بوارق الفكر...قطرات في زمن الجدب

قضايا فكرية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

القلق المعرفي نار هادئة، تنضج الأفكار، وتذيب الشوائب، وتحرق الران، وتمسح غبار السنين عن الرؤى الناصعة، بعد أن تشذبها وتزيل عنها الغبش، بحيث يذهب "الزبد" وتبقى "الزبدة"!

غير أن الإيمان الجبري بالقدر، يقضي على هذا القلق النافع، ويجعل المرء مستسلمًا لواقعه، تحت لافتة "الرضا بالمكتوب"!

يا إلهي! متى سنقضي على هذا الانفصام المزمن الذي صار معضلة في بلداننا، فنحن إما صاحب إرادة بدون بصيرة، أو صاحب بصيرة بدون إرادة، ونحن إما صاحب أمانة بلا دراية أو صاحب دراية بلا أمانة، مع أن القرآن يقول: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾(يوسف:55)، ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾(القصص:26).

تدل كثرة "المتخمين" بالمال في أي مجتمع، على كثرة "المثخنين" بجراح الفقر، فقد انتزع الأثرياء اللحوم المكتنزة في أجسامهم المترهلة، من وجوه وأجسام الفقراء الضامرة، حتى صارت مليئة بالأخاديد ومكتظة بالتجاعيد، وبندوب مظالم الاستغناء.

إذا كانت نظراتنا مصابة بـ "العشى" وسوء الرؤية، وكانت خطواتنا "عشوائية" ارتجالية، وأرجلنا "مرتعشة" كليلة، فكيف نسأل الله أن يهدينا للسير في الصراط المستقيم؟!

الأناني كائن نهم يريد كل شيء، دون أن يعطي أي شيء!

عندما تتسع الفجوة بين مثاليات المرء والواقع الذي يعيش فيه؛ فإنه يفقد توازنه ويصاب بالدوار.

"استدعاء" نظرية المؤامرة بقوة؛ يجعلنا نرى المشكلة أكبر وأخطر مما هي عليه في الواقع، أما "استبعاد" المؤامرة تمامًا فيجعلنا نرى المشكلة أصغر وأقل شأنًا مما هي عليه، ولهذا نحتاج إلى أن نقف في الوسط بين التهويل والتهوين، بضبط نظرية المؤامرة.

تدفع المثالية الزائدة بعضنا، إلى المبالغة في رسم صورة "ما يجب أن يكون"، مما يؤدي عند اكتشاف الواقع الشديد البعد عن التصور، إلى الصدمة التي تحبط صاحبها عن فعل "ما يمكن" فعله!

ليس الزهد "اﻹعراض" عن "اﻷعراض"، بل أن تبقى الدنيا وسيلة ﻻ غاية!

 

أدواء وأدوية... التشريح بدون استفزاز

لنحاول "الإمساك" بأماكن الخلل دون "مساس" بعواطف الناس، التي توقظ انفعاﻻتهم، وذلك من خلال :

الخطاب "الهادئ" ﻻ "الهادر"

عدم "تسفيه" المرضى حتى لو كانوا "سفهاء"!

المشكلة "الطويلة" قنبلة "موقوتة"

إذا لم يتم في الوقت المناسب حل "المشكلة"؛ فإنها مع طول المدى ستصبح "معضلة"، وعندها يمكن للعدو تفجيرها؛ لأنها ستصبح "قنبلة"!

منحة المرض

أوجد الله في جسم الكائنات مجاميع جرارة من الحراس الشرسين، أمام غزو الفيروسات والبكتيريا، ومع طول مدى الصحة تخلد هذه المجاميع إلى الراحة والدعة؛ مما يؤدي إلى ضعفها، وهي ما تسمى بجهاز المناعة.

وعندما يأتي المرض غير القاتل، فإنه يستفز هذه الجيوش لتنطلق دفاعاتها بقوة تتوازى مع قوة الهجوم، وهذا يؤدي إلى يقظتها من سباتها الطويل واستعادة قوتها!

وعلى مستوى "الكيانات" فإن فلاسفة الحضارة يجعلون "التحدي المناسب" أحد الشروط للانبعاث الحضاري.

إكسير الحب

الحب شمس تذيب جليد الجفاء، وتذهب صقيع الهجر، وتقضي على برود العلاقة. الحب رياح تذر رماد الشكوك بعيدًا عن جمر الثقه.

الحب نهر جار يدهق جداول العشق، ويجري غيول الكرم، ويغزر عيون الإيثار، ويروي أودية العطاء، ويحيي بساتين ذات دهشة وحدائق ذات بهجة.

طبيب الفكر...

طبيب الفكر نطاسي حكيم، يعرف من أين يؤكل المرض، ويدرك كيف يبحر في قلب مريض التخلف، متجاوزًا أمواج اﻻنفعاﻻت، ومتجنبًا صخرات الرفض ودوامات التتويه التي تحاول صرفه عن طريقه وموضوعه، وهو في ذلك كله يستمر هادئًا ﻻ هادرًا.

نعمة الألم

الألم نعمة من نعم الله تعالى؛ لأنه ينبه الإنسان إلى وجود مشكلة يجب أن يعالجها قبل أن تتفاقم، وما لم تلق الدواء المناسب فإنها ستتطور، لتصبح وحشًا ينهش العضو المصاب، حتى تصل به إلى مرحلة الفشل الكامل في أداء وظيفته!

وما ينطبق على جسد الفرد، ينطبق على جسم الأمة.

التضخم فشل

عندما يتضخم عضو في جسم ما دون بقية الأعضاء في كائن بشري أو كيان اجتماعي، فإن هذا التضخم يصير حالة مرضية بل وخطيرة؛ لأنه المرحلة الأخيرة قبل أن يصل قطار العضو المصاب إلى محطة "الفشل"، كـ"الفشل الكلوي" و"الدولة الفاشلة"!

ولهذا ينبغي أن "نفشل التضخم" قبل أن "يفشلنا التضخم"!

ينبغي أن نستفيد من الدواء "الرائع" حتى ولو كان طعمه "مروعًا"!

 

 

أجنحة النجاح...إحترام الذات...

"رحم الله امرءًا عرف قدر نفسه"، أثر يرسم طريق الثقة، وعنوانها اكتشاف الذات بدون تهويل أو تهوين، وﻻفتتها الثقة بالنفس بدون غرر أو غرور، وبيرقها التواضع بدون هضم للذات أو جلد لها.

إسراج العقل

ﻻ يمكن أن يستضيئ العقل دون أن يتعرض لشمس القرآن، مع اﻻلتزام بمنهج التدبر، الذي يجلي هذه الشمس، عبر تفعيل ملكات العقل.

ومن لم "يعثر" على منهج التدبر، فستكثر "عثراته"، ويعيش في ظلام دامس، ومن لم يستنر بـ"عبرات" القصص القرآني فستسيل "عبراته"!

تزهير القلب

لكي يطلق القلب طاقته البنائية الفذة، ﻻبد أن يتخلص أوﻻً من موانع الإخلاص، ومن سائر "الأشواك" التي تؤثر على بسوق "اﻷشواق".

ويحتاج إلى استزراع الخير، وتقليم نباتات المعروف، وتشجيره بالفضائل، وتزهيره بالحب، وتجميله بخلائق التضحية.

تسديد الحواس

مما يحتاجه تسديد الحواس

بث الفكر "الراتق" ﻻ "الفاتق".

الحرص على الخطاب "الهادئ" ﻻ "الهائج".

العمل "الصامت" ﻻ "الصاخب".

استثمار التحديات

السيل عندما يغمر أي أرض هو تحدي، حيث يغرقها ويحمل معه الصخور وجذوع الشجر.

غير أن العقل المسدد يستطيع تحويل هذا التحدي إلى فرص.

فالماء يمكن باﻻستفادة المثلى منه، أن يتحول من سبب موت، إلى مصدر حياة؛ بإيجاد حاجز يتحكم بالماء، فيحجز الفائض ليستفاد منه في أوقات الجدب.

اﻷحجار يمكن أن تصبح مادة للبناء.

جذوع الشجر يمكن أن تساهم في حل مشكلة الطاقة باستخدامها كحطب!

سلاح التحديات

عند وجود الوعي الفكري، تصبح التحديات عاملاً هامًا من عوامل "اﻻنتصار"، وفي المجتمعات الغائبة الوعي تصبح سببًا لـ"الإنكسار"!

النصيحة النصوحة

من يروم النجاح الباهر، ﻻبد وأن يستنصح وينصح، فهو كثير اﻻختلاط والإئتلاف، مع من يعيش معهم في ذات الدائرة، ﻻ يكف عن وصل جسور الوصل، وقطع همزات القطع.

ويدرك في هذا المضمار أن "التواصي" إن لم يكن من أهداف "التواصل" فلا خير فيه!

وهو ينصح وﻻ يفضح، يشف وﻻ يسف، ﻻ يهمز وﻻ يغمز، وﻻ يعرف "اﻹزراء" أبدًا بأصحاب "الأرزاء"!

"النجاح" طائرة أزلية، غير أنها ﻻ تطير بدون "أجنحة"!

 

  حبال النجاة الرحمانية

 القرآن

     حبل النجاة من الضياع في كهوف الحياة السحيقة ومتاهاتها المعقدة، ومن التيه في قوارع الطرق، والتشظي في مفترقات السبل، والتحير في ملتبسات الأفكار.

 الإيمان

     حبل نجاة من التيه في صحاري الشكوك والظنون والأوهام، ومن السقوط في مهاوي الشرك والعدمية والإلحاد.

 الرجاء

    حبل نجاة من السقوط في لجج اليأس والقنوط والإحباط والتشاؤم.

 الصلاة

     حبل عصمة من الغرق في الهموم اليومية، ونسيان الله تعالى مقدر الأقدار والرقيب على كل صغيرة وكبيرة، ومن السقوط في مستنقعات المعاصي التي يستصغرها الإنسان؛ نتيجة الألفة والاعتياد وعموم البلوى.

 الزكاة

     حبل نجاة من الغرق في بحيرة النفس الأمارة بالسوء وبالفحشاء والبخل والشح والحرمان، والداعية إلى الكبر والاستغناء والاستعلاء والطغيان.

 الصيام

   حبل ضمان من السقوط في غياهب المادية والأنانية وتضخم الذات، وعدم الإحساس بالجائع والفقير والضعيف.

 الحج

    ربقة الله التي يضعها في أعناق أحبائه، قائدًا إياهم إلى كل ما ينفعهم في الحال والمآل.

 التقوى

     حبل يربط الله به قلوب أوليائه، فيقودهم إلى كل "خير"، ويبعدهم عن كل "ضير"، ضامنين بها أن لا يجدهم الله حيث نهى، ولا يفقدهم حيث أمر، وذلك في كل ما له صلة بالمعاش أو المعاد.

 الفكر

    حبل نجاة من التيه في مفاوز التقليد اﻷعمى والهلاك المحقق، وفي صحارى التبعية المقيتة والتعصب الأعمى، ومن الانجراف في تيارات الثقافة الغريزية، التي تجعل من أتباعها قطيعًا يساقون فينساقون، ويمنعهم من السقوط في مهاوي الشخصانية والوثنية الجديدة!

العقل

     هو الحبل الذي منحه الله للإنسان دون سائر الكائنات الحية؛ ليعقل به قوته عن الاعتداء، وغرائزه عن الانطلاق، وعواطفه عن الجموح، ولذلك سمي بالعقل!

 الذكر

      حبل النجاة من الغرق في دوامات الغفلة والنسيان، ومن الوقوع في مهاوي تصنيم الأسباب وعبادة الأشياء.

للرحمن "حبال" وللشيطان "حبائل"، فمن تعلق بحبال الله نجا، ومن تعثر بحبائل الشيطان هلك!

الإطلاع : 1149
د. فؤاد البنا

 أستاذ الفكر الإسلامي السياسي بجامعة تعز -اليمن.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة