقه جميعاً مهيأ لخدمة الإنسان، ولم يهيأ الإنسان بفطرته لخدمة أحد، وإنما هيء للبحث عن المعرفة القدسية، سعياً للترقي في مدارج الكمال، بالتعرف على رب الكون، والاستغراق في عبادته - جل وعلا -.

قال بديع الزمان: "إن الإنسان ثمرة شجرة الخلقة، فهو كالثمرة أبعد شيء عن البذرة، وأجمع لخصائص الكل"،([4]) وقال أيضا: "إن الإنسان هو الثمرة النهائية لشجرة الخلقة، ومن المعلوم أن الثمرة هي أبعد أجزاء الشجرة، وأجمعها وألطفها؛ لذا فإن الإنسان هو ثمرة العالم، وأجمع وأبدع مصنوعات القدرة الربانية، وأكثرها عجزا وضعفا ولطفا".([5])

وليس معنى هذا أنه يقصد -بمفهوم المخالفة- أن الخلق الإلهي فيه نقص في بعض أنواعه، أو في بعض مظاهره كلا، وحاش لله! وإنما المقصود أن الإرادة الربانية قضت أن يكون الإنسان غاية خلقية في الكون. بمعنى أنه أعظم مظهر من مظاهر التجلي الرباني لأسمائه الحسنى؛ وذلك على سبيل الاستناد والخضوع لله الواحد القهار! ومن هنا جاز أن يكون بعض مخلوقاته أكمل من بعض، من حيث كمال الخضوع والعبادة، لا من حيث الصنعة والإتقان، فكل خلق الله كامل الصنعة متقن، طبعا حسب درجة وجوده، وحسب ما قصد من خلقه. وإنما المراد كمال الإظهار للعبودية. تماما كما أن القرآن الكريم تعظم بعض سوره، أو بعض آيه على بعض؛ لاختصاص ذلك البعض بكمالات خاصة من القصد الإلهي، والتضمن لاسم الله الأعظم مثلا. فالإنسان أيضا مظهر بخلقته وفطرته لاسم الله الأعظم، ودال على وحدانية الخالق - عز وجل -. وهو كما قال النورسي في الشعاعات، في سياق حديثه عن الإنسان؛ شارحا لهذا المعنى: "بل هو الآية الحاملة لتجليات الاسم الأعظم في ذلك القرآن الكوني، كآية الكرسي في القرآن الكريم! وهو أكرم ضيف في قصر الكون، وهو أنشط موظف مأذون له بالتصرف في سَكَنَة ذلك القصر".([6])

قال بديع الزمان: "إن الإنسان ثمرة شجرة الخلقة، فهو كالثمرة أبعد شيء عن البذرة، وأجمع لخصائص الكل"

ثم إن الضعف الذي وصف به الإنسان من حيث هو "ثمرة"؛ إنما هو بالمعنى الإيجابي، لا السلبي. فالضعف البشري هو باب العبودية لله القوي العظيم. ولذلك كان الإنسان أحوج ما يكون لربه في كل لحظة وحين. وإن يغفل عن الاستناد إليه يكن إذن من الغاوين! ولهذا كانت الحياة البشرية عبادة لله من بدايتها حتى نهايتها! (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ)(الحجر:99) ومن هنا نال ما نال من تقدير وتكريم، فكان ثمرة الخلق بمعنى أن هذا الكون كله إنما هيء له؛ حتى يعيش فيه ويموت، ثم يموت الكون كله بموته، ثم يعاد خلقه بإعادة خلقه! أي إن إعادة خلق الكون إنما هي من أجل إعادة خلق الإنسان مرة أخرى! وقد سبق قوله - عز وجل -: (فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً)(الأحزاب:72) وقال سبحانه: (كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ)(الأنبياء:104) وذلك لنصب الموازين والحساب لليوم الآخر، اليوم الأبدي الذي أبد ليخلد من خلد في الجنة، ويخلد من خلد في النار والعياذ بالله!

وقد يتأمل المرء كل هذا فيصاب بالدهشة: كيف يكون كل هذا الأمر الكوني العظيم الذي تتبدل به الأرض غير الأرض والسماوات؛ من أجل هذا المخلوق البشري الضعيف؟ ذلك ما أجاب عنه النورسي رحمه الله بقوله: "لا يخطرن على بال أحد، ويقول: ما أهمية هذا الإنسان الصغير وما قيمته حتى تنتهي هذه الدنيا العظيمة، وتفتح دنيا أخرى لمحاســبته على أعماله؟ لأن هذا الإنسان، هو ســيد الموجودات، رغم أنه صغير جدا؛ لما يملك من فطرة جامعة شــاملة. فهو قائد الموجودات، والداعي إلى سلطان ألوهية الله، والممثل للعبودية الكلية الشاملة، ومظهرها. لذا فإن له أهمية عظمى".([7])

إن تفكر بديع الزمان في الكون، وتدبره للقرآن، أوصلاه إلى نتيجة عظيمة، هي ظاهرة من نصوص القرآن، لكنها كثيرا ما تخفى علينا؛ هي: أن الإنسان مخدوم في هذا الكون غير خادم! ألا ترى أن كل شيء مما في الأرض أو في السماء إلاّ وله علاقة خادمة لوجود هذا الإنسان بصورة مباشرة، أو غير مباشرة؟ بدءاً من الملائكة إلى أدق الخلق من الحشرات والجراثيم. فالملائكة هي المكلفة من لدن رب العالمين -بعد السجود لآدم - عليه السلام -- بنفخ الروح في الجنين، وبحفظه قبل ولادته وبعد ولادته، وبكتابة عمله، وبقبض روحه...إلخ. ثم كل شيء من الحيوانات بعد والحشرات والجراثيم مسخرات في إنتاج طعامه وشرابه وتهييء رزقه، والحفاظ على توازن بيئته، ومحيطه الفضائي...إلخ. ولا يضره شيء من ذلك -بعد إذن الله- إلا بسبب سوء الاستعمال! ثم انظر إليه هو، أي إلى هذا الإنسان! إنه لا يخدم أحدا! وإن فعل فلأجل مصلحته الخاصة، كما يقوم الراعي برعي غنمه من أجل لحومها، وجلودها، وأصوافها؛ لرزقه! ومن هنا فإن وظيفة الإنسان في الأرض إنما كانت هي التفرغ لعبادة الله الواحد القهار.

إن تفكر بديع الزمان في الكون، وتدبره للقرآن، أوصلاه إلى نتيجة عظيمة، هي ظاهرة من نصوص القرآن، لكنها كثيرا ما تخفى علينا؛ هي: أن الإنسان مخدوم في هذا الكون غير خادم

قال رحمه الله: "إن للإنسان قيمة عالية؛ بدليل أن السماوات والأرض مسخرة لاستفادته، وكذا أن لــه أهمية عظيمة؛ بدليل أن الله لم يخلق الإنسان للخلق، بـل خلق الخلق لــه! وأن له عند خالقه لموقعا؛ بدليــل أن الله تعالى لـم يوجد العالم لذاته، بل أوجده للبشر، وأوجد البشر لعبادته؛ فأنتج أن الإنسان مستثنى وممتاز، لا كالحيوانات".([8]) بل إن النورسي وجد -بتدبره وتفكره- أن الإنسان "علة" ربانية حكيمة لتفسير وجود الكون كله! ألم يقل - عز وجل -:(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ)(البقرة:21-22)، وقد سبق قوله تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَق السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)(هود:7) وهذا نص في أن الخلق الكوني؛ إنما هو (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً)، أي من أجل الوجود البشري، وحكمته الابتلائية والاستخلافية!

ذلك ما ترجمه النورسي في تفسيره التدبري، إذ قال: "نعم، يصح أن يقال: إن "الحي القيوم" سبحانه قد أراد وجود الإنسان في هذا الكون، فخلق الكون لأجله، وذلك لأن الإنسان يمكنه أن يدرك جميع الأسماء الإلهية الحسنى ويتذوقها؛ بما أودع الله فيه من مزايا وخصائص جامعة.

فهو يدرك -مثلا- كثيرا من معاني تلك الأسماء؛ بما يتذوق من لذائذ الأرزاق المنهمرة عليه. بينما لا يبلغ الملائكة إلى إدراك تلك الأسماء بتلك الأذواق الرزقية".([9]) وأبين منه قوله: "لأجل وسعة روح الإنسان، وتبسط عقله، وانبساط استعداده (...) جعل القرآن الكريم جهة استفادة البشر، التي هي غاية فذة من ألوف ألوف غايات السماء والأرض؛ في منـزلة العلة الغائية، كأنها هي العلة بالنظر إلى الإنسان. أي إن الإنسان يستفيد من الأرض عرصة لبيته، والسماء سقفا له، والنجوم قناديل، والنباتات ذخائر، فحق لكل فرد أن يقول: شمسي، وسمائي، وأرضي. فتأمل وعقلك معك!".([10])

بــ2- الإنسان هو الفهرست الكوني الجامع:

ومن اللازم لما سبق، من كون الإنسان "ثمرة لشجرة الخلق" أن يكون أيضا "فهرستا" لهذا الكون الفسيح. إذ الثمرة هي مجمع كل الخصائص الوراثية الجينية للشجرة بأكملها. تحتوي في نواتها على كل العناصر المكونة لمادة الشجرة، بدءا بالوريقات الأولى حتى الجذوع والأغصان ثم الأزهار والثمار! كل ذلك مضمن بصورة مركزة جدا في نواة الثمرة، التي إن غرستها كانت منها بعد ذلك شجرة أخرى. فبهذا المثال الاستعاري يقدم لنا بديع الزمان صورة الإنسان كمخلوق مركزي في هذا الكون الفسيح. ذلك "أن الماهية الإنسانية مظهر جامع لجميع تجليات الأسماء المتجلية في جميع الكائنات" كما قال.([11])

إننا هنا عند هذا المعنى لا نظل ننظر إلى الإنسان كضيف عابر في هذا الكون وحسب، يولد إلى الدنيا ليعيش أياما ثم يموت ويفنى إلى الأبد. إن منطق الثمرة يرفض هذا؛ لأن الثمرة ببساطة تتضمن نواة هي سر الاستمرار والخلود. إن الإنسان بهذا المعنى جامع لمادة الكون، أو بتعبير النورسي "فهرس" أو "فهرست" له! وإذا كان كذلك كان الإنسان هو مركز الكون، ومرجع المخلوقات كلها في الدلالة على الله رب الكون. أليس الإنسان هو النواة؟ إذن لابد أن يكون جامعا. فذلك معنى كونه فهرستا أي جامعا لكل الخصائص الموجودة في هذا الكون، من الملائكية إلى الشيطانية، ومن النباتية إلى الترابية.. إلخ. وهو ما ركزه بديع الزمان في قولته الحكيمة التي تكررت في رسائله في أكثر من مناسبة، إذ تواتر استعماله لمصطلح "الفهرست" أو "الفهرس"؛ للدلالة على جامعية الإنسان، وشموليته الخلقية. قال رحمه الله: "كما أن الإنسان عالَم صغير، كذلك العالم إنسان كبير. فهذا الإنسان يمثل خلاصة الإنسان الكبير، وفهرسه. فالنماذج المصغرة في الإنسان لا بد أن أصولها الكبيرة المعظمة موجودة في الإنسان الأكبر بالضرورة".([12])

شدة ضعف الإنسان وشدة حاجته، كلاهما دال على شدة ارتباطه بربه كرها أو كرها وطوعا معا. بمعنى أن الإنسان -ولو كان كافرا- لا يمكنه الاستغناء عن مدد الله، واستناده القدري له، فهو الذي خلقه ويطعمه، ويسقيه، وإذا مرض فهو الذي يشفيه

وقال أيضا: "إن الله - جل وعلا - خلق الإنسان، وجعله نسخة جامعة للكائنات، وفهرستة لكتاب العالم"،([13]) ثم قال أيضا: "إن الإنسان مع صغر جرمه وضعفه، وكونه حيوانا من الحيوانات؛ ينطوي على روح غال، ويحتوي على استعداد كامل، ويتبطن ميولا لا حصر لها، ويشتمل على آمال لا نهاية لها، ويحوز أفكارا غير محصورة، ويتضمن قوى غير محدودة. مع أن فطرته عجيبة كأنه فهرستة للأنواع والعوالم".([14]) ونحو هذا المعنى عنده كثير، حتى إنه ليشكل بذاته كلية كبرى، من كليات رسائل النور! ولو أردت أن تعرف مثالا لذلك فانظر إلى ذاتك: هذا الوعي العميق لديك بالحياة، وهذه الرغبات الشديدة، من حب للخير، وحب للخلود، وحب للتنعم، وحب للسيطرة، وحب للامتلاك، وحب لكل الشهوات، وأيضا هذا النـزوع الكامن في فطرتك إلى الكمال، وإلى الترقي في مدارج المعرفة القدسية سيرا إلى الله رب العالمين، والرغبة في منافسة الكائنات في الحصول على الأقربية العظمى والخلود في الجنة...إلخ. كل هذا ونحوه يدل على أن الإنسان يحتوي على طاقات هائلة تتجاوز جسمه الضعيف قطعا. إنه إذن تفجير للطاقات الفهرستية الكامنة فيه. هذه الطاقات الموصولة بالكون كله على سبيل الخلقة، والموصولة بالله رب العالمين، من جهة أخرى على سبيل الاستناد، والانتساب الإيماني العظيم؛([15]) ومن هنا استحق أن يوصف بأنه فهرست للكون أو -بتعبير آخر لبديع الزمان- "خريطة" له، تقود في النهاية إلى رب العالمين. قال رحمه الله بنوع من التفصيل التمثيلي: "لما كان الإنسان خلاصة جامعة لهذا الكون؛ فإن قلبه بمثابة خريطة معنوية لآلاف العوالم! إذ كما أن دماغ الإنسان -الشبيه بمجمع مركزي للبث والاستقبال السلكي واللاسلكي- وهو بمثابة مركز معنوي لهذا الكون، يستقبل ما في الكون من علوم وفنون، ويكشف عنها، ويبثها أيضا؛ فإن قلب الإنسان كذلك هو محور لما في الكون من حقائق لا تحد، ومظهر لها، بل هو نواتها".([16])

وهذا هو السر في قدرة الإنسان على التدرج في مدارج المعرفة القدسية، التي هي أشرف المعارف؛ سيرا إلى الله - عز وجل -، من حيث هو رب العالمين، أي إن ذلك يقتضي من الإنسان أن يستوعب بوجدانه كل الكائنات، باعتبارها مأمورة مثله بالسير؛ فينخرط معها في رحلة جماعية كونية، يكون فيها هو الدلال على الله، بما قد تجلى في خلقته وفطرته من خصائص التعبد الجامع، خضوعا شاملا لله الواحد الأحد. فكان أقدر هذه الكائنات جمعاء على التقاط الإشارات الكونية، والمخاطبات التعبدية، بما له من غوص في التفكر والتدبر، وبما له من خصوص في تعلم "الأسماء كلها"، هكذا على سبيل العموم والشمول! كما سبق بيانه من تفسير النورسي لقوله - عز وجل -: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا)(البقرة:30). فكان أن تعلم ثم عَلّم! وهذا مهم جدا، إذ العملية التعليمية عنده مركبة من تأثر وتأثير، فقد تعلم ثم علّم: (قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعلَمُ غَيْبَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ)(البقرة:32).

بـ3- الإنسان هو العاكس الأكمل للأسماء الحسنى:

ثم إنه من اللازم عن كونه "فهرستا" أن يكون مظهرا لكل أسماء الله الحسنى. ذلك أنه إذا كان الكون كله مجالا لعكس أنوار الأسماء الحسنى، من حيث إنه مخلوق ومرتبط في كينونته واستمراره بهذه الأسماء، التي هي صفات الربوبية. وإنما معنى الربوبية المالكية المطلقة للكون والحياة والمصير؛ فإن الإنسان -وهو فهرستة الكون- أكثر إظهارا، وأكمل إبرازا لهذه الأسماء، من حيث مخلوقيته. فشدة ضعف الإنسان وشدة حاجته، كلاهما دال على شدة ارتباطه بربه كرها أو كرها وطوعا معا. بمعنى أن الإنسان -ولو كان كافرا- لا يمكنه الاستغناء عن مدد الله، واستناده القدري له، فهو الذي خلقه ويطعمه، ويسقيه، وإذا مرض فهو الذي يشفيه. أما مسألة اعتراف الإنسان بذلك فمسألة أخرى. وإنما المهم هنا أن الإنسان لا يقوم بنفسه، بل هو أضعف الخلق عن أن يقوم بنفسه! فهو في هذا الكون كالطفل الذي لا يقوم في كل أمره إلا بأمه! وليس ذلك لأنه أقل المخلوقات شأنا، كلا! وإنما هو لتنوع حاجاته، وكثرة مطالبه ورغائبه، التي لا تنتهي، كلما حصل على شيء طمع في غيره. أما غيره من المخلوقات فحاجاته المعيشية، والحياتية قليلة بالمقارنة معه، وكذلك رغائبه وآماله المعنوية، كما في حبه الفطري للعلم والمعرفة، وما ركب في خلقته من حب الاطلاع، بدءا بعلوم الأشياء حتى المعرفة القدسية العليا. كل ذلك رغبات غيره فيها محدودة. أما هو فلا حد لرغباته وأشواقه.

إن "المرآتية" الإنسانية بكمالها، إذ تعكس أنوار الأسماء الحسنى؛ تظهر جمالها الرباني، من خلال السير التعبدي لله الواحد الأحد. وذلك عبر مراتب ثلاث، استقرأها بديع الزمان، فبين أوجهها بقوله: "إن الإنسان هو نسخة جامعة لما في الوجود من خواص، حتى يشعره الحق - جل وعلا - جميع أسمائه الحسنى المتجلية، بما أودع في نفس الإنسان من مزايا جامعة (...) إن الإنسان مرآة عاكسة لتجليات الأسماء الإلهية الحسنى، وهو مرآة لها من ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: كما أن الظلام سبب لرؤية النور (...) فالإنسان أيضا يُعَرّف بضعفه وعجزه، وبفقره وحاجاته، وبنقصه وقصوره؛ قدرةَ القدير ذي الجلال، وقوته العظيمة، وغناه المطلق، ورحمته الواســعة؛ فيكون الإنســـان بهذا كأنه مرآة عاكســة لكـثـيـر من تجليــات الصـفات الإلهيـة الجليلة (...)

أما الوجه الثاني: فهو أن الإنسان مرآة لتجليات الأسماء الحسنى؛ إذ أن ما وهب من نماذج جزئية من "العلم، والقدرة، والبصر، والسمع، والتملك، والحاكمية" وأمثالها من الصفات الجزئية؛ يصبح مرآة عاكسة يعرف منها الصفات المطلقة لله - جل وعلا - (...)

الوجه الثالث: لكون الإنسان مرآة عاكسة للأسماء الحسنى، فهو أيضا مرآة عاكسة لها من حيث نقوشها الظاهرة عليه".([17]) أي الظاهرة على سيمائه الملمحية، الدالة على بديع صنع الله، وجمال خلقه، - جل وعلا.

إن "المرآتية" الإنسانية بكمالها، إذ تعكس أنوار الأسماء الحسنى؛ تظهر جمالها الرباني، من خلال السير التعبدي لله الواحد الأحد. وذلك عبر مراتب ثلاث، استقرأها بديع الزمان، فبين أوجهها بقوله: "إن الإنسان هو نسخة جامعة لما في الوجود من خواص، حتى يشعره الحق - جل وعلا - جميع أسمائه الحسنى المتجلية، بما أودع في نفس الإنسان من مزايا جامعة

وبهذه المعاني جميعا كان الإنسان "العاكسَ الأكمل للأسماء الحسنى"، بمعنى الأكثر تذوقا لها، واستفادة من أنوارها. في حال الضعف والقوة، وفي حال الفقر والغنى، وفي حال اليسر والعسر...إلخ. إن الحاجة الإنسانية الجبلّية، والمطلقة، ثم الذوقية العالية التي جُبل عليها، حسا ومعنى؛ كل ذلك مكّنه -بصورة متميزة- على الإدراك الوجداني للجمال في النعم والأرزاق؛ فجاءت عباداته تحمل كل هذه الأشواق، وكل هذه المواجيد الحرى. وما كان له أن يجد ذلك؛ لولا أنه ذاق -من خلال حر الجوع والفقر- جمال الرزق والغنى، وما كان له أيضا أن يذوق ما ذاق؛ لولا تعلقه الفطري بأنوار الأسماء الحسنى! وما أبدع بديع الزمان إذ يقول: "إن أشد الأحياء حاجة إلى الرزق وإلى أنواعه هو الإنسان. فالحق - جل وعلا - قد خلق هذا الإنسان مرآة جامعة لجميع أسمائه الحسنى، وأبدعه معجزة دالة على قدرته المطلقة، فهو يملك أجهزة يتمكن بها من تثمين، وتقدير، جميع مدخرات خزائن رحمته الواسعة، ومعرفتها. وخلقه على صورة خليفة الأرض، الذي يملك من الأجهزة الحساسة؛ ما يتمكن بها من قياس أدق دقائق تجليات الأسماء الحسنى؛ فلأجل كل هذا فقد أودع سبحانه في هذا الإنسان فاقة لا حد لها، وجعله محتاجا إلى أنواع لا تحد من الرزق المادي والمعنوي".([18])

هنا يجتمع النقيض مع نقيضه -بلا تناف- في خلق الله العجيب؛ ليشكل بذلك آية من آيات القدرة الإلهية، والعظمة الربانية، وشعاعا باهرا من أشعة الخالقية، فكلما كان الإنسان أضعف؛ كان أشد صفاء في عكس النور الاسمي، وأبهى جمالا في أداء مواجيد الشوق والمحبة؛ حتى إنه في مرضه، وجوعه، وفاقته؛ هو -كما في رغبته وحبه لكل شيء- أكثر عكسا، وأشد إبرازا لبراهين الأسماء الربانية في الكون. ومن هنا كانت قوة الإنسان في ضعفه، وكان كماله في نقصه. لأن الإحساس بالنقص والضعف؛ هو الذي يعمق في النفس الشعور بالذلة، والرغبة في الخضوع والاستسلام. وعندما يكون ذلك في طريق السير إلى الله الرزاق ذي القوة المتين؛ يكون كمالا في التعبد، وجمالا في السير. ومن هنا كان قول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "الدُّعَاءُ هُوَ الْعِبَادَةُ"؛([19]) وذلك لأن الدعاء هو التعبير الأصدق عن الحاجة، والفقر، والنقص، وكل معاني الضعف البشري، التي هي أساس الخضوع لله الواحد القهار. وذلك مقصود بديع الزمان من "عكس الإنسان للأسماء الحسنى"، قال: "إن الله سبحانه يجعل ما ألبسه الإنسانَ من لباس الوجود دليلا على صنعته المبدعة، حيث خلقه على صورة نموذج "موديل" يفصل عليه لباس الوجود، يبدله ويقصه ويغيره، مبينا بهذا التصرف تجليات مختلفة لأسمائه الحسنى. فمثلما يستدعي اسم "الشافي" المرض، فإن اسم "الرزاق" أيضا يقتضي الجوع".([20])

وبهذا المنطق يصير الضعف الإنساني صفة إيجابية، ونعمة إلهية على الإنسان لا تقدر بثمن! وفي هذا الإطار تُفْهَم، وتُتَذَوق كل مدارج الإيمان، ومنازل الإحسان، في سير العبد إلى ربه، تائبا، ومتوكلا، وفقيرا، وعاجزا، وشاكرا، ومشتاقا، ومحبا. يقول النورسي في إيضاح هذا المعنى بصورة مفصلة: "إن الله سبحانه قد أدرج في الإنسان عجزا لا حد له، وفقرا لا نهاية له؛ إظهارا لقدرته المطلقة، وإبرازا لرحمته الواسعة. وقد خلقه على صورة معينة بحيث يتألم بما لا يحصى من الجهات، كما أنه يتلذذ بما لا يعد من الجهات؛ إظهارا للنقوش الكثيرة لأسمائه الحسنى! فأبدعه سبحانه على صورة ماكنة عجيبة تحتوي مئات الآلات والدواليب، لكل منها آلامها ولذائذها، ومهمتها وثوابها وجزاؤها. فكأن الأسماء الإلهية المتجلية في العالم، الذي هو إنسان كبير تتجلى أكثرها أيضا في هذا الإنسان، الذي هو عالم أصغر. وكما أن فيه من أمور نافعة كالصحة والعافية واللذائذ وغيرها، تدفعه إلى الشكر، وتسوق تلك الماكنة إلى القيام بوظائفها من عدة جهات، حتى يغدو الإنسان ماكنة شكر!

ينطلق الأستاذ النورسي في رؤيته الكونية للإنسان؛ من مقولة مهمة، راجعة إلى أصل قرآني، مفادها أن الماهية الإنسانية ماهية "خالدة". أي إن الإنسان إنما خُلق ليبقى، لا ليفنى، ويندثر في غيابات العدم

كذلك الأمر في المصائب والأمراض والآلام، وسائر المؤثرات المهيجة والمحركة، تسوق الدواليب الأخرى لتلك الماكنة؛ إلى العمل والحركة، وتثيرها من مكمنها، فتفجر كنوز العجز والضعف والفقر المندرجة في الماهية الإنسانية، فلا تمنح المصائبُ الإنسانَ الالتجاء إلى البارئ بلسان واحد؛ بل تجعله يلتجئ إليه ويستغيثه بلسان كل عضو من أعضائه. وكأن الإنسان بتلك المؤثرات والعلل والعقبات والعوارض؛ يغدو قَلَمًا يتضمن آلاف الأقلام، فيكتب مقدرات حياته في صحيفة حياته، أو في اللوح المثالي، وينسج لوحة رائعة للأسماء الإلهية الحسنى! ويصبح بمثابة قصيدة عصماء، ولوحة إعلان؛ فيؤدي وظيفة فطرته".([21]) وبهذا يمكننا القول: إن غائية الخلقة الإنسانية تتجلى أيضا في كون الإنسان -بهذا المعنى الكوني- أكمل مخلوق عاكس للأسماء الحسنى.

بــ4- الإنسان ساع لتحقيق رغبة البقاء الكامنة في فطرته:

ينطلق الأستاذ النورسي في رؤيته الكونية للإنسان؛ من مقولة مهمة، راجعة إلى أصل قرآني، مفادها أن الماهية الإنسانية ماهية "خالدة". أي إن الإنسان إنما خُلق ليبقى، لا ليفنى، ويندثر في غيابات العدم. فالنفخ الرباني فيه بالروح هو الذي أعطاه الميزة الكونية العليا التي ميزت ماهيته بالخلود. وجبلت طبيعته على العبادة، إذ العبادة إنما هي حب البقاء المغروز في الإنسان، المنبعث من كوامنه؛ شوقا إلى الباقي، - جل وعلا -. قال بديع الزمان: "إن روح الإنسان التي تنشد الأبدية والخلود، وهي التي خلقت للبقاء والأبد، وتعشق الإحسان، وتتألم من الفراق، تنهض بهذا الإنسان (...) ليناجي متضرعا أمام باب الحضرة الصمدانية، للقديم الباقي، وللقيوم السرمدي، وليلتجئ إلى فضل رحمته الواسعة، وليقدم الشكر والحمد على نعمه التي لا تحصى".([22])

إن الطبيعة "البقائية" للإنسان بالمعنى الأخروي لتعتبر من الحقائق الكبرى التي استوقفت بديع الزمان في تفكره وتدبره، فنالت منه حظا وافرا من التأمل. فقرر في أكثر من موضع أن "الأجهزة التي زرعت في الإنسان ليست لهذه الحياة الدنيا التافهة، وإنما أنعم عليه بها لحياة باقية دائمة، لها شأن وأي شأن!"([23]) ومن ألطف ما استعمله من استدلالات عقلية -إلى جانب استدلاله النقلي- على خلود الإنسان؛ ما فطر عليه ابن آدم من حب شديد للبقاء، وبغض شديد للفناء، في شتى صوره! وقد ضرب لذلك مثالا، أو بالأحرى نصب افتراضا توضيحيا، هو من الدقة بحيث يجعلك تقر وجدانيا بحقيقة ما ذهب إليه.. قال رحمه الله: "إن استعداد الإنسان مسدد نحو الأبد. فإن شئت فتأمل في جوهر الإنسانية، وقيمة ناطقيته، ومقتضى استعداده، ثم انظر إلى الخيال، الذي هو أصغر خادم لجوهر الإنسانية، واذهب إليه، وقل: أيها الخيال السيد، أبشر! فسيوهب لك عمر يزيد على ملايين السنين، مع سلطنة الدنيا وما فيها؛ ولكن عاقبتك الفناء والعدم، وعدم العودة إلى الحياة! ثم انظر كيف يقابلك الخيال؟ أبالبشارة والسرور، أم بالحسرة والندامة؟ بل إن جوهر الإنسانية سيئن في أعماق الوجدان:

آه! واحسرتاه..! على فقدان السعادة الأبدية!".([24])

وقال في موضع آخر: "لو قيل لقدرة التخيل في الإنسان، وهي إحدى وسائل العقل، وأحد مصوريه: ستمنح لك سلطنة الدنيا وزينتها، مع عمر يزيد على مليون سنة، ولكن مصيرك إلى الفناء والعدم حتما؛ نراها تتأوه وتتحسر! -إن لم يتدخل الوهم وهوى النفس -أي إن أعظم فانٍ- وهو الدنيا وما فيها- لا يمكنه أن يشبع أصغر آلة في الإنسان، وهي الخيال! يظهر من هذا جيدا أن هذا الإنسان الذي له هذا الاستعداد الفطري، والذي له آمال تمتد إلى الأبد، وأفكار تحيط بالكون، ورغبات تنتشر في ثنايا أنواع السعادة الأبدية، هذا الإنسان إنما خُلق للأبد، وسيرحل إليه حتما. فليست هذه الدنيا إلا مستضافا مؤقتا، وصالة انتظار الآخرة!".([25])

إنه ضرب من التحليل النفسي الدقيق، والاستبطان الوجداني العميق؛ للشخصية الإنسانية، وعرض التجربة الوجدانية لابن آدم مشرّحة، معروضة كما هي؛ بناء على القاسم المشترك في الفطرة البشرية، والغريزة الإنسانية، المجبولة على حب البقاء، والاستزادة من طول العمر. وذلك ما قررته الأحاديث النبوية، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمُرِ"،([26]) وإنما كان بديع الزمان يعرض هذا المعنى بالذات، لكن في صورة تحسيسية، تمثيلية، مستثمرا نصوص الكتاب، وجوامع الكلم النبوي الشريف، في تفسير الوجود الإنساني. إن كلام بديع الزمان ضرب من "تحقيق مناط" الوحي -بتعبير الأصوليين- على النفس الإنسانية؛ إذ حب العيش الممتد أبدا أمر جبلّي في الإنسان، لا يخفف من غلوائه إلا الإيمان باليوم الآخر! وعلى هذا يفهم قوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ)(البقرة:96). فهذا الشعور في الحقيقة ليس خاصا باليهود والنصارى والذين أشركوا فحسب وإنما هو لديهم غال مفرط؛ بسبب غياب الإيمان باليوم الآخر أو ضعفه الشديد لديهم، وإلا فهو طبيعة بشرية حاضرة حتى في الإنسان المؤمن ولكن باعتدال. وشاهده من الحديث النبوي كثير، وذلك نحو قوله تعالى في الحديث القدسي: "وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ، ولا بد له من الموت!"([27]) وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - مخبراً أن نبي الله موسى - عليه السلام - لما جاءه ملك الموت لطمه ففقأ إحدى عينيه([28]) ونحو هذا لو تتبعناه كثير؛ ومن هنا لا يمكن إلا أن تقر -مع بديع الزمان- أن الإنسان فعلا "خُلِقَ للأبد والخلود؛ بدليل آماله الممتدة إلى الأبد (...) وهذا هو السر في ظهور ميل شديد إلى التحري عن الدين الحق، في أعماق كل إنسان، فهو يبحث قبل كل شيء عن حقيقة الدين الحق؛ لتنقذه من الموت الأبدي".([29])

وللبقاء عند النورسي مفهوم خاص. ذلك أن البقاء الحق إنما يجده الذي سعد بلقاء الله، ووصل إلى باب الرضى. فيجد من لذة البقاء في الدنيا قبل الآخرة ما يملأ قلبه طمأنينة وحبا في ربه، مما ينشط سيره إليه تعالى فلا يجد من الحياة وحشة، ولا من الموت فزعا. أما من ضل طريقه إلى ربه؛ فهو الذي يسقط في غيابات العدم، بمعنى أنه يشعر بالموت وكأنه نهاية قاضية، واندثار تام عن الوجود، فيملأ ذلك قلبه بؤسا، تماما كما قال الله - عز وجل -: (قَدْ يَئِسُوا مِنَ الآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ)(الممتحنة:13). ولبديع الزمان إشارات ولطائف، في استنباط هذا المعنى من القرآن. قال رحمه الله: "فالإنسان الذي تاه في كثرة المخلوقات، وغرق في الكائنات، وأخذ حب الدنيا بلبّه، حتى غره تبسم الفانيات، وسقط في أحضانها، لا شك أن هذا الإنسان يخسر خسرانا مبينا، إذ يقع في الضلال والفناء والعدم، أي يعدم نفسه معنى.

ولكن الإنسان إذا ما رفع رأسه، واستمع بقلب شهيد لدروس الإيمان، من لسان القرآن، وتوجه إلى الوحدانية فإنه يستطيع أن يصعد بمعراج العبادة إلى عرش الكمالات والفضائل فيغدو إنسانا باقيا!".([30])

إن رغبة التعبد لدى الإنسان إذن؛ هي رغبة فطرية؛ بسبب ما جُبل عليه من حب البقاء. إلا أن هذه الرغبة قد تنحرف عن تجليات العبادة إلى تجليات "الأنانية". فما دام أنها رغبة فطرية؛ فلا بد أنها ظاهرة بصورة ما، ومعبرة عن نفسها تلقائيا بشكل ما. إما إيجابا: بالبحث عن الباقي سبحانه، والسير في طريق المعرفة القدسية؛ وإما سلبا: بالاستكبار في الأرض، والتأليه للنفس؛ ظنا بأن ذلك يحقق لها رغبة الخلود والبقاء. وما ذلك طبعا إلا الانحدار إلى غيابات الفناء والعدم المعنويين في الدنيا قبل الآخرة.

إن تحرير النفس من "الأنا" هو السبيل الوحيد للحصول على حقيقة الماهية الإنسانية -بمعناها الكوني- الساعية إلى البقاء بالباقي سبحانه، بعد فنائها عن أناها الواهمة. وإنما تحريرها: أن تنظر إليها -كما هي- بالمعنى الحرفي وليس بالمعنى الاسمي على حد تعبير بديع الزمان، أي على أنها تابعة في وجودها تبعية الحروف في الجملة النحوية إلى الاسم، لا أصيلة الوجود، كما الأسماء. وإنما الاسم الحق هو الله رب العالمين. وأما "أنا" فليست في هذا السياق التفكري إلا "حرفا" بالمعنى الكوني لدى النورسي. أي بمعنى أنها تابعة في وجودها للباقي - جل وعلا -.

قال رحمه الله في كلام مفصل بديع: "اعلم، أن مفتاح العالم في يد الإنسان، وفي نفسه. فالكائنات -مع أنها مفتحة الأبواب- منغلقة، فالحق سبحانه أودع من جهة الأمانة في الإنسان مفتاحا يفتح به كل أبواب العالم، وطلسما يفتح به كنـز خلاق الكون. والمفتاح: ما فيك من "أنا". إلا أن "أنا" أيضا معمى مغلق، ومطلسم منغلق، فإذا فتحت "أنا" بمعرفة ماهيته الموهومة انفتح لك الكائنات!(...)

فالإنسان إذا عرف "أنا" ما هو؛ بأن رآه شعرة شعورية في حبل وجود الإنسان، وخيطا رقيقا في ثوب ماهية البشر، وألفا في كتاب الشخص؛ له وجهان: وجه إلى الخير، فبه قابل للفيض فقط، لا فاعل. ووجه إلى الشر والعدم وبه فاعل. وماهيته موهومة، وربوبيته مخيلة، ووجوده أضعف من أن يتحمل شيئا بالذات، بل إنما هو كميزان الحرارة، وأمثاله من الموازين، التي يعرف بها مقادير الأشياء. فـ"أنا" أيضا ميزان يعرف به الصفات المحيطة المطلقة للواجب الوجود، وأذعن: دخل تحت (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا)(الشمس:9) وأدى الأمانة بحقها.

فإذا تأملت في "أنا" بالمعنى الحرفي، صار لك عينا، تفهمتَ ورأيتَ به كل ما في الكون؛ لأنه إذا جاءت المعلومات الآفاقية صادفت في "أنا" ما يصدقها. فإذا فهمتها انتهت وظيفة "أنا" وربوبيته الموهومة، ومالكيته المفروضة. فليرجع "أنا" من السمكتية إلى الحبابية! وأما إذا نظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي واعتقدته مالكا، وخنت في الأمانة؛ دخلت تحت: (وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)(الشمس:10) إذ الأمانة التي تدهشت من حملها السماوات والأرض والجبال هي: "أنا" من هذه الجهة، إذ منها يتولد الشرك، والشرور والضلالات، إذ إذا تستر "أنا" عنك غلظ! حتى صار حبلا بلع وجودك، فصار كلك "أنا". ثم استغلظ بأنانية النوع، والاستناد به؛ فيصير شيطانا يبارز أمر صانعه! ثم يقيس الناس، ثم الأسباب على نفسه فيقع في شرك عظيم! ففي هذا الوجه لو أرسلت عينك، وفتحت كل الآفاق؛ انغلق في وجهك، برجوع عينك إلى نفسك؛ إذ ترى كل شيء بلون ما في نفسك من "أنا"! ولونه في ذاته -في هذا الوجه- الشرك والتعطيل. ولو مُلئت الآفاقُ آيات باهرة، وبقي في "أنا" نقطة مظلمة طمت على الآيات!".([31])

وليس عبثا أن كره النبي - صلى الله عليه وسلم - سماع "أنا" من طارق الباب عندما سئل: "من؟" فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه -: "استأذنت على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال من هذا؟ فقلت: أنا. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنا! أنا!"" وفي رواية لمسلم: "فخرج وهو يقول: أنا! أنا!" وقد ترجم مسلم لهذا الباب بقوله: "باب كراهة قول المستأذن: "أنا" إذا قيل: من هذا؟". وإنما كان قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ردا على الطارق: "أنا! أنا!" في رواية الشيخين؛ إنكارا ونهيا عن استعمال هذا التعبير في مثل هذا السياق؛ لما فيه من إحالة على قول إبليس اللعين لرب العالمين، في مقام الاستعلاء على آدم عليه السلام؛ غرورا وتكبرا، لما أمر بالسجود له، فقال: "أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ!" كما هو محكي في قول الله تعالى: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلاَّ تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ * قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)(الأعراف:12-13).

وفي الحديث أيضا ما روي من قوله - صلى الله عليه وسلم - إذ قال: "انتسب رجلان على عهد موسى، فقال أحدهما: أنا فلان بن فلان؛ حتى عد تسعة. فمن أنت لا أم لك؟ قال: أنا فلان بن فلان ابن الإسلام. فأوحى الله إلى موسى أن قل لهذين المنتسبين: أما أنت أيها المنتسب إلى تسعة في النار، فأنت عاشرهم في النار! وأما أنت أيها المنتسب إلى اثنين في الجنة، فأنت ثالثهما في الجنة".([32])

إن هذه "الأنا" التي ذابت -في نهاية المطاف- في الإسلام: "ابن الإسلام!" إنما وجودها في -شعور صاحبها- هو بالمعنى الحرفي لا الاسمي، كما بين النورسي. أما "الأنا" التي امتدت متسلسلة عبر ذاتها، محققة لكل طاقاتها "الأنانية"؛ فهي موجودة في حس صاحبها بالمعنى الاسمي. إن الشعور بـ"الأنا" في المجال التعبدي مخالف تماما لقصد الشارع الحكيم؛ بناء على ما أصلناه في الكتاب والسنة، من كمال إنساني، راجع إلى الإحساس بالفقر، والضعف، والحاجة إلى الله الواحد القهار. إنه إذن مناقض لمنطق العبودية؛ ومن هنا خطورته على المستوى العقدي.

إن الرغبة الفطرية في الإنسان للحصول على البقاء. كما قد تنقسم سلوكيا بين النظر الحرفي والنظر الاسمي، قد تنقسم كذلك "مذهبيا" إلى هذين المعنيين. ومن هنا مشكلة الفلسفة الغربية منذ القديم إلى الآن، إذ كانت قائمة في مقاصدها -ولا تزال- على تأليه الإنسان! والنظر إلى "أناه" بالمعنى الاسمي! مما أدى بها إلى التيه والعدمية في نهاية المطاف. وتلك نتيجة حتمية لمقدمات التأليه للأنا. قال بديع الزمان: "إن "أنا" له وجهان: وجه أخذته النبوة، ووجه أخذته الفلسفة.

فالوجه الأول: منشأ العبودية المحضة. ماهيته حرفية، ووجوده تبعي، ومالكيته وهمية، وحقيقته فرضية، ووظيفته: صيرورته ميزانا ومقياسا لفهم صفات الخالق. فالأنبياء هكذا نظروا إلى "أنا"، فسلموا الملك كله لله. وحكموا بأنه لا شريك له، لا في ملكه ولا في ربوبيته، ولا في ألوهيته. وبيده مقاليد كل شيء، وهو على كل شيء قدير. ومن هذا الوجه الشفاف الحي أنبت الرحيم - جل وعلا - شجرة طوبى العبودية، فأثمرت أغصانها المباركة في حديقة الكائنات، دانية قطوفها، متدليةَ ثمرات الأنبياء والمرسلين، والأولياء والصديقين، المتلألئين كالنجوم في الظلمات!

وأما الفلسفة فنظرت إلى "أنا" بالمعنى الاسمي دون الحرفي، وبالوجود الأصلي دون التبعي، وزعموه مالكا بالحقيقة، وظنوه حقيقة ثابتة، وتوهموا وظيفته: تكمل ذاته بحب ذاته! فمن هنا تشعبت أنواع الشرك، وعلى رأس "أنا" نبتت شجرة زقوم الضلالة (...) فـ"أنا" في العالم الصغير، كالطبيعة في العالم الكبير: كلاهما من الطواغيت! (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(البقرة:256).([33])

إن رغبة البقاء لدى الإنسان، إن لم تعتصم بالنبوة؛ فستتحول إلى جحيم من الشرور، بسبب ما تؤدي إليه من رغبة في السيطرة الظالمة، والهيمنة على الآخرين بغير حق، والسطو على حقهم في العيش والوجود. وهو تماما ما آلت إليه الفلسفة الغربية، التي أفرزت في نهاية المطاف فكرا استعماريا، أنانيا، متجبرا، ما يزال يسوم العالم من الويلات؛ ما يؤكد أن الجزاء الأخروي من العذاب المقيم، هو من صميم العدل الإلهي العظيم، الذي رتب للأنا الظالمة ما رتب لها من جزاء، بسبب الانحراف عن المهمة الكونية، التي خلقت من أجلها أصالة، والانحراف عن التوظيف السليم لهذه الطاقة الهائلة، التي منحت للإنسان؛ لكي يحلق بها في أشواق الخلود؛ سلوكا إلى الباقي - جل وعلا -.

قال الأستاذ النورسي: "إن حب الإنسان لنفسه، وتحري مصلحته وحده، وحبه لذاته وحده، من الأشكال الخبيثة لـ"أنا والأنانية"، وإذا ما اقترن العناد والغرور بذلك الميل؛ تولدت فظائع بشعة بحيث لم يعثر له البشر على اسم بعد. وكما أن هذا دليل على وجوب وجود جهنم، كذلك لا جزاء له إلا النار!"([34]) ومن هنا، فقد آمن الأستاذ سعيد النورسي أن الرغبة الكونية للبقاء لدى الإنسان؛ إذا أخذت طريقها السليم في التعبير الوجودي، قد تفيد في الجزئيات وليس في الكليات فقط. بمعنى أن كل أمر خالطته "الأنا" -من الأمور الحياتية- لم يكتب له النجاح والبقاء، بينما إذا خلا منها صار إلى البقاء. هذا في كل شيء. حتى قال في سياق حديثه عن رسائله النورية: "يا سعيد! كن صعيدا! في نكران تام للذات، وترك للأنانية، وتواضع مطلق كالتراب؛ لئلا تعكر صفو رسائل النور، وتقلل من شأنها في النفوس!".([35])

* المصدر: كتاب مفاتح النور للأستاذ فريد الأنصاري - رحمه الله -

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الهوامش:

[1] مقاييس اللغة، مادة: "أ ن س".

 [2] مفردات القرآن، مادة: "أ ن س".

 [3] لسان العرب، مادة: "أ ن س".

 [4] الكلمات، ص 418.

 [5] الكلمات، ص 204.

 [6] الشعاعات، ص 272.

 [7] الكلمات، ص 63-64.

 [8] إشارات الإعجاز، ص 222.

 [9] اللمعات، ص 593.

 [10] إشارات الإعجاز، ص 162.

 [11] اللمعات، ص 509.

 [12] اللمعات، ص 127.

 [13] إشارات الإعجاز، ص 26.

 [14] إشارات الإعجاز، ص 149.

 [15] انظر مصطلح "الانتساب الإيماني" من هذا الكتاب.

 [16] المكتوبات، ص 571.

 [17] الكلمات، ص 828-829.

 [18] المكتوبات، ص 473.

 [19] رواه أحمد والأربعة وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير، رقم الحديث: 3407.

 [20] اللمعات، ص 12.

 [21] اللمعات، ص 19-20.

 [22] الكلمات، ص 42.

 [23] الكلمات، ص 365.

 [24] صيقل الإسلام، ص 137.

 [25] الكلمات، ص 95.

 [26] متفق عليه.

 [27] رواه البخاري.

 [28] انظر تمام القصة في صحيح مسلم ومسند أحمد وغيرهما. وانظر كذلك، المكتوبات: 451.

 [29] صيقل الإسلام، ص 494.

 [30] الكلمات، ص 418.

 [31] المثنوي العربي النوري، ص 327-328.

 [32] رواه النسائي، والبيهقي، والضياء عن أبي - رضي الله عنه -. وصححه الألباني في "صحيح الجامع الصغير، 1492".

 [33] المثنوي العربي النوري، ص 329.

 [34] صيقل الإسلام، ص 345.

 [35] الملاحق، ص 110.

 

 

 

 

 

 

 

الإطلاع : 2828 آخر تعديل على السبت, 13 كانون1/ديسمبر 2014 14:15
أ.د. فريد الأنصاري

  .جامعة مولاي إسماعيل، ورئيس المجلس العلمي "بمكناس" -المغرب

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة