معارج القلب الإنساني

مركز الدراسات - الإثنين, 20 تشرين1/أكتوير 2014
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

كتاب "التلال الزمرّدية، نحو حياة القلب والروح" يرسم فيه مؤلفه -فضيلة الشيخ فتح الله كُولن- طريق ارتقاء القلب الإنساني في معارج المعرفة الإلهية التي هي أرقى معارف الإنسان قاطبةً، وكُلُّ معرفة دونها مدينةٌ لها، وظلٌّ من ظلالها، وأثرٌ من آثارها. وقد استعان الأستاذ في رسم معالم هذه الطريق بتجاربه الذاتية، وبتجارب جمهرة من فضلاء مَنْ سلك هذه الطريق نفسها من عظماء الصوفية الملتزمين بكتاب الله وسنّة رسوله عليه الصلاة والسلام.

والتصوف، على الرغم من كونه تجارب نفوس في طريق التزكية، ومعاناة أرواح يضنيها الشوق إلى الله، تختلف من متصوف إلى آخر، غير أَنَّ مجموع هذه التجارب والخبرات المتراكمة والتي تناقلها الصوفية بعضهم عن بعض عبرَ قرون متتالية تحولت إلى علم له أصوله وقواعده ومصطلحاته، مثلما أن لكل علم له أصوله وقوعده ومصطلحاته وتجاربه.

وقد وقف الأستاذ عند هذه المصطلحات، وشرح مدلولاتها اللغوية، ومعانيها الاصطلاحية، ومفاهيمها عند أرباب التصوف أنفسهم. ومن خلال هذه المنهجية استطاع أن يجعل القارئ في الصورة الحقيقية للتصوف كما هي دون أي التباس قد يؤدي إلى عدم إدراك مراميه وفهم مقاصده الاصطلاحية التزكوية.

والكتاب بعد ذلك يمكن أن نعدّه نوعًا من أنواع الدراسة للقلب الإنساني في أحواله ومقاماته وسيره وسلوكه إلى الله تعالى، كما أنه في الوقت نفسه دعوة لأرباب القلوب لكي يفيدوا مِمّا يقوم عليه هذا السلوك من خُلُقٍ وأدبٍ، وأذواق وأشواق، في رؤية قرآنية وسنَّة نبوية لا تحيد عنهما. ويمكننا متابعة الأستاذ المؤلف في رؤياه للتطور الروحي للسالك، حيث تبدأ أولى خطوات السلوك عنده بمعرفة النفس التي بين جنبيه، وتجلية جوهرها الإلهي. فالنفس آية من آيات الله تعالى، لذلك أقسم بها بنص القرآن. فَفَهْمُهَا وإدراكُ ما تنطوي عليه من لطائفَ وأبعاد غيبية وشهودية، دليل على أن السالك قد خطى الخطوة الأولى في طريق السلوك.

وتأتي الخطى بعدها متتاليات مترادفات؛ من تخلية وتحلية وتزكية، أو إنْ شئتَ قلتَ؛ من إسلام وإيمان وإحسان؛ وإنْ شئتَ قلتَ، هو علم اليقين، عين اليقين، وحقّ اليقين؛ أو إنْ شئتَ قلتَ، هو استغراق بالكلية في حب الله، وهيام به، وعشق قد يبلغ بصاحبه أحيانًا حد الشده.

الكتاب بعد ذلك يمكن أن نعدّه نوعًا من أنواع الدراسة للقلب الإنساني في أحواله ومقاماته وسيره وسلوكه إلى الله تعالى، كما أنه في الوقت نفسه دعوة لأرباب القلوب لكي يفيدوا مِمّا يقوم عليه هذا السلوك من خُلُقٍ وأدبٍ، وأذواق وأشواق

 كُلُّ هذه الأحوال والمقامات، وارداتٌ وفيوضات تتنـزل على قلب المريد، فتنقله من حال إلى حال، ومن قبض إلى بسط، ومن قهر الجلال إلى باحة الجمال، ومن فرح بالوارد الموجود إلى حزن على المفقود منه، ومن خوف من الإعراض إلى اطمئنان بالإقبال... وهكذا تظلُّ تتقلب النفس في هذه الأحوال والمقامات حتى تبلغ في خاتمة المطاف إلى مقام "الرضى"، وعندئذ تكون هي المعنية بقوله تعالى: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * اِرْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي)(الفجر؛ 27-30).

وفضيلة الأستاذ بكيانه كله، وبوجوده أجمعه، روح عظيم فياض بالمعارف الإلهية. لقد ذهب بعيدًا وبعيدًا جدًّا في ارتقاءاته الروحية، إلاَّ أنه لم يَنْسَ لحظةً واحدةً أنه صاحب قلم مسؤول عن إيمان أمة، وعن حياتها الروحية والحضارية... فما ابتعد إلاّ اقترب، وما غاب إلاّ حضر، وما ارتقى إلاّ ليرتقي بأمته، وما عرفَ إلاّ ليعرّف أمّتَه... فهو دائم الرواح بين الله تعالى وبين خلقه، بين سمائه وأرضه، بين عروج وهبوط، وهبوط وعروج، لكنه مع الأمة دومًا في أوجاعها ومعاناتها.

لقد قرأ لعمالقة التصوف الكبار، من عرب وفرس وترك، وكان له من وجدانه الشاعري، وحِسّهِ المرهف خير مِعْوَانٍ على ذلك، فشرب من الكأس نفسها التي شربوا منها، وخاض البحار نفسها التي خاضوها، وعانى ما عانوا، وَوَجَدَ مثلَ وَجْدِهِمْ، واتَّقَدَتْ شمسُ المحبة في قلبه كما اتَّقَدت في قلوبهم، وسكب الغزير من الدموع كما سكبوا، وأَنَّ، وَحَنَّ، وفاض وَجْدُهُ، والْتهب شوقُه، وعلا نشيجُه، واحترق قلبه، إلا أنه ظلَّ ممسكًا بميزان الشريعة ليفرّق بين مقبولها ومرفوضها... وها هو يؤكد ذلك بقوله: "ففي أمثال هذه المواقف، فالحذر واليقظة وموازين السنة النبوية هي الأساس. أما رجال الحق الذين غلب عليهم الحال وهم مخمورون بحظوظ المشاهدة، فقد يتلفظون بأمور مخالفة لهذه الحقيقة. ففي أمثال هذه المواقف، ينبغي البحث بإنصاف عن نيّاتهم وعدم الاستعجال في إصدار الحكم عليهم"[1].

وقلب الصوفي -كما يصفه الأستاذ عن دراية- يظلُّ في سُموٍّ وارتقاء إلى آخر مدياته حتى يقف عند ينابيع العطاء الرباني في بهجة وهيام يزداد لَهيبه في قلبه كُلَّ يوم قوةً على قوة.

فصاحب هذا القلب يتحول إلى إنسان عظيم النفس غير الذي كان، ويشعر أن روحه مفعم بعوالم سامية الجمال تتخذه موئلاً وسكنًا، فيتسع بذلك قلبه حتى ليحتوي العالم بأسره، ويعلو عقله حتى ليشرف على سرِّ الواحدية والأحدية ذات الومضات والتجليات في الأنفس والآفاق، وهو في انطراح دائم بذلّة ومسكنة وعجز بين يدي الله تعالى منتظرًا الإشارة والرمز وومضة الهداية إلى الطريق.

ورجال القلوب بهذه المثابة هم تاج الجنس البشري؛ إذا تكلموا أراقوا في كل كلمة من كلماتهم حياةً، وفي كُلّ خاطرة من خواطرهم روحًا، فيخلفون في الأسماع دويًّا مستديمًا، تبقى أصداؤه في حنايا الصدور طوال الحياة، وهؤلاء هم الأمل الذي ظلَّ الشيخ فتح الله يهدهده في كتاباته حيث يقول: "فالذين يريدون تذوّق هذه النشاوى الروحية اللاّمُتناهية إلى الأبد، يُنظّمون هجرات فائقة جادة في كل حين، مما لا يريده الله إلى ما يريده، ومما نهى عنه إلى ما أمر به، ومما لا يحبه ولا يرضاه إلى ما يحبه ويرضاه... فيعيشون في فرار إليه تعالى، لا يقرّ لهم قرار إلاّ بإسناد كل شيء إليه سبحانه، وهذا هو الاعتصام الحقيقي".[2]

والقلب -كما يراه الأستاذ- كونٌ روحي عظيم يقوم قبالة هذا الكون المشهود بسماواته ونجومه وكواكبه، ولكنه حين يغلق نوافذه من دون القرآن يصبح خليطًا من قوى عمياء يصدم بعضها بعضًا ويحطم بعضها بعضًا، بل الحياة نفسها من دون القرآن تقفر وتجدب ويصعب تقبلها، وربما ينتهي عذاب الإنسان في هذه الحياة إلى نوع من أنواع الانتحار الفكري والجسدي.. وكثيرون هم الناس الذين يولون الأدبار في هلع من الحياة، لأنهم عجزوا عن فهمها وإدراك مراميها.. وكثيرة هي النفوس المرتعشة، لأنَّ قبسًا من نور القرآن لم يدلف إليها.

رجال القلوب بهذه المثابة هم تاج الجنس البشري؛ إذا تكلموا أراقوا في كل كلمة من كلماتهم حياةً، وفي كُلّ خاطرة من خواطرهم روحًا، فيخلفون في الأسماع دويًّا مستديمًا، تبقى أصداؤه في حنايا الصدور طوال الحياة

وأنت -أيها الانسان- أتستطيع أن تصوغ نفسك صياغة جديدة...؟! أن تهْدمها وتشكّلها من جديد...؟! أن تعدمها ثم ترتقي بها نحو كمال جديد للوجود...؟! نعم... القرآن يستطيع ذلك... إنه يستطيع أن يجعلك تتسع وتمتد بحيث تتجاوز بما لا يقاس بمصيرك الإنساني الذاتي... بل يجعلك تحسُّ بسمؤوليتك عن الحياة برمّتها، وعن جنس الإنسان بأكمله، بل يجعلك قادرًا على أن تنشئ حقائق  جديدة لم تكن تخطر على بال أحد..وإن ملكات عظيمة معطّلة فيك يمكنك أن تبعث فيها الحياة وتنمّيها لتبلغ بك غايات هي ما وراء الموت والحياة، والخير والشر، والأرض والسماء.. حتى إن الأبدية نفسها تظلُّ لا تشغل من وجودك إلاّ بعض هذا الوجود، فإذا بك تصير بهذه الخليقة الجديدة إنسانًا فوق الإنسان، وإيمانًا فوق الإيمان، ويقينًا فوق اليقين، وإلى هذا يشير الأستاذ فتح الله فيقول: "القلب، كالقلعة الحصينة لصحة الفكر واستقامته، وصحة التصور ووضوحه، وصحة الروح ونقائها، بل حتى لصحة البدن وسلامته... فمشاعر الإنسان المادية والمعنوية تحتمي بهذه القلعة وتُصان بها. لذا فالقلب الذي يحوز هذه الأهمية لا بد له من موضع مراقبة وحَجْر صحي ومنتجع. ذلك لأنه لطيفة عسير جدًّا ضمادها إذا جُرحت، بل أعسر منه إحياؤها إذا ماتت. لذا يوصينا القرآن الكريم بهذا الدعاء: (رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا)(آل عمران: 8) والرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- يذكّرنا بهذا الحَجر الصحيّ والحماية حيث يدعو مرارًا صباح مساء متضرعًا إلى الله تعالى: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»"[3].

وقد وضع الأستاذ في هذا الكتاب -على الرغم من كونه دراسة موضوعية لعالم التصوف- شيئًا من ذاته، وشيئًا من روحه وفكره، وفهمه لروح التصوف وجوهره.

إنه يعلمنا كيف نشحن النفس بقوى الإيمان وطاقاته في مواجهة محن الزمان، وهو يريد من المسلم أن يكون عظيم النفس، هائلاً في عظمته، مهيبًا في سموّه، خارقًا في قوة روحه... وأنْ يظلَّ تَعطُّشه إلى الحياة متأججًا في قلبه.. وإذا ما خانته نفسُه رجع إلى الله متضرعًا: "رجعت إليك فأنقذني من نفسي، اكْسرْ قيودي، حطّمْ سجون ذاتي، ارْفعني إليك، خذْني منّي إليك...!"

فهذا الكتاب مرآة للروح تنعكس على صفحاته، وتعكسه على الآخرين.. والروح لا جهات لها، فمن أين أتيتها فقد أتيتها، وكذلك من أين دلفتَ إلى هذا الكتاب فقد دلفتَ إلى الكتاب كله، وإلى روح صاحب الكتاب.. ومنْ هنا هذا الاقتران الحميمي التجانسي بين الروح والقرآن، فكلاهما من عالَم الأمر، بل القرآن نفسُه هو روح نزل به روحٌ على روح سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم-، أو إن شئت قلتَ على قلبه... فالروح والقلب في المصطلح الصوفي واحد كما ورد في الكتاب، وهو الساري في أوصال الوجود والباعث فيه الحياة، كسريانه في الإنسان المنطوي على العالم الأكبر.

والصوفي الحق -كما عند الأستاذ- قرآني الروح، سُنِّيُّ السلوك، فلا عروج ولا ارتقاء إلاّ فيهما ومنهما. فإذكاء نار العداء بين الذين يُسَمَّوْن أهل الشريعة وأهل الحقيقة أجّجَ في السابق ويؤجج اليوم صراعات خطيرة بين المسلمين، وهو وَهْمٌ يجب الانتباه إليه، ولعلّ الله تعالى يقيض رجالاً من رواد الحقيقة ورجالاً من رواد الشريعة ليتداركوا هذا الأمر الخطير ويردموا ما بين المسلمين من هُوّات واسعة عميقة.

وأحسب أن هذا الكتاب هو محاولة في هذا الشأن للتقريب بين المسلمين وإشاعة الود والسلام بينهم.

نستطيع أن نعد هذا الكتاب فهمًا جديدًا لروح التصوف وجوهره، كما أنه يرسم للقلب البشري طريق سير نحو عملية إدراكية للمعرفة الإلهية على ضوء من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام.. بالإضافة إلى ذلك فهو يكاد يكون مرآة لروح المؤلف المفعم بالمعرفة الإلهية وكيفية اعتمادها في خدمة الأمة والوقوف معها فيما تشكو منه من آلام وأوجاع ومعاناة.

اللّهُم أنت السلام، ومنك السلام، وإليك يعود السلام، فحيّنا ربّنا بالسلام، وأدخلنا دارك دار السلام بالسلام، برحمتك ياذا الجلال والإكرام. 

الفاعلية الحركية في الفكر والحياة

•   عندما لا يحترق القلب شوقًا، والروح عذابًا، والذهن همًّا، فلا تتكلم.. وإلاّ فلن تجد أحدًا يصغي إليك.

•   وعندما لا يملأُك الشعور بأنّ دعوتك هي قلب الكون، وروح الوجود، وأنها ميزان العالم، وصمَّام أمنٍ وأمانٍ له، فكيف تواتيك الشجاعة لمواجهة العالم كله؟!

•   وعندما لا يلتهب في دمك عِرقٌ بطولي عارم يدفعك لتحدي قدرات هي أعظم من قدراتك، وإمكانات هي أعظم من إمكاناتك، فكيف إذن ستخرق المتحديات وتصنع الأعاجيب؟!

•   وعندما لا تشعر بمسؤوليتك في إنقاذ الإيمان مما يحيق به من خطر عظيم في العالم كله، فكيف تريد إذن من هذا العالم أن يفتح أذنيه ليسمعك؟!

•   وعندما لا يصدر كلامك مُحمّلاً بألطاف من الشفقة والرحمة بأولئك المجذومين روحيًّا ومعنويًّا، فإنّ كلامك معهم لا يزيد عن كونه ثرثرة لا يترك أثرًا في أحد.

•   وعندما لا تحسُّ بأنفاس الملائكة تمازج أنفاسـك، وبرفيف أجنحتها يلاطف وجهك شاهدةً على ما ينطق به لسانك، فلن تشُمَّ رائحة الصدق الذي من دونه لا تتفتّح لكلامك قلوب الآخرين وعقولهم.

•   وعندما لا تدفعك مسؤوليات الدعوة لزيادة الإدراك، وفَهْم توجهات العالم الروحية والفكرية، واكتشاف اللغة التي يمكن من خلالها أن يفهمك، فأنت عابث غير جاد... والعابثون من الدعاة يضرّون ولا ينفعون، ويؤخرون ولا يقدمون.

•   وعندما تصاب الروح بالفتور، وتنخفض درجة حرارة القلب، ويخبو أوارُ الفكر، فأنت متوعك روحيًّا... فعليك أن تصمت، لأن الصمت هنا أبلغ من كل كلام ميّت تقوله.

•   وإنْ لم تطرح نفسك التي تضايقك وتعذبك بعيدًا خارج نفسك، فكيف يطهر كلامك ويتقدس فعلك؟!

•   وإنْ لم تشرق شمس اليقين بالنصر في سماء كيانك، فكيف يكون كلامك دافئًا وصوتك قويًّا؟!

•   وإنْ لم ترتّب بيتَ نفسك أولاً، فكيف تستطيع أن ترتب بيوت نفوس الآخرين؟!

•   وإنْ لم تكن نفسك جميلةً، فكيف تستطيع أن تجمّل نفوس الآخرين؟!

نستطيع أن نعد هذا الكتاب فهمًا جديدًا لروح التصوف وجوهره، كما أنه يرسم للقلب البشري طريق سير نحو عملية إدراكية للمعرفة الإلهية على ضوء من كتاب الله وسنة رسوله عليه السلام.. بالإضافة إلى ذلك فهو يكاد يكون مرآة لروح المؤلف المفعم بالمعرفة الإلهية وكيفية اعتمادها في خدمة الأمة والوقوف معها فيما تشكو منه من آلام وأوجاع ومعاناة.

هذه بعض ملامح عامّة يمكن اسـتخلاصها من هذا الكتاب القيّم "طرق الإرشاد في الفكر والحياة". فمؤلف الكتاب الداعية الكبير الأستاذ الفاضل فتح الله كولن -أمدّ الله في عمره- له في مجالات الدعوة إلى الله تعالى معاناة وتجارب وأحداث ووقائع يمكن أن يفيد منها الدعاة في كل مكان.. ولـه في هذا الشأن مبتكرات وإبداعات أسهمت في بناء صرح إيمانيٍ عظيم على المستويين المادي والمعنوي تكاد تغطّي خارطة تركيا الحديثة شرقًا وغربًا وشمالاً وجنوبًا، فضلاً عن إنجازات مثلها في أقطار أخرى خارج تركيا.

وعلينا -ونحن نقرأ هذا الكتاب- ألاّ نتابع انطلاقات قلم الكاتب وحدها، بل علينا إلى جانب ذلك أن نتابع انطلاقات روحه... فالقلم يومئ ويشير إلى هذه الانطلاقات، إلاّ أنه قاصر عن التعبير عنها.

وخير ما يترجم عن انطلاقات روحه ويفصح عنها، هذا الصرح الإيماني العظيم بقدميه الراسختين في الأرض، وبقمّته التي تكاد تلامس السماء، وعندها نستطيع أن ندرك عظمة الروح وقوة الإرادة عندما يجتمعان في الداعية ماذا يمكن لهما أن يفعلا.

والكتاب -بعد هذا الذي قلناه عنه- كتاب فريد في نوعه، إذْ هو ليس كما قرأنا من كتب في الموضوع نفسه بل يمكن أن نطلق عليه عنوانًا آخر، فنقول: إنه كتـاب في "فقه المعاناة والألم" من أجل الدعوة... بالإضافة إلى كونه قدحةً تضيء الجوّانيّة العميقة للإنسان، وما تطفح به من نازع إيماني فطري عميق... والكتاب يكاد كله يكون عملية تحريكية لهذه الفطرة المدركة، وترجمة رؤاها، والتعبير عن أهدافها ومقاصدها، كما أنه -أي الكتاب- ضدّ الفوضوية الروحية والفكرية التي تعاني منها الدعوات. وهو يهدف إلى إرساء قواعد أساسية منظمة في "العمل الدعوي" تحُول بين الداعية والتفَلّت إلى مجالات أخرى غير ملتزمة وغير منضبطة، وبذلك تحتفظ الدعوات بقواها وتمنعها من الانفلات والتبدّد في غير فائدة ولا طائل.

والأستاذ يرى، كما أن الحياة التي نحياها ونستنشق أنفاسها عملٌ فنيٌّ جماليٌّ خلاّق، أبدعه الخلاّق العظيم -جل جلاله-، فكذلك ينبغي أن تكون "الدعوة" حيـاة تحيا بأنفاس الدعاة وتتحرك بداينمية أرواحهم... وعلى قَدْرِ ما يعطونها من حياتهم، وينفخون فيها من أرواحهم وعقولهم، تنمو وتكبر وتتسع... وعلى قدر توجّههم إلى الله تعالى والاسـتمداد من رحمته، والتضرع إليه، والوقوف بذلّةٍ ببابه، تتقدّس دعوتهم وتطهر وتجمل حتى تصبح ذوقًا كلَّهَا، وخُلُقًا كلَّهَا، وأدبًا كُلَّها، وتظلُّ بَصْمتُها بصمةً لا يخطئها أحد بين بصمات الدعوات.

والإيمان عند الأستاذ فتح الله -كما يكشف عنه في هذا الكتاب- طاقة حركية ينبغي أن تتحرك على جميع الجهات، وفي جميع الجوانب.. فهي في الوقت الذي ترفع الإنسان إلى سماوات عالية من الإدراكات الروحية، فإنها في الوقت نفسه تجوب الأرضَ، وتتسلَّلُ إلى مفاصلها وشرايينها، لتبعث الحياة في روحها الثقيلة، ودمها المتجمد. فعظمة الإيمان عظمة كوكبية كونية متحركة، إذا وقفت عن الحركة انطفأت وماتت، كأي كونيِّ آخر من كونيات هذا العالم الذي جعل خالقه حياته في حركته.

وعظمة الروح وقوة الإرادة اللَّتان تنبعثان من شخصية الأستاذ "فتح الله" تتدفّقان منه نحو طلبته، كما تتدفق شعاعات الفجر في بقايا من ظلمة الليل. فهو يقاسم طلبته حياتهم، ويقاسمونه هم حياته.. فهو فيهم باعث دراية ويقظة، وهم فيه باعث نظر وتأمل وحُنوٍّ وإشفاق.. هو ضميرهم إذا تكلّم أو صمت، وهم ضميره إذا تكلموا أو صمتوا.. وهو دموع أحزانهم وهم دموع أحزانه.. وهو قلبهم إذا ترنَّمَ شجًى، وهم قلبه إذا فاض حزنًا وأسًى...

وإنهم ليرون في أحزان أستاذهم عالمًا من القوة الكاسحة التي لا يقف أمامها شيءٌ، وهو يرى في أحزانهم عالمًا من قوة إيمانٍ لا يؤودُها شيء ولا تثقلها فادحات الخطوب، وأن يمين الدهر مشلولةٌ دون الوصول إليهم، وإرادة الشرّ على صلابة أصلابهم ستتكسّرُ.

وهم يرون فيه سِرًّا إلهيًا خفيًّا، إن تكشَّف لهم بعضه إلاَّ أن أبعاضه الأخرى لم تتكشّفْ بعد، وربما سـيأتي زمانها ويحين حينها.. لذا فإنـهم يتلقون ما ينفث به وحيُ ضميره، وينبثق عنه فكره، وينفجر عنه فؤاده، بكل الاحترام والتقدير والولاء.

ولأنَّهم يرونه قبضة من طينة الحقّ، فإنـهم لن يترددوا لحظةً واحدةً في خوض البحار والقفار من أجل الإيمان الذي كرّسوا حياتهم ووجودهم في خدمته. فما الحياة كما يعلّمهم أستاذهم إلاَّ لمحة بين أبدين.. ولحظة متحركة تفصل أبد الماضي عن أبد الآتي ما أسهلَ أن يتجاوزها الإيمان دون أن تَمُسَّ هدوءهُ الجوهريَّ في الأعماق.

*       *       *

والأستاذ هنا لا يُعَلِّمُ بَقدْر ما يناجي، إنَّه هنا روحٌ كروح النَّاي يناجي حبَّات القلوب، ويسكب أنينه ونواحه في الأرواح، إن آلام الإسلام في ستة من القرون الماضية قد تجمَّعَتْ كُلُّها في روحه، فذاق حزنـها، ولبس شجاها، وغُصَّ بمرارتـها.. ولكنَّ هذا الأسى، وهذا الشجوَ، ليس أسى يأْسٍ، ولا شجوَ قُنُوطٍ، إنما هو أسًى في ذَوْبٍ من الضياء، وحزنٌ في هالة من الأمل.. إنه حزنٌ يعمّقُ قوّة النظر ليرى الأعمق والأبعد، وفي الأعمق والأبعد يكمن الأمل، ويأتي الفرج.

*       *       *

إنه هنا يفصح عن تجربته الدعوية، وعن آلامه ومعاناته في سبيلها.. وفي الوقت نفسه يحاول أن يؤسس قواعد فقه دعوي مستنبط من تجاربه الشخصية، التي تجد في عظمة الروح وقوة الإرادة مددًا يَمُدُّ الدعاة ويقوي من عزائمهم ويفتح سبل النجاح أمامهم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1]     التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح، فتح الله كولن، 1/257.

[2]     التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح، فتح الله كولن، 1/57.

 [3]     التلال الزمردية نحو حياة القلب والروح، فتح الله كولن، 1/71.

الإطلاع : 1191 آخر تعديل على الثلاثاء, 21 تشرين1/أكتوير 2014 12:35
أديب إبراهيم الدباغ

 كاتب وأديب -عراقي.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة