النورسي ومنتجات الحضارة المادية

قضايا فكرية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

 كان النورسي لا يفتأ يرى منتجات الحضارة المادية تتراكم، ومنجزاتها تتكاثر على كل صعيد، أشبه بموسم الجنْي، كل غصن في الشجرة يعطي محصوله.. فكان يراها حرية بأن تحقق الشرط الإنساني بصورة متواصلة وعلى نحو يقربها من الكمال لو أنها أخذت بمبدإ الإيمان بالواحد الأحد، ذلك لأن الإيديولوجية التي كانت ماضية (غربًا وشرقًا) في بناء النموذج الحضاري المادي، كانت تشق بالمدنية وبالإنسانية طريق الجحود والعدم، وكان ذلك من دواعي تشاؤم النورسي منها.

فالفكر كان يسير بالعالم في اتجاه الوقوع في التوحش والغلظة، بل كان الجحود من عوامل انحدار الإنسانية نحو هاوية الغشم، ومن أسباب ابتعادها عن روح الآدمية، إذ الجوهر الروحي، التوحيدي، الذي يَشْرُف به الوجود ويكرُم، كان مغيبًا بل ومحاربًا في مسار الإيديولوجية المادية، وعلى الرغم من ذلك المنحى الخاطئ الخطير، فإن النورسي كان لا يفتأ يهلل للمبتكرات، إذ يراها من إنعامات الله على الإنسان المعاصر، بل ويراها تجسيدًا لدعاء البشرية الفطري، فكل كائن عاقل، وإن كفر قلبه، فإن جوارحه وكينونته العضوية تؤمن بالخالق، وتدعوه وتسبح بحمده، وإن نضارة كل بقعة في الجسد، إنما تستمد رُواءَها من جلال إيمانها الفطري بالله، وكل جفاف في عضو أو ضمور في الكيان الجسدي، (في الخشبة)، إنما يرجوا رحمة الله بتلك الصور البكماء الضارعة التي تخاطب بها الكائنات من ذوات اللاعقل، خالقها.

 كان النورسي يرى أحوال التحول عن الدين في بلاده تخرج بالإنسان التركي عن نطاق أصالته، وكان يرى مهاويَ خطرة تحفر باسم التقدم (Progres) في طريق الإنسان التركي، وبخاصة المرأة التركية، فكان ذلك يمزق قلبه شفقة عليها.

بل لقد كان النورسي يرى أن تلك المستحدثات في عالم الصناعة والخدمات هي من الدلائل الملموسة على تجسيد تكريمية الآدمي، إذ هيأه الله لأن ستثمر ما في الكون ليصنع أسباب سعادة الدارين.. إنما الإنسان المادي مارس الحضارة بعين واحدة ترى الكون الحسي جليًا، ويفوتها أن ترى عالم المافوق، وكان في ذلك خسرانها.

كان النورسي يرى في ماديات العالم المعاصر ساقًا ينهض عليها إنسان العصرنة المتواثق مع العقل التجريبي الوضعي، لكن يبقى على هذا الإنسان ليحقق أسباب التوازن، أن يأخذ بالمُكمِّل الروحي الإيماني الذي تلقاه عن طريق ما انتهى إليه من رسالات ورسل.

وكان يتمثل الفلسفة المعاصرة كوة يمكنها أن تقود الإنسان المعاصر إلى رحاب السعادة، متى ما انفتحت على الإيمان بالله الواحد. إن الفلسفة المعاصرة اعتمدت العقل المتنور البعيد عن الأسطورة، فأمكنها أن تسدد وجهة الإنسان المعاصر صوب الموضوعية المادية.. تلك الموضوعية الحسية التي باشر القرآن التأسيس لها –ضمن تعليميته الشمولية- يوم أن عين عناصر الكون الكبرى من شمس وقمر ورياح وبحار وظلمة ونور وما سوى ذلك، وجردها ممن صبغة الميثولوجيا، حيث طفقت البشرية ترى أن لكل ظاهرة ربًا يديرها ويصارع الكون والأنداد تمكينًا لسطوته.

لقد أعاد القرآن تعريف الأشياء، وتوصيف جميع ما ظل الخيال البشري يتوهم ربوبيته من المحسوسات، وأعادها إلى حقيقتها وطبيعتها، إذ هي مخلوقات و"مرافق" شيئية، مسخرة لعمران الكون، ودوام الإنسان إلى أن يحين حينُه على هذا الكون.

وكانت تلك الموضوعية العلمية التي حازها الإنسان المعاصر، حَرِية بأن تتحول إلى رؤية متوازنه تشبع مطالب العقل والروح، لو أنها أخذت بالدين ووحدت الله، وجعلت العلة الأولى هو الخالق، مستقر كل علة ومصدرها، لا متواليات الأسباب الحسية، العينية، التي لا تأسيس لها في الحقيقة المنطقية (فكرة الدور)، إذ في الإنسان ظمأ لتقي معرفة الماوراء (الحس)، لا يقل -إذا لم يكن أكبر- من ظمئه للمعرفة الحسية، من هنا تأتي مركزية الوحي، وأهميته في إرساء دعائم هذا الوجود بمستوييه الدنيوي والأخروي.

وكان النورسي من جهة أخرى يرى في المبتكرات الصناعية والتقنية باب خير يفتحه الله للعالمين، تجسيدًا لرحمانيته على هذه الأرض. فاختراع جهاز كالراديو مثلاً، كان النورسي يراه تسخيرًا إليها، وتوفيقًا ربانيًا، جاء ليلبي روح الحمد والتسبيح التي فطر الله عليها الكائنات والمخلوقات، حتى وإن جحدت عقول الجاحدين. فالأثير الذي كان عند الميتافيزيقيين اليونان يتعبر عنصرًا خالقًا للكون، بات بفضل تقدم العلم مُخَّ عملية التواصل الإعلامي، وشرط عضوي لتحقيقها، وهو حين ينهض بوظيفته بث ثقافة الخير والصالحات، يغدو شجرة كونية سامقة، تؤدي وظيفتها الجبلِّية كسائر ما خلق الله من كائنات وظواهر، تسبحه وتمجده وتنشر السكينة الروحية واللطائف المعنوية التي جعلها الله من مقومات هناءة الوجود، ومن محسنات الحياة المدنية، البعيدة عن الشرور والحروب وتربُّبات الإيديولوجية.

نظرة النورسي الإيمانية كانت تستوعب شتى تفاريع الحياة، إذ كان يرى الأشياء والظواهر في ترابطها، ويقدِّر مدى تأثير بعضها في بعض.

وكذلك كان ينظر إلى بقية الارتفاقات الحضارية التي ما فتئت تتكاثر وتؤثث مدنية العصر، إذ أن ايجابياتها لا تحصى، ومنافع الإنسان منها لا تحد، لكن ما كان يراه ناقصًا فيها هو الجانب الإيماني، إذ أن تجديد الحضارة بعد ثورات العلم والتنوير التي زحزحت الغرب المسيحي عن ظلامية الكنيسة إلى نور العلم الموضوعي، التجريبي، ترافق مع حمية إيديويلوجية راهنت على مسح الدين من الأرض. وكأن الإنسان المعاصر رأى في ما كابدت الإنسانية من جهالة بسبب يقينياتها الدينية الخاطئة، مبررًا لإيقاع نقمته على الدين، بأن يستأصله، ليكون هو وحده خالق دياناته الإيديولوجية، وصانع أربابه، عائدًا بذلك وعلى نحو غير شعوري، إلى نقطة البدء، يوم كان الإنسان ينحت آلهته، ويقيم لها الشعائر.. فهذه الوجهة الإلحادية النكوصية هي محض جهالة من عرَّابي الكفر، إذ اعتبروا الدين أسطورة، وأنه يتناقض مع العلم. تلك الرؤية المنكرة للدين هي التي كانت تجعل النورسي يرى في سيل تلك المنجزات، وتدفق تلك المكاسب المعصرة، مخاطر تدفع بالإنسان نحو طريق الانسداد، لأنها تزيد من اغتراره بقدرته، وانخداعه بإمكاناته، فمراوحة الإنسان على صعيد تلاحق فتوحاته وانتصاراته، من بواعث غفلته ونسيانه.

نظرة النورسي الإيمانية كانت تستوعب شتى تفاريع الحياة، إذ كان يرى الأشياء والظواهر في ترابطها، ويقدِّر مدى تأثير بعضها في بعض. فاغتراس ثقافة الكفر كان يُسِفُّ بالروح، ويعلو بالمادة، بل كان يقلص من حجم الأمل الإنساني في الخلود وحياة المعابد، ويحصره في دائرة الوجود الدنيوي المحدود، وكان الناتج عصفًا منكرًا بالمقدسات والتقاليد، وهو ما أنذر بتغير إنسانية الإنسان. الإنسان الجديد الذي ابتهجت به الإيديولوجية الملحدة، هو إنسان تضخمت فيه جوانب الغلظة، "إمرأة ورجلاً" ، لأنه هيئ للصراع بموجب الإيديولوجية، فتخطى الحدود السماوية (الدين).

كذلك رأى النورسي الحضارة المعاصرة وفتوحاتها، تيسيرات إلهية، تتهيأ للإنسان، باعتبار ما يبذل من جهد في شق طرق الخير.. فمخابر البحث العلمي، واعتكاف رجال العلم، وإخلاص العاملين في تحقيق المبتكرات والعلاجات والملطفات التي تهون للإنسان مكابدات الحياة، كلها أحوال من الدعاء والتضرع، ينظر المةلى إليها بعين الرحمة والإجابة.

إن استبسالات الإنسان الخيِّر في شتى الحقول، هي جهادات وقربات وصدقات وتسبيحات وتشكرات تنبعث من العاملين والباذلين انبعاثًا تلقائيًا بحكم طبيعة الأشياء -تمامًا كما ينبع العبير عن الوردة بدون أن يتنفحها أحد- وترفع إلى المولى بذلك الوجه الذي ترفع إليه أدعية وضراعات كل كائن، بل وكل خلية حية، إذ حياة الخلية وما فوقها، وما دونها من الكاءنات الحيوية، هو شكر خالص، محض، لمن فطرها ووهبها امكانات الحياة.

هكذا كان النورسي يرى أحوال التحول عن الدين في بلاده تخرج بالإنسان التركي عن نطاق أصالته، وكان يرى مهاويَ خطرة تحفر باسم التقدم (Progres) في طريق الإنسان التركي، وبخاصة المرأة التركية، فكان ذلك يمزق قلبه شفقة عليها.

كم كان يدمره مشهد الصبايا في سن الزهور، يتراقصن في باحات المدارس، زاهيات بنضارة اليفاعة، ثملات بأحلام الحياة، قد شحنت مواجدهن بتعالبم لا دينية، مسحت من وعيهن مفهوم الله والآخرة والبعث والجنة والسعير. كان يَراهُنَّ فيرى البراءة تدفع بعنف ومكر نحو المذبح.. ويشرئب بذهنه نحو المستقبل، فنتنطفئ من أمام عينه تلك المباهج وذلك الجمال الجبلي في سحنات تلك المخلوقات الملائكيات المتراقصات تحت نظره في الباحة، وينبعث بدل ذلك التوثب والانطلاق والنور والبهاء والفتوة، عجز، وهرم، وجفاف بشرة، وتحدب قوام، وتشوه منظر، وتهدم بنية.. تلك هي صورتهن بعد زوال موسم الربيع وسكرة الحياة. كان يبكيه ذلك المصير المشؤوم الذي تهيئه التربية اللائكية التي اعتمدتها بلاده في عهد التغرب، لتلك الأجيال من النشء، فحالت بينهم وبين الفكر الأخروي الذي يعلم النفس كيف تتزن، فتنال نصيبها من الحية بلا سرف وبارعواء، وكيف تبحر على موجها بإيمان الله الخالق، واعتصام بقدرته ومحفوظيت، فتبني ما أمكن بناءه في دار الدنيا من صالح الأعمال، محتسبة جهدها لله، راجية حسن المآب.

كان النورسي يرى الأجيال تقاد إلى مَحْرَقات دنيوية، إذ يهيأون للحياة من غير تدبير روحي يكون وقاية لهم من مشاق الحياة.. إذ كان يدرك أن الرهان على تحقيق السعادة بواسطة تحقيق الرفاه المادي وحده رهان خاطئ، لأن خلُوَّ الحياة من الروح، يحولها إلى جحيم، وفي أحسن الأحوال إلى متاهة بلا بوصلة، تنتهي بالأحزان. كان يدرك أن تلك الدفعات كثيرها سيعيش منكوبًا، لأن العجز عن تحمل صعوبات الواقع، والفشل في شق الطريق، يفضي إلى اليأس، وإلى الانتحار.

ولإن أدركنا أن الحياة دار امتحان، الإنسان فيها عرضة لمخاطر المرض ولضربات الحياة، وللمصائب، ثم لا نسلح النشء بالإيمان، وبتعاليم الدين التي تجعل من الصبر والاحتساب الأخروي بابًا يتلطف به الإنسان من شدائد ما يصيبه، بل ويكتسب فوق ذلك الأجر، فذلك توريط للنشء في معركة بغير عدة ولا حماية. وإن ممن أسس التعليم المادي، أن يجعل الفشل المادي نهاية مأساوية، لأن معنى الصبر ومنتهاه هو المقاومة والرهان على كسب النجاح الدنيوي حصرًا، فما الدين يجعل الصبر عبادة، بغض النظر عن النتيجة، الأمر الذي يتحصن معه المرء من النهايات المأساوية، وهو ما تغرسه في نفوسنا آية ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾(التوبة:51). بل لقد كان النورسي يرى أن تراكم النعم نفسها، واسترسال أطوار الرخاء، مدعاة إلى الغفلة عن الله، فالكفر بالنعم مطية إلى الموت.. وما زال أهل الرفاه والبطر، يفتكون بأنفسهم، لعجزهم عن تحقيق التوازن النفسي الذي يكفله الإيمان.

إذ الإيمان بالله يجعل الروح على تواصل دائم بالخالق، ويجعلها تأخذ بالحظ الدنيوي بإحسان وبلا إسراف، وتقاسم الآخرين تلك النعم المتهيأة لها، لأنها توقن أن الذي كفلها هو الخالق، و-إذن- فللخلق فيها نصيب. الإيمان المتعمق يقتل نزوع الأثرة والاستئثار في النفس، أو يلطف من سورتهما، لكن التربية المتليكة تمضي في تعليم النشء ما يضخم أنانيته الفردية، ويلغم هويته الجمعية، إذ تلقنه أخلاق (الوطنية) الضيقة التي تهيئ لظهور الإنسان (العنصري)، المؤمن بالمواطنة الخاضعة للقانون وحده، دونما علم بالحلال والحرام، الأمر الذي يجعل الرقابة خارجية، مؤسساتية، أكثر منها ضوابط روحية، وكوابح ذاتية، داخلية. وتلقنه تلك الرتبة أيضًا تعاليم تمسح من وجدانه قابليات الاعتقاد الروحي، وتستزرع بدلها صبغيات تكيِّف إنسانيته على الجحود، فيكون الناتج ظهور الفرد الذي تصنعه الإيديولوجية السياسية، وتطوعه الثقافة الإعلامية بمختلف مشاربها الدنيوية النفعية، أو ظهور الإنسان الغفل الذي يحيى عمره بلا أفق وجودي، يتعاطى الحياة بشبه آلية، ويعيشها على أنها فرص وإرواءات لظمإ الحياة، فهو يكدح ليتعطل في نهاية كل سنة، ويسوح في الأرض، ليرى معالم ومشاهد، لا تحرك فيه وازع التروي الروحي ومعاني الغيب والمابعد، وإنما تؤكد له أن الحياة مواسم تزدهر، ثم تجف وتبيد، وأن لا يعقب ذلك حساب أو بعث ونشور، الأمر الذي يجعل أحداث الحياة كلها وقائع تغذي في الحس ازدياد نهم الشهوات الدنيوية، لا أكثر.

فوقائع التطواف التي جعلها القرآن بابًا لتلقي العبر واليقين، نراها، على العكس من ذلك، باتت تسهم في تسطيح مشاعر الإحساس بالوجود، إذ تضحى مجرد صور في الألبوم، ورسوم في دفتر اليوميات، لا أثر لها إلا لمامًا. إن من يؤمن بأن الديالكتيك صيرورة لا نهائية، وأن العلم التجريبي معرفة حسية وحيدة، لا بعد غيبيًا وراءها، هو إنسان يفق ووجهه إلى الحائط، فهو أسير، والأسير الأبدي قنوط لا مهرب منه إلا الانتحار المادي أو المعنوي. كان النورسي يرى أن التحول المدني والسياسي قد جرف المرأة بعيدًا عن الجادة، وهيأها أن تكون مخلوقًا جاف المنابع، مبتوت الصلة بالدين، مرتميًا في أحضان المدنية المادية وآثامها وابتلاءاتها المدمرة، فكان يبكي، ويوصي، ويعزز كل ذلك بصراعات يرفعها إلى الله، لأجل أن يلطف بالمرأة، الكائن المميز، صانع الحياة والأجيال.

استرسل في تلك المرحلة ظهور التنظيمات النسوية، والروابط النقابية، وجمعيات المرأة الجديدة، والتشكيلات الحقوقية المنادية بالمساواة بين الرجل والمرأة.. وكانت وسائل الإعلام تحمل في كل حين خبر ميلاد هيأة نسوية جاءت مددًا لجبهة مناصرة المرأة، والمناضلة من أجل تمكينها من انتزاع مزيد من الحقوق. وكان النورسي يرى أن المرأة قد لحقها -بالفعل- ظلم على مدار القرون، لكنه كان يرى أن ذلك الاندفاع المنفلت منها لأخذ مكانتها، إنما كان ينطوي على شر مستطير لا يكاد يتراءى للناس سوء مغبته، بسبب حجم الصخب الدعائي والسياسي الذي طفق يصاحب تلك المطالب.

كان الساسة ومن ألَّهَتْهُم الإيديولوجية أبرز عرَّابي هذا الاتجاه التأنيثي للمجتمع والثقافة القومية، فكان ذلك الدعم السلطوي (والنخبوي) يزيل العوائق والاعتراضات، ويذلل الصعاب في وجه توطيد السياسة الجديدة. كان أولئك الساسة من خلال سِيَرِهم، وما تسري به أخبارهم في حياتهم الشخصية، من أكبر مشجعي حرية المرأة وعصرنتها، كانت قصصهم مع المحظيات والعشيقات لا تفتأ تترى، وكان إعلامهم لا يكف عن عرض وإبراز معالم صورة الأنثى الجديدة (النموذج)، وكانت معايير التأهل تتمثل في مظاهر الإثارة، والجسدية، والتقمص الجلي لمعاني الدعر المدني، وأوصاف الغواية كما كانت تروج له موضات ذلك العهد في البلاد (المتقدمة). تلك كانت عوامل ومظاهر تحلل البنية الاجماعية، من حيث نفذ الخلل المزمن في كيان الأمة. في خضم تلك التحولات كان الدهاء الاستراتيجي المعزز بتوفيقات الله، يعمل على الاعتراض على تلك الانحرافات المراهنة على استئصال الجذور، واسبدال المحاصيل.

تتولى تصفيف القوى وحشد القطاعات أجهزة الدولة بكل أسلاكها وعلى كل المستويات، فيجري التسويق للشعارات الجديدة، والتسويغ للتقليعات المستجلبة بالدعاية السياسية، والتبرير العقلي، وبتجنيد المدرسة والنادي والجمعية، وبفرض الأمر الواقع، وبعرض النماذج الملمعة التي تظهرها الدعاية على أنها تجسيد للكمال، وتقمُّص للترقي. في الجهة المقابلة، يتم الأمر في ذلك الصعيد الجهادي، كان يتم على نحو ما يتم انبثاق النبتة من البذرة، إذ تلبث طويلاً تحت الأرض، فتتخمر وتتحول إلى مادة باهتة، ثم تطرأ عليها أعراض المخاطية، ثم تنتقل إلى مرحلة التخلق الجنيني، قبل أن تنبثق عنه الأرض، فيخرج من ظلمات الأحشاء إلى نور الكون والحياة.

كانت ضراعات النورسي، وأذكاره، وتأوهاته، أحد عوامل ذلك التحول الذي مرت عبره الدعوة الإيمانية وهي تعترض على الكائدين.  الكفان المرفوعان تنضم إليهما كفان، فبضعة أكُف في مجلس تبتُّلى واحد، فأكف جموع في بقاع أخرى على خارطة الإقليم، فجموع أخر في جهات أخرى وأخرى، فآلاف وآلاف، وهكذا يتسع مشهد الابتهال الغفير، ويكبر منظر الأزرع المرفوعة إلى الله دبر كل صلاة، كشجرة بحجم السماء، تستقوي به، وتستغيثه، وتستمد عونه.

وكما تورق الأغصان، وتبدأ أفنانًا تبرز على العضد، ثم تعشبات مخضوْضرة، ثم أرياشًا مرتسمة، تهب النسائم عليها وتنعشها.. كذلك ينشأ السعي الرباني المبارك، إذ تتحول تلك المشاعر إلى عزائم، ثم إلى أياد تعمل، تعكف على نسخ الرسائل، وتصحيحها، والبحث عن الخيريين والمحظوظين، توصلها إليهم، لتكون لهم مرشدًا في زمن الافتتان.

كانت نداءات جوق العصرنة، وفي مقدمتها نداء المرأة الجديدة، لا تفتأ تحدو الناس إلىتسديد الضربات وتقويض الدعائم التي تقوم عليها صرح الماضي الحضاري، وهدم الركائز التي يستند إليها تاريخالأسلاف العثمانيين وروحيتهم المحمدية، وتسوية كل ذلك بالأرض، عطفًا بالمسار نحو النهج التغربي الجديد، وحسمًا لمعركة التعصرن. كانت تلك النداءات تطالب بتحييد أهم مقومات الارتباط مع الماضي، أي القرآن، وتلح على إخراجه من حلبة العراك، وتنكيبه وتغييبه، وإقصائه، أو بالأقل تحويره.. لقد كان من بوادر الخلاف الواقع بين النورسي وبين زعيم الغرنبة، اعتراض النورسي على ما هَمَّ الزعيم بالقيام به من خطوات (تطوير) للثوابت، ومن ذلك تحوير مبادئ القرآن تكييفًا لها على المسيرة الجديدة.. وتلك حال ترببية تعرض للزعامات الذين تستهويهم الإيديولوجية فتحولهم من قادة عراك سياسي، إلى أنبياء أصحاب عقائد، ثم إلى أرباب فرعونيين بعد ذلك، وهو ما سنتوفق عنده لتشخيص الظاهرة، وهذا من خلال الكشف عن الفرق بين الداعية المجدد الديني، والداعية المجمد السياسي.            

 

الإطلاع : 678
أ.د. سليمان عشراتي

جامعة وهران -الجزائر.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة