تجاوز التقليد والشعارات الجامدة

قضايا فكرية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

 إذا كان القرآن قد حسن أحوال من سبقونا وعلمهم ما لم يكونوا يعلموا، ورفع شأنهم بين العالمين، فلأنهم تجاوزوا ما وجدوا آبائهم عليه من تقاليد بالية، وأفكار محدودة وعقائد مشلولة، وغير ذلك مما ران على قلوبهم. ونحن اليوم، وقد أصبحت الأرض غير الأرض والناس غير الناس، وغمرتنا من العاهات ما لا قبل للسابقين بها، واستجدت في حياتنا من الأقضية ما لا أثر لرأي سلفنا الأمجاد فيها، أيعقل بعد كل هذا أن تتردد في السعي الجاد والسريع عن الحلول الناجعة لكل هذه التحديات بله مناقشة جواز الاجتهاد؟ إلى متى سنعض على المأثور من الأفكار والثقافات والعلوم والمناهج؟ في وقت تجاوزتنا مجتمعات وشعوب كانت إلى الأمس القريب عالة علينا في كل شيء؟ إن كل ذلك لا يستقيم إلا بفهم جديد للقرآن الكريم.

من أجل ذلك، ثار الأستاذ فتح الله في وجه هذا الواقع، ليذكرنا بأن القرآن الكريم بذكره أسس الحوادث الطبيعية والشريعة الفطرية والتأكيد عليها، قام بدور الرائد للعلم وللتفكير الحر. كما أن آيات عديدة في القرآن الكريم مثل: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾(فاطر:43)، تشير بوضوح إلى "العلوم التجريبية" و"العلم العقلاني" في الأوامر الإلهية التكوينية. وهذان المثالان كانا يشكلان أسس التفكير الحر والعلم الحديث في العهد القريب لأوروبا؛ حيث كانت الكنيسة قد أسست ثقافة تقليدية متوارثة عن الآباء، يمكن أن نطلق عليها "ثقافة الأسلاف" أو "ثقافة الآباء". وإذا كانت ثقافة ذات قيم ثابتة وجامدة...، وحسب رأي فتح كولن، فإن على رأس ما انتقده القرآن الكريم، هو الظن والتخمين والتقليد والشعارات الجامدة. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾(البقرة:170). وهكذا، نرى أن القرآن يرفض -هنا وفي مواضع أخرى عديدة- مثل هذه السيكولانية الشعاراتية، ومثل هذا الفهم لثقافة الأسلاف، ويدعو -بدلاً من هذا- إلى البحث والتفكير والتأمل...؛ ثم يقف طويلاً على التطورات الفكرية والعلمية التي شهدتها القرون الأولى للإسلام، انطلاقًا من زاوية نظرته العلمية لهذه. وطوال القرون الثلاثة الأولى، استعمل المفكرون المسلمون الفكر العقلاني المستند إلى التجارب، واستطاعوا تسجيل نجاحات مبكرة في العديد من فروع العلم أكثر مما استطاعته أوروبا. وكان هذا مؤشرًا على خاصية الحضارة الإسلامية وطابعها المميز. وبعد أن يتناول فتح الله كولن هذا الموضوع باختصار، يشير إلى أنه لا يوجد في الإسلام أي أساس للصراع بين الدين والعلم لا تاريخيًّا ولا فكريًّا. ويعد مثل هذا الاتهام ظلمًا كبيرًا للإسلام ومخالفة للحقائق التاريخية.   

 

 

 

 

الإطلاع : 666
أ. د. عبد المجيد بوشبكة

جامعة أبو شعيب الدكالي، مدينة الجديدة -المغرب.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة