مركز حراء للدراسات

  • 1
  • 2
  • 3
فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف

فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف

أ.د. سليمان عشراتي - avatar أ.د. سليمان عشراتي - مركز الدراسات

أرسى داعية الإيمان فتح الله كولن أسس الخدمة الدعوية، وفتح آفاقها الحيوية، وأعطاها الطابع النهضوي المناسب لروح العصر، بعد أن خرج من العراك المرير متوّجا بالنصر، حائزا على اعتراف الجماهير،... إقرأ المزيد

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي

د. عبد الإله بن مصباح - avatar د. عبد الإله بن مصباح - مركز الدراسات

من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يستجلي بعلمه كل ما تستبطنه آيات القرآن من دلالات ومعاني إعجازية، كما أنه لا يمكن له أن يستوعب -بالحكمة التي أرادها الله تعالى-... إقرأ المزيد

مشاهد من حديقة الأرض

مشاهد من حديقة الأرض

أديب إبراهيم الدباغ - avatar أديب إبراهيم الدباغ - مركز الدراسات

إذا كان النورسي يرى في "تراب الأرض" عالمًا مَوّاجًا بالحركة، متفجرًا بالإمكانات والقدرات، منطويًا على الكثير من أسرار الخلق والخلقة، فهو يرى كذلك أن الأرض نفسها حديقة إلهيّة شاسعة الأرجاء،... إقرأ المزيد

الكعبة رمز الزوجية في الأرض

مركز الدراسات - الجمعة, 15 آب/أغسطس 2014
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

إذا رجعنا إلى مختلف مراحل المد القاري للأرض، ورسمنا دائرة على خريطتها نجمع فيها كل القارات، وجدنا مركزها في الكعبة. كما أننا إذا عالجنا هذا المعطى من شكلها المكعب، فسنجده دالاًّ على نفس المعنى. فنحن نعرف أن المكعب هو أصل النظام البلوري المكون لكل مادة صلبة على وجه الأرض، لأن فيه تتساوى كل المحاور المتقاطعة في جميع الاتجاهات الكونية، الشيء الذي يخول للمكعب صفة الكمال في التماثل (Perfect Symetry). والكعبة بشكلها المكعب، تجسد هذا المعطى بستة أضلع متماثلة، كل ضلع متجه إلى جهة معينة من جهات الكون: الأول إلى السماء، والآخر المقابل له إلى الأرض، والأربعة الباقية يتقابل فيها الشمال الشرقي مع الجنوب الغربي والشمال الغربي مع الجنوب الشرقي، بينما تتجه الأركان العمودية التي فيها تتقاطع خطوط هذه الأضلع نحو الاتجاهات الجغرافية الأربعة الأصلية للأرض، مشكّلة من الكعبة نقطة تحديد لمطلق الاتجاهات الكونية. وتلك ذروة الكمال في الزوجية يعبر عنها التماثل القائم في الكعبة بين أضلعها وكذلك بين أركانها، إذ ليس هناك بعد في الكون إلا وتوجهت إليه. فكانت من أجل ذلك هدى للعالمين كما وصفها الله - عز وجل - في قوله: (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ)(آل عمران:96).

وهذا المشهد يتضح أكثر إذا ما عالجناه من زاوية البعد الزمني لنشوء الأرض وامتدادها المستمد من كشوفات العلم، تلك الكشوفات التي جاءت نتائجها موافقة لنصوص الوحي. فقد جاء في النهاية في غريب الأثر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كانت الكعبة خُشعة على الماء فدحيت منها الأرض".

هذا الحديث إذا تلمسنا فهمه من خلال المعطيات الجيولوجية الحديثة، فسنجده دالاًّ بالحس والمعنى على أن الكعبة تبقى النقطة الأولى المرشحة لبزوغ اليابسة، ثم امتدادها في أرجاء البحر الكاسح عند بدء التكوين. خاصة وأن الخشعة كما جاء في نفس المصدر تعني: "أكمة لاطئة بالأرض، والجمع خُشع، وقيل هو ما غلبت عليه السهولة، أي ليس بحجر ولا طين". وفي هذه المواصفات لكلمة "خشعة" التي كما سنرى، نجد لها سندًا علميًّا في التصنيف الجيولوجي لميكانيزمات نشوء وتبلور قشرة الأرض، نلمس تلميحًا إلى أن الكعبة قد تكون أول أكمة انبثقت من باطن الأرض المنصهر، حتى إذا ما برزت على سطح الأرض المغمور بالمياه وهي في مرحلتها الجنينية لزجة، دحيت منها اليابسة فانتشرت القارات. وهو المشهد الذي يعززه تفسير القرطبي لقوله تعالى: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ)(البقرة:127)، حيث قال -رحمه الله- أن مجاهدًا قال: "خلق الله موضع البيت قبل أن يخلق شيئًا من الأرض بألفي سنة، وأن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى". ذلك التفسير الذي يتصل بما سبق أن قلناه حول انبثاق الكعبة كأول أكمة من باطن الأرض المنصهر على سطحها المغمور بالمياه عند بدء التكوين. مما جعل أرض مكة تسمى في كتاب الله بـ"أم القرى"، أي الأصل الذي تفرعت منه كل البراري على سطح الأرض.

فإذا أقررنا بأن الكعبة في وسط الأرض علمًا بأنها تقابل في السماء البيت المعمور كما دل على ذلك البيان الوارد في حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، الذي جاء في معرض تفسير ابن كثير لقوله تعالى: (وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ)(الطور:4)، حيث قال رحمه الله: "قال قتادة والربيع بن أنس والسدي: ذُكر لنا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يومًا لأصحابه - رضي الله عنهم -: "هل تدرون ما البيت المعمور؟" قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه مسجد في السماء بحيال الكعبة، لو خر لخر عليها يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا آخر ما عليهم". فذلك يعني أن الكعبة توجد في محور التواصل مع البيت المعمور، ذلك المحور الذي حوله تتماثل منظومة الكون في سجود وتسبيح لخالقها الذي جاء كتابه معجزًا في وصفها، وجاء حديث رسوله - صلى الله عليه وسلم - صادقًا في تثبيت صحتها، حتى تعي الأمة بكل المعايير العلمية ومن خلال موقعها الوسط الذي خصها الله به في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا)(البقرة:143) ما ترمز إليه معالم الزوجية من أسرار حقيقة التوحيد، التي يشهد بها للموجد كل شيء في هذا الوجود.

وهذا يدل على أن ما تحمله الزوجية من أسرار ودلالات، تلتقي معانيه في حقيقة واحدة تدل على صفة الوحدانية التي تفرد بها موجد الوجود المنزه عن التشبيه والتمثيل الذي قال في حق ذاته العلية: (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(الشورى:11). من أجل ذلك جاءت في عبادات المسلم، كثيرٌ من المشاهد التي ترمز إلى انسجامه الفطري مع نظام الزوجية في الكون. بحيث إذا تأملنا في مشهد السجود من محفل الساجدين حول الكعبة، فسنجده يجسد تماثلاً تزاوجيًّا حول محور التواصل بين السماء والأرض، يذكّر بذاك الذي يسري في كل مكونات الكون، من الذرة التي تتماثل فيها الإلكترونات حول النواة إلى المجرة التي تتماثل فيها الكواكب حول الشمس في إشارة إلى وحدة السجود التي عمت كل الوجود. كما أننا إذا تأملنا في مشهد الطواف من موكب الطائفين حول الكعبة، فسنجده يمثل تجسيدًا للجذب والاستقطاب الذي يحصل لكل شيء حول أصله.

فالكعبة بموقعها الجذاب الذي يجعل أفئدة الناس تهوي إليها، يطوف حولها الطائفون بقلوب مستقطَبة نحوها، لأنها تشكل الأصل الذي منه تفرعت الأرض أمّ الإنسان. تمامًا كما تشكل النواة التي حولها تحوم الإلكترونات في نفس اتجاه الطواف الأصل الذي تشكلت منه الذرة، وكما تشكل الأرض التي حولها يدور القمر في نفس الاتجاه منجذبًا إليها الأصل الذي منه انفصل، وكما تشكل الشمس التي حولها تدور الأرض في نفس الاتجاه الأصل الذي منه انبثقت الأرض... إلى غير ذلك من المشاهد التي تعبر عن أن الإنسان في لحظة السجود والطواف وغيرهما من العبادات، يكون يترجم أسمى عبارات الارتباط بالأصل، من خلال طلبه التحرر من رق الذات والعروج في شوارق الصفات. تلك الصفات الموصلة إلى الله - عز وجل - التي سِرها من أصل تلك النفخة الإلهية، التي بثها سبحانه من روحه في كيان الإنسان من يوم خلق آدم سويًّا. فكان أن أتبِعت الآية محور هذا الفصل بقوله تعالى: (فَفِرُّوا إِلَى اللهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ * وَلاَ تَجْعَلُوا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ)(الذاريات:50-51) في تلميح إلى أنه سبحانه، الواحد الأحد الذي لا مفر منه ولا منجى ولا ملجأ إلا إليه؛ إذ لا نِدّ له ولا مثيل ولا نظير يمكن أن ينشُل العبدَ من أوحال نفسه، وذلك ما ترمز إليه دلالات الزوجية في هذا الكون.

المصدر: كتاب آفاق اليقينيات العليمة من تجليات رؤى فتح الله كولن الاستشرافية د.عبد الإله بن مصباح.

الإطلاع : 1435 آخر تعديل على الجمعة, 15 آب/أغسطس 2014 06:39
د. عبد الإله بن مصباح

كلية العلوم، جامعة ابن طفيل -المغرب.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة