الكوميديا الإنسانية

قضايا فكرية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

نفتح جهاز الكمبيوتر، ونلج إلى مواقع الأخبار، ثم نطالع مقالات وأعمدة حول "سلوكٍ عدوانيٍّ عدائيِّ" في العالَم من حولنا؛ ثمَّ نرسم باللون الأحمر المناطق الساخنة، وبالأخضر المناطق الباردة؛ فتشتدُّ حيرتنا أنَّ أغلب اللون الأحمر يقع على جغرافية العالم الإسلاميِّ، وأنَّ أغلب اللون الأخضر يقع على جغرافيات مُلحدة (الصين، اليابان...)، وتقع جغرافية الديانات السماوية ــ المسيحية غالبا ــ بين اللونين؛ حتى وإن كانت غالبا هي الصانعة للنار، والمصدِّرة للرمضاء.
ثم نتساءل: هل توجد علاقة تلقائية أوتوماتيكية بين عقيدتنا وسلوكنا، بخاصة أوان الفتن؟
بمعنى أنَّه، هل بمجرَّد أن يسجَّل اسمك تحت خانة "مسلم" تصبح مستسلما لله، مسالما لعباده، أي "مسلما" اسما ومعنى؟
وهل المسلمون، فيما هم فيه اليومَ، مجرمون مذنبون، أم هم الضحايا المظلومون، أم هم مزيج بين ذاك وذلك؟
يقرر علي عزت بيجوفيتش أنَّ هذا السؤال، وهذه الجدلية، وهذا التشويش "تحيِّر عقول المفكِّرين الجادِّين، حتى أكثرهم استنارة".
والمقرَّر لدى "علماء الأفكار" أنَّ سلوك الإنسان ليس بالضرورة وليد اختياره الواعي وعقيدته المدرَكة. فهو في كثير من الأحيان ثمرة "تنشئته، ومواقفه التي تشكلت في مراحل الطفولة"، وهو كذلك منسوب "الأفكار التي انطبعت عنده من خلال سياقه التاريخي، والاجتماعي، والنفسي" بتعبر مالك بن نبي... وهو ما نسميه في أدبيات نموذج الرشد أثر مباشر: "للوعاء الحضاري" و"للنسيج الحضاري"...
فما من شكّْ أنَّ من نشأ ــ مثلا ــ في بيئة شيوعية، يكون أقربَ إلى السلوك الجشع مِن الذي نشأ في بيئة مفتوحة اقتصاديًّا؛ وأنَّ من تربَّى على مبادئ ليبيرالية يكون ألصق بالأنانية الفردية ممن تربى على التجمع والاجتماع. ولقد عالج ابن خلدون في مقدمته أثر البيئة والتنشئة في سلوك الأفراد، وحلل فعل "البداوة" على الإنسان تحليلا بديعا.
يقول بعض النقَّاد: "يوجد ملحدون على أخلاق، ولكن لا يوجد إلحاد أخلاقي"، وبالمقابل نستنتج أنه: "يوجد معتنقون للدين على غير أخلاق، ولكن لا توجد أخلاق منفصلة تماما عن فكرة الإله والخلود"؛ وهذا يعني أنَّ علاقة الإنسان بالدين ذات مستويين: عقديٌّ تعبديٌّ، وسلوكيٌّ أخلاقيٌّ...
وليس الالتزام بالمستوى الأول (العقدي التعبدي) مقدِّمة ضرورية للالتزام بالمستوى الثاني (السلوكي الأخلاقي)؛ كما أنَّ التحلي بالمستوى الثاني لا يعني أنَّ صاحبه منقطع تماما عن المستوى الأول. "فكل خلُق حميد له جذور في الدين"، سواء أدرك الناس ذلك أم لم يدركوا، "وليس كل تعبد مثمرا للخلُق الحسن بالضرورة"؛ ولذا نقرأ في الحديث الشريف: "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر، لم يزدد من الله إلاَّ بعدا".
ولكنا نجد جوابا أكثر وضوحا لدى بديع الزمان النورسي، حين يفرِّق بين "الصفات الإيمانية، والصفات الكفرية"، ويقول معنًى: "إنَّ الخير الصادر من الكافر هو ثمرة صفات إيمانية انغرزت فيه وبقيت آثارها عليه؛ وإنَّ الشر الذي يصدر من المسلم هو نتيجة الصفات الكفرية التي ترسبت في نفسه، ولم يمحها إسلامه؛ ومن ثمَّ فإنَّ الخير مربوط دائما بالصفات الإيمانية، والشرَّ معقود أبدا بالصفات الكفرية".
ويسمي عبد الحميد أبو سليمان الصفات الإيمانية "صفات الأصحاب"، والصفات الكفرية "صفات الأعراب"؛ ويُرجع شقاء الأمَّة إلى "تغلُّب صفات الأعراب فيهم على صفات الأصحاب"؛ ثم يذكر أنَّ العهد الأموي امتاز بالحنين إلى صفات الأعراب، فضمُرت صفات الأصحاب، وتغلَّب الاستبداد والجور على الحق والعدل.
ويقارب الأستاذ فتح الله كولن المشكلة "بقاعدة كلية" تفسر هذا التوجيه، وهي أنَّ "الخيرية رهينة بصفاتها" لا بموصوفاتها؛ فالخير خيرٌ، سواء صدر من مسلم أم من كافر، والشرُّ شرٌّ سواء اقترفه مسلم أم كافر. وهذا بالطبع لا يعني أنَّ الله يتقبل الخير من غير المؤمن في مستوى الجزاء الأخرويِّ؛ ذلك أنَّ القبول رهين بالتقوى: "إنما يتقبل الله من المتقين". أمَّا في مستوى الثمرة الدنيوية والاستخلافية فالقاعدة هي: "كلا نمدُّ، هؤلاء وهؤلاء، من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا"، "ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به".
 والحقُّ أنَّ أوان الفتن والخلافات والصراعات تكون محكًّا للمرء فيفضح مكنوناته، ويصدر منه خلاف ما يُظهر؛ إلا أن يكون صادقا، وتبدو الهوة غالبا بين تعبُّده وسلوكه؛ وهو ما يفسر الكثير من "الظلم"، و"الغيبة"، و"الكذب"، و"الافتراء"، و"النميمة"... التي نقرأها ونسمعها للأسف حول أحداث اليوم، وهي تصدر ممن ينتسب إلى "الإسلام" في حقِّ من ينتسب إلى "الإسلام"؛ ولهذا عد القرآن الكريم النفاق تردٍّ إلى أسفل سافلين، وجعل من أكبر المقت أن يظهر الإنسان خلاف ما يخفي: "كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون".
فلنراجع إذن أقوالنا وأفعالنا أوان الفتن، ولنقِسها بمعايير القرآن الكريم والسنة الطاهرة، ولنحذر من ترسُّبات الأفكار المطبوعة فينا بوعيٍ أو بغير وعيٍ، جرَّاء التربية والإعلام والسياسة... فقد تنتقم انتقاما شديدا، وقد تستيقظ فينا مثل التنين، ذلك أن الأفكار المخذولة تجثو على النفس، وتنقضُّ على صاحبها من الداخل، مثل "ثعابين البطن"، ثم تزهق روحه رويدا رويدا، إلى أن يتردى في الهاوية ويهلك، من حيث لا يدري...  
أمَّ الأفكار الحية المُحيية، فتلازم صاحبها وتحميه، ثم تنقذه في أسوء الظروف والأحوال؛ وأكبرُ فكرة حيويةً عرفتها البشرية على الإطلاق هي: فكرة التوحيد.
"لقد غربت الشمس حقا، ولكن الدفء الذي يشع في جوف الليل مصدرُه شمس النهار السابق.
إننا نظل نستشعر الدفء في الغرفة بعد انطفاء النار في المدفأة.
إنَّ الأخلاق دينٌ مضى، كما أنَّ الفحم في باطن الأرض حصاد قرونٍ ماضية".
وسيبقى صوت "الحقِّ" مدويا في جميع أركان الأرض، مهما اكفهرَّت السحب، ومهما ادلهمت الليالي، وسيكون "الدين" أبدا مصدرا لكلِّ "خير"، والتنكر له مصدرا لكلِّ "شرٍّ"؛ ذلك أنَّ "الصدق" لا يفهم إلاَّ باعتبار "إلهٍ"، و"حياةٍ أخرى"، وشيء "فوق المادة والفناء"... وإلاَّ، فإنَّ الصادق يكون مهرجا، أو بهلوانا، أو أيَّ شيء آخر... إلاَّ أن يكون إنسانا كريما.


الإطلاع : 2149
د. محمد باباعمي

مدير معهد المناهج، الجزائر العاصمة -الجزائر.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة