في آفاق الجهاد الكبير

قضايا فكرية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

 الجهاد المكي

الجهاد شرع في مكة المكرمة، أما القتال فلم يشرع إلا بعد إقامة الدولة في المدينة المنورة، وفي مكة قال تعالى آمرًا نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم: ﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا﴾(الفرقان:52). وضمير الغائب يعود على القرآن، وهو الغائب الأكبر في هذا الزمان، رغم تزايد المدارس ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم ووجود ملايين من الحُفَّاظ، وذلك بسبب عدم وجود التدبر، هذه الفريضة الغائبة في حاضر الأمة.

إذن، الجهاد الكبير هو تدبر القرآن وتعلمه وتعليمه.

أطلقوا سراح القرآن

صرخة أطلقها المفكر فهمي هويدي الذي رأى القرآن محبوسًا في قوالب التفاسير القديمة! ولكي يؤتي القرآن ثماره ينبغي أن يتنزل من جديد، بحيث يجاهد العقل المعاصر لاستيعاب أوامره ونواهيه، والتعامل معها كأنها أنزلت الآن.

فيا أيها المسلمون أطلقوا سراح القرآن من قوالب التفاسير، ومن أسْر الرؤى الماضوية، ومن أقفاص الحفظ الحرفي الذاهل عن هدايته.

أعراب العصر

يبدو لي أن أكثر مسلمي هذا العصر صاروا أعرابًا بمن فيهم غير العرب؛ لأن "الأعراب" ظاهرة ثقافية مرضية، ناتجة عن سوء فهم القرآن، مما يؤدي إلى ارتكاب حماقات كبرى في الحياة الواقعية، تُستغل من قبل الأعداء لتشويه القرآن. ولهذا وصف الله هؤلاء فقال: ﴿الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾(التوبة:97).

احتياج الفتنة إلى الجهاد الأكبر

إذا كان الله قد علل القتال في سبيل الله بتحرير الناس من "الفتنة" الكامنة في الاستعباد والإكراه، فإن ظاهرة الأعراب تسيئ إلى الإسلام وتسبب لشعوب الأرض فتنة حيث يظنون أن سلوكيات الأعراب هي الإسلام.

ولهذا فإن أوجب الواجبات وأم الفروض هي المرابطة في ثغور تعلم القرآن وتعليمه، وهو الجهاد الأكبر بنص القرآن.

حقيقة مرة

غياب الجهاد اﻷكبر هو الذي صنع القابلية لكل اﻵفات والمعضلات، ومكن سائر الحثاﻻت والرويبضات من اﻻنغراس في تربة اﻷمة، وتسلق أماكن الصدارة فيها.

ومضة

الذين "يرابطون" في ثغور الجهاد الأكبر "يربط" الله على قلوبهم ويثبت أقدامهم.

 

بوارق الفكر... "التجمد" في سفوح "الانتظار"

عنوان التخلف

للتخلف الماحق الذي يعبث بمصائر المسلمين عناوين عديدة، من أهمها الانتظار، فقد تعفنت طاقاتهم في أرصفة الانتظار.

انتظار الأقدار

من طول انتظار المسلمين لرياح القدر الإيجابية، تكسرت مجاديفه وتحطمت فاعليته، وتحول إلى ريشة في مهبّ الريح إذا علا، وإلى غثاء أحوى إذا نزل.

انتظار الأسرار

ترك المسلم "الأسباب" التي تتبدى له في "عالم الشهادة"، وقبع ينتظر "الأسرار" التي يمكن أن تنبجس من "عالم الغيب"، كالمعجزات والكرامات والخوارق العابرة لمجالات الحياة، والتي يمكن أن تصلح كل شيء، وتعيد الأمور إلى نصابها والمياه إلى مجاريها، وتعيد لهذه الأرض توازنها المفقود وصلاحها المنشود.

انتظار "السوبرمان"

ولقد تعفنت الطاقات الإنسانية الهائلة للمسلمين، وهم ينتظرون انبعاث الشخص الخارق الذي يتمنون خروجه ليملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت جورًا، وأن يُترع الحياة صلاحًا بعد أن طفحت بالفساد، والذي قد يأتي على هيئة المسيح الموعود أو المهدي المنتظر أو القائد المخلِّص أو الزعيم الملهم.

انتظار صلاح الزمان

هناك صنف عريض من المسلمين، ممن ينتمون إلى الجبرية الزمانية والحتمية التأريخية، وهؤلاء يتهمون الزمان بالفساد، ويدعون الله بأن يُلح الزمان حتى تخرج الخلافة الراشدة من رحمه.

انتظار صلاح الشعوب

ويوجد صنف من المسلمين، يعانون من تشاؤم شديد، يتهمون الأمة عامة بالفساد، ولا يكفون عن لعن الظلام، داعين الله أن يشعل الشموع التي تضيئ مجاهل الأمة حتى تعرف طريقها، ودون أن يصنع هؤلاء شيئًا فإن ديدنهم هو تجهيل الشعوب وشيطنة الحكام، والتسلح بالمنهج الذرائعي لتبرير قعودهم عن الإصلاح والتغيير.

انتظار صلاح العالم

وهناك صنف من ساسة المسلمين الذين ربطوا كل شيئ بالغرب، فتضخمت عندهم قوة الآخرين وأصابتهم عقدة المؤامرة، ومن ثم فإنهم ينتظرون تغير الموازنات الدولية، وصلاح المجتمعات الغربية! يبررون قعودهم عن إصلاح الدنيا والرضوخ للظلم والرضا بالحرمان، بانتظار الجزاء الأخروي.

ومضة

ينتظرون "تغير" العالم كله، ولا ينظرون إلى أنفسهم في سبيل "تغييرها".

في رحاب الفرقان

بين التصريف والانصراف

لقد جعل الله في القرآن الكريم منافذ النفاذ إلى الإنسان قلبًا وعقلاً وروحًا: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾(الكهف:54)، ويحتاج هذا التصريف إلى تدبر، وما لم يدرك المرء هذا "التصريف"، فإنه يكون قد "انصرف" عن القرآن، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾(التوبة:127).

بين التدبر والإدبار

الإنسان المؤمن دائم الإقبال على القرآن، ويلج إلى القرآن دومًا عبر بوابات التدبر الفسيحة، ومن لم يدخل من هذه الأبواب، فإما أن يقتحم من نوافذ التكلف، وإما أن يظل حبيسًا في الخارج، ليكتب من هاجري القرآن.

الرحمة يشكو الهاجرين إلى الرحمن

لقد وصف الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم بأنه رحمة للعالمين، وفي عرصات القيامة يفر الجميع من أحبائهم وأقربائهم، ويضج الجميع بما فيهم الأنبياء والأولياء والشهداء: نفسي... نفسي، إلا الرحمة المهداة محمدًا صلى الله عليه وسلم فإنه يصيح: أمتي أمتي.

ومع ذلك فإنه ثبت أنه صلى الله عليه وسلم يشكو قومه إلى ربه في مقام هجر القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾(الفرقان:30).

الهجْر المقنَّع

هجر القرآن أنواع: هجر التلاوة، وهجر التدبر، وهجر العمل، وأخطرها هجر التدبر، لأنه همزة الوصل بين الهجرين، وﻷنه هجر مقنَّع وخفي، وبسببه سيفقد المسلم البوصلة الهادية في العمل، ومن ثم فقد يهوي في الأسافل وهو يظن أنه يطير في الأعالي.

أشواك عدم التدبر

إن الذي لا يتدبر القرآن لا ينغرس أبدًا في تربة الحكمة، ويبقى يعبد الله على حرف، وقد تهوي به رياح الفتن في مكان سحيق، حيث التربة الخصبة لاستنبات الأشجار الشوكية، التي تنبت ما يضر ولا ينفع، وما يُفرق ولا يجمع.

تهدم جسور التلاقي

في هذه الأرضية الرخوة، تتهدم الجسور بين ثنائيات البناء؛ فيظهر الانفصام السيئ بين النقل والعقل، وينشأ الفصل الظالم بين حقوق الله وحقوق الإنسان، حيث يبرز في أفكار وأفعال المسلمين الجامدين أنماط من التدين اللاهوتي، وتشيع العلمانية المقدسة، مما يوفر القابلية لإعصار التخلف الذي يقتلع الشجر والحجر، ويهلك الحرث والنسل، ويحرق الأخضر واليابس.

ومضة

يثمر التدبر "رسوخ" العلم الذي هو ذريعة قوية لـ"شموخ" العمل.

في آفاق النهوض

قوانين نهضوية

من "أُعجب" بعلمه فقد "عجَّب" الناس من جهله المركب .

من رأى أنه "كامل"، فقد أبان للناس عن "نقصه".

من "اغترَّ" بنعم الله فقد "غرَّر" به الشيطان.

لا "يستعلي" إلا من ركبته "الدناءات"، وفرَّت منه المعالي.

لا يدَّعي "الكمال" إلا من فرغ من "الكمالات"، وداهمته "النواقص".

الخوف من مفارقة المألوف

لمفارقة الإنسان ما يألف من الأوضاع والأعراف آلام وأوجاع، ولهذا تتم مقاومة التغيير، ويستمر التوجس من التجديد، وربما كان بكاء الجنين عندما يخرج من رحم أمه من هذا القبيل، وإلا لماذا يبكي وهو سيفارق ظلمة البطن وضيق الرحم إلى سعة الأرض وأنوار الكون.

المؤمن القوَّام

مؤمن الشهود الحضاري، قيوم على الناس، قوّام بالقسط، منحاز إلى الحق، مسؤول عن الخلق، حريص على إصلاح الأوضاع الشاذة، وجبر الأمور المنكسرة، ولذلك تجده يكسر الجبارين ويجبر المكسورين، يقوي المستضعفين ويضعف المستقوين.

نعمة الألم

الألم هو نعمة جزيلة؛ لأنه دعوة صارخة إلى بلْسمة الجروح، ومعالجة الأدواء، وإبراء الإصابات، ثم إنه يكشف عن المواهب المخبوءة تحت أطمار الألفة وأطباق النعم وأغلفة الاعتياد، ولهذا فإن أصدق القصائد وأعظم الروايات وأقوى الكتب وأخلص المواعظ، هي التي انبعثت من بين براثن الألم، وانبجست من جدران التحديات.

العربية والبيات الشتوي

جعلت منظمة اليونسكو يوم 18 ديسمبر من كل عام "يومًا عالميًا للغة العربية"، ومن المعلوم أن هذا التاريخ يتزامن مع نهاية الخريف وبداية الشتاء، فهل يكون ذلك إعلانًا رسميًّا عن دخول اللغة العربية مرحلة البيات الشتوي الطويل.

الكائن الرأسي

المسلم الذي يحلق في آفاق النهوض، يمتاز بأنه صاحب فكر سامِ لا سامّ، عالي الهمة ويعشق الصعود نحو القمة، صاحب طموحات سامية وأخلاق عالية.

وعندما يغوص في "المعاني" فمن أجل الصعود إلى "المعالي".

ومضة

الكائن النهضوي قدماه وتدان في أعماق الأرض، ورأسه سحابة في أعالي السماء.

 

السموق نحو المعالي

تغلب على جبل المخاوف

كان السير إدمون هيلري أول من تسلق قمة إيفرست التي يبلغ ارتفاعها 29000 قدم، وفي حديث لوسائل الإعلام قال: "لقد تغلبت على نفسي من الخوف، تغلبت على نفسي من التفكير السلبي الذي لا يؤدي إلا للإحباط والشعور بخيبة الأمل والفشل وبذلك تغلبت على جبل إيفرست".

لقد بدأ بتسلق جبل المخاوف، وتغلب على جبل التفكير السلبي، مما مكنه من بلوغ هذا الهدف الشديد الصعوبة.

السامق المستضيئ

السامق في سماء المعالي، يكابد نفسه ويجاهد ذاته، يحد بصيرته بالذكر، ويجلو فؤاده بالفكر، ويستقبل أشعة القرآن، ومن زاد القلب والعقل يستبصر ويستضيئ، ولذلك تجده مرتبطًا بالآيات، مقتفيًا للأدلة، متتبعًا للبراهين، متسلحًا بالحجج.

السامق عاقل منضبط

بعقله المنضبط يعرف كيف يجمح الشهوات الطاغية ويلجم الغرائز المنفلتة من عقالها، ويربط القلوب الهاوية ويضبط العواطف الجياشة والانفعالات الثائرة.

الصعود المزدوج

يصعد السامق نحو العلياء على عمودي البسوق والمسابقة، البسوق في الفكر الراقي والعلم النافع، والمسابقة في فعل الخيرات وعمل الصالحات، ولذلك لا يعاني السامقون من الانفصام أو الانفصال.

ساسة النفوس

سُئل صلى الله عليه وسلم من الكيِّس فقال: "من دان نفسه وعمل لما بعد الموت" (رواه الترمزي).

وقيل لعمر بن الخطاب: من العاجز؟ فقال: من عجز عن سياسة نفسه.

وذهب برنارد شو إلى أن: أحسن المصلحين هم الذين يبدؤون بأنفسهم.

نبات جهنم

لا يمكن أن يسوس نفسه من لم يُعمل جهاز وعيه الذاتي، وهو العقل والسمع والبصر.

ولهذا اعتبر القرآن بأن من يعطلون هذه الحواس إنما هم نبات لجهنم: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(الأعراف:179).

دعاء ومناجاة

اللهم خلِّ علمي من الرياء وحلِّ معرفتي بالإخلاص، حتى أكون أهلاً لتنزل تأييدك وإعانتك، فلا أكون ممن غضبت عليهم وطردتهم من رحمتك.

اللهم وسلِّح إخلاصي بعلم يمنحني بوصلة هدايتك وتوفيقك، فلا أضل الطريق، ولا أزلّ عن الصراط، وأنا أظن أني أُحسن صُنعًا.

ومضة

من لم يقهروا نفوسهم اﻷمارة بالسوء فلن يقهروا أعداءهم السيئين، ولن تكون الجنة لهم عروسًا.

 

 

 

الإطلاع : 776
د. فؤاد البنا

 أستاذ الفكر الإسلامي السياسي بجامعة تعز -اليمن.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة