• حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

 من جملة ما حمل القرآن من مظاهر، إعجازية قوته على استنهاض العقل. فكما أن آيات الكون فصلت للمتفكرين وأحكمت لهم بحيث لا تجد من خلل في ملكوت الله بحكم قوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾(الملك:3)، كذلك آيات الكتاب فصلت للذاكرين وأحكمت لهم إحكامًا يطابق ذاك الذي يسري في الكون إظهارًا لمكانة العقل في الخطاب القرآني حيث قال عز وجل: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾(هود:1). فشمل الكتاب بتفصيله وإحكامه قوة مستنهضة للعقل تدفع بالإنسان على قدر تجلي علومه إلى سبر أغوار الكون. وهذا الإحكام  الساري في آيات الكون والمتجلي في تناسق علله، جعله الله تعالى مرجعًا تجريبيًّا للناس لعلهم يستدلون به على تصوراتهم العقلية ومفاهيمهم العلمية، فيؤسسوا على قاعدته النماذج التفسيرية المفضية بهم إلى اليقين، كما نستشف ذلك من قوله عز وجل: ﴿يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾(الرعد:2).

فالعلم مَشاع بين الناس والتزود منه حق. إلا أن المسلمين منذ فجر الإسلام اعتبروه واجبًا، لأنه ضرورة في فهم حقيقة الدين: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾(محمد:19)، ووسيلة للدعوة إلى الله: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾(النحل:125). ولا غرابة في ذلك، لأن العلم كان دأب كل الرسالات السماوية منذ آدم عليه السلام الذي قال في حقه ربه عز وجل: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ﴾(البقرة:31)، إلى إبراهيم عليه السلام الذي كانت دعوته إلى التوحيد من منطلق علمي: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾(الأنعام75)، إلى خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الذي جمعت رسالته كل علوم الأنبياء السابقين. ولعل في فوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(الزمر:9) ما يسلط الضوء على تفاصيل هذه الحقيقة. فـ﴿أُولُو الأَلْبَابِ﴾ هم الذين وصفهم الحق تبارك وتعالى في قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾(آل عمران:190). إذن هم الذين ينطلقون من هذه المراجع الكونية التي أحكمت آياتها في السماوات والأرض، يبتغون بعقولهم استجلاء تلك الأسرار الكامنة خلف المكونات الدالة على عظمة المكون ودقة إحكامه لعالم الأكوان. فهؤلاء إذن، هم المتفكرون اذين فتح الله سبحانه وتعالى بصائرهم على أسرار الكون ليسترشدوا بها على وحدانية المكون. فكانوا لا يفصلون الفكر عن الذكر كما وصفهم الله تعالى في بقية الآية بقوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾(آل عمران:191).

فهؤلاء كان تفكّرهم ذكرًا وذكرهم تفكّرًا، لأنهم استعملوا عقولهم في استظهار الحقائق، ولا استدلوا بوهج الأنوار المشرقة في قلوبهم على بواطن الخلائق، إلا من خلال استحضارهم لمصدر النور الساري فيها وهو الله عز وجل، الذي لولا نوره ما ظهر حق في ظلمة الوجود كما قال به ابن عطاء الله السكندري -رحمه الله- في إحدى حكمه: "الكون كلمه ظلمة، وإنما أناره ظهور الحق فيه. فمن رأى الكون ولم يشهده فيه أو عنده أو قبله أو بعده، فقد أعوزه وجود الأنوار وحُجبت عنه شموس المعارف بسحب الآثار".

فكانت الدعوة إلى النظر في الكون لا من أجل الكون، ولكن من أجل المكوِّن، حيث قال -رحمه الله- في حكمة أخرى: "أباح لك أن تنظر ما في المكوِّنات، وما أذن لك أن تقف مع ذوات المكوِّنات ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾(يونس:101)، وفتح لك باب الأفهام، ولم يقل انظروا السماوات لئلا يدلك على وجود الأجرام". وفي تفسير هذه الحكمة يقول العارف بالله الشيخ أحمد بن عجيبة الحسني رحمه الله: "فتح لك باب الأفهام، جمع "فهم"، أي فتح لك باب العلم لتدخل بها من ظاهر القشر إلى باطن اللب، حتى تعرفه في كل شيء وتفهم عنه كل شيء. ولو قال الحق تعالى: "قل انظروا السماوات"، لدلّك على الأجرام وسدّ لك باب الأفهام". وهذا منطقي، لأنه إذا قلت لك "أنظر هذه العلبة"، فإن نظرك سينحصر في ملاحظتها بنظرة سطحية تقع على شكلها ولونها وما إلى ذلك مما هو متعلق بنظرة الظاهر. كما أنني إذا قلت لك "انظر ما في هذه العلبة"، فإن نظرك سينفذ إلى داخلها مفترضًا من خلال صيغة الاستفهام التي جاءت بها العبارة أن قد يكون فيها شيء وقد لا يكون، وهذا القول يدفع بالعقل تلقائيًّا لوضع الفرضيات فقط. لكن إذا قلت لك "انظر ما ذا في هذه العلبة"، فهنا ستركز نظرك على شيء موجود بداخلها، لأن اسم الإشارة "ذا" الذي جاء بين "ما" الاستفهامية و"في" الظرفية، يدل على أن شيئًا ما بداخل العلبة أطلبك لاستجلائه. فهذا القول سيستدعيك لأن تلاحظ العلبة أولاً، ثم تضع الفرضيات حول ما يمكن أن يكون هذا الشيء بداخلها ثانيًا. فإذا وصلت إليه انكببت عليه تختبره من كل الزوايا محاولاً معرفة حقيقته. وتلك هي المرحلة الأخيرة في البحث بعد الملاحظة والفرضية، وهي التجربة المفضية إلى الحقيقة. وبذلك فالقول الثالث يجمع في عبارته عناصر الملاحظة والفرضية والتجربة وعليه يقوم منهاج البحث في العلوم التجريبية.

فإذا كانت الدعوة الموجهة إلينا في موضوع السماوات والأرض جاءت بمثل هذا القول الأخير، فلسر تستنبطه السماوات والأرض نحن مطالبون بالكشف عنه. وهو ما يعطي للقرآن الكريم قوته الخارقة على استنهاض العقل، ويجعله مفتاح باب الفهم لمن أراد الدخول من ظاهر القشر إلى باطن اللب. وإلا ما جاء استفهامه عن مستويات أهل العلم مختومًا بقول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(الزمر:9) من اللب الذي هو أصل الشيء وخالصه وقلب الشيء لا قالبه.

ودعوة سيدنا إبراهيم عليه السلام خير شاهد لنا على صحة هذا المنهج. فلما جاء عليه السلام لدعوة قومه وكان أول المسلمين، ما أرسله الله تعالى وكلفه بالرسالة إلا من بعد أن كشف له سبحانه عن أسرار الكون، فكانت دعوته عليه السلام أول إعلان جاء بموجب تلك الوقائع، مقرًّا بأن العلم أساس اليقين. وعلى نهجها جاءت رسالة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مكمّلة لكل التفاصيل. حيث كانت أول سورة نزلت في القرآن الكريم: ﴿اقْرَأْ﴾(العلق:1)، للتأكيد على مكانة العلم ودوره في ترسيخ اليقين. فكان التوجيه الرباني، دعوة صريحة إلى الناس للتفكّر في ملكوت الله والتدبر في آياته قصد الاستدلال على قدرته وبلوغ اليقين، وهي دعوة تُلزم كل إنسان بالنظر في ملكوت الله سبحانه وتعالى وتحثّه على البحث في مجالات الخلق قبل أن يفوت عليه الأوان، كما نجده واردًا في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾(الأعراف:185). والملكوت هو سلطان الله سبحانه تعالى وقدرته التي لا يدركها من وقف مع ظاهر الملك، وإنما من نفذت بصيرته إلى شهود النور الباطني لعالم السماوات والأرض. فمن لم يحمّل نفسه عناء الإحاطة بحقائق هذه الأشياء والعمل بمضامينها أورد موارد الجهل، فأدخل مداخل الباطل. قال الله تبارك وتعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لاَ يَنْطِقُونَ ﴾(النَّمْل:84-85). وفي تفسير هذه الآية قال القرطبي رحمه الله: "أي كذبتم جاهلين غير مستدلين. وأضاف أن هذا تقريع وتوبيخ من الله، أي: ماذا كنتم تعملون حيث لم تبحثوا عن الآيات ولم تتفكروا فيها".

وهنا يجب التبيه إلى شيء مهم تبرزه صيغة الآية التي جعلت عدم العلم بالآيات معطوفًا على التكذيب بها، وذلك بواسطة "واو" الحال: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾. فهذا يفيد أن التكذيب بالآيات إنما نتج عن عدم الإحاطة بها علمًا "كذبتم والحال أنكم لم تحيطوا بها علمًا. ولهذا جاء التقريع منه سبحانه في قوله: ﴿أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ للتأكيد على أن هذا الكون بل مكوناته الظاهرة والباطنة التي كان الإنسان يعيشها بحواسه ومداركه، إنما هو آيات ناطقة بعظمة مبدعها، وبصائر تعصم الناس من الجهل حتى لا يقعوا في التكذيب. يقول ربنا عز وجل: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾(الأنعام104). وقد فسر القرطبي -رحمه الله- "البصائر" بجمع "بصيرة" وهي الحجة والبيّنة الظاهرة. وذكر أن "الحق سبحانه وصف الدلالة بالمجيء لتفخيم شأنها، إذ كانت بمنزلة الغائب المتوقع حضوره". ثم أضاف -رحمه الله- أن "من لم يستدل، صار بمنزلة الأعمى وعلى نفسه يعود عماه". 

الإطلاع : 1022
د. عبد الإله بن مصباح

كلية العلوم، جامعة ابن طفيل -المغرب.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة