القيم الأخلاقية حرمتها ومكانتها

أنشطة ثقافية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

 تحت عنوان "القيم الأخلاقية.. حرمتها ومكانتها" في مركز تباكولا للمؤتمرات، شهدت مدينة إزمير الشهر الماضي (24 يناير 2015) مؤتمرًا دوليًّا عقدته مجلة حراء بالتعاون مع مجلة يني أميت التركية، بمشاركة كوكبة من العلماء والمفكرين والأكاديميين والمثقفين من بلدان مختلفة من العالم العربي والإسلامي؛ مثل المغرب والجزائر والأردن والسودان واليمن وتركيا. وقد تناول المؤتمر في جلساته طيلة يوم كامل موضوع القيم الأخلاقية بأبعادها الاجتماعية والتعليمية والثقافية مع التركيز على واقع العالم الإسلامي الذي يعيش اليوم مجموعة من الحرائق والمآسي.

استهلت فعاليات المؤتمر بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم تلاها القارئ مصطفى يغيت. افتتح الدكتور أركون جابان رئيس تحرير مجلة يني أميت التركية المؤتمرَ بكلمة ترحيبية بالضيوف الذين جاؤوا من ربوع الأرض إلى مدينة إزمير الطيبة. وقد أكد في كلمته الموجزة أن القيم الأخلاقية هي التي تُكسب المجتمع هويته وتجعل من أفراده نماذج مثاليين تقتدي بهم كل الأمم.

إثرها صعد المنصة الأستاذ نوزاد صواش المشرف العام على مجلة حراء ليرحب هو الآخر بالضيوف ويثني عليهم بالشكر، وبالتالي ليتطرق إلى القيم الأخلاقية الإسلامية، معتبرًا هذه القيم لبنة أساسية في فهم الإسلام وأسسه، إذا حلت في قلب الإنسان صلح ذلك القلب، وإذا صلح ذلك القلب صلح الإنسان. كما لفت إلى أن مشكلة العالم الإسلامي اليوم هي مشكلة أخلاقية بامتياز، لأن المسلمين لم يتطبّعوا بأخلاقيات الإسلام، ولم يتشربوا قيمه حق التشرب، الأمر الذي جعلهم يخسرون أخلاقيًّا كل الامتحانات التي خاضوها، حيث قال: "المسلم يمتحن اليوم، وامتحانه كله أخلاقي بامتياز؛ المسلم يمتحن بالسلطة فيخسر، يمتحن بالثروة والمال فيخسر، يمتحن بالشهرة فيخسر، يمتحن بالشهوة فيخسر، يمتحن بالانتماء والعائدية إلى الجماعة الفلانية أو الحزب الفلاني أو الطائفة الفلانية فيخسر.. لماذا؟". وأشار "صواش" إلى أن المسؤولية الأخلاقية هي مسؤولية هذا الزمان وهي واجب الوقت مؤكدًا أن: "العالم في أمس الحاجة إلى الإسلام، لكن الإسلام في أمس الحاجة إلى من يمثله خُلقًا وقيمًا".

وتوالت الكلمات الافتتاحية حول القيم الأخلاقية والحاجة الماسة إليها في عالمنا الإسلامي. كما أعرب فضيلة الدكتور "عبد الرزاق قسوم" رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر عن شكره وتقديره لانعقاد هذا المؤتمر ولانتقاء موضوع القيم الأخلاقية عنوانًا له، التي بدونها لن تقوم للإنسانية قائمة، وفي ثنايا كلمته بيّن أن: "فلسفة القيم تلتقي حولها كل العقائد وكل الأيدلوجيات، ولكن عندما تتصل بالإسلام تأخذ أبعادًا مختلفة، فتصبح القيم الأخلاقية في الإسلام سموًّا وعمقًا وامتدادًا؛ سموًّا بالإنسان إلى أعلى القيم النبيلة، وتعمقًا في الإنسان بمعانيه ونواياه ومقاصده، وامتدادًا في معاني الإنسانية والمجتمعية بصفة عامة.. وبهذا المفهوم تتسم القيم الأخلاقية في الإسلام بالنموذجية التي يجسدها الأب والأم في البيت للأولاد والبنات، والتي يجسدها الأستاذ في المدرسة للطلبة والطالبات، وكذلك يجسدها الحاكم في ديوانه بأن يقدم القدوة للشعب والمجتمع.. وهذا ما قدمه الإسلام من نماذج مختلفة حول القيم الأخلاقية. لأن القيم الأخلاقية هي التي تبني الأسس التي تقوم عليها الحياة الإنسانية، ولكن بدون هذه القيم لن تقوم للإنسانية قائمة".

وأشاد الأستاذ الدكتور محيط مرت عميد كلية الإلهيات بجامعة الفاتح بتركيز المؤتمر على الجانب الأخلاقي في الأمة الإسلامية، لأنه الجانب الأساس الذي ركز عليه الإسلام في تنشئة الأجيال التي ستبني مستقبل الأمة. ثم أحيلت الكلمة إلى الأستاذ الطاهر حسن أحمد التوم المدير العام السابق لهيئة الخرطوم للصحافة والنشر بالسودان، الذي عبّر فيها أن: "القيم الأخلاقية في الإسلام هي قيم إنسانية بالضرورة، وأن الخطاب الإسلامي هو خطاب عالمي، وشرعته شرعة للتخفيف والرحمة، ولذلك ينبغي على الذين يحملون هذا الخطاب أن يكونوا بمستواه". ثم جاءت الكلمة الختامية لجلسة الافتتاح من الأستاذ الدكتور عدنان أرسلان عميد كلية الاجتماع بجامعة سليمان شاه بإسطنبول، التي أكد فيها أنه لا يمكن أن نسمو ونرتقي بأمتنا إلا إذا عضضنا على قيمنا الأخلاقية بالنواجذ.

المحاضرة الافتتاحية

وفي المحاضرة الافتتاحية المعنونة بـ"مكانة القيم الأخلاقية في الإسلام" للأستاذ الدكتور "سمير بودينار" رئيس مركز الدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية بوجدة في المغرب، أوضح أن آيات القرآن الكريم قد اشتملت على 95% في القيم وأصولها، وأن النسبة الضئيلة الباقية (5%) اشتملت على الأحكام الشرعية مع أهمية الشريعة، وأنْ لا حياة بدون القيم الأخلاقية، حيث عدّ الأخلاق هي المعيار الذي نحكم من خلاله على كل عناصر التدين عند الإنسان المسلم، واعتبر موقعها من الدين هو بمثابة موقع الروح للجسد. كما أشار إلى أن "صدق التوحيد، يتجلى خُلقًا وسلوكًا في حياة الإنسان المسلم، والتواصي بموضوع الأخلاق في كل حال، وتجدد الحديث عنه باستمرار، هو الذي سيعطي للأجيال الجديدة معالم الهداية ويكون لها نبراسًا في حياتها". ثم ختم كلمته بالتنويه إلى المشاكل التي تمزق عالمنا اليوم وهو افتقادنا لهذه القيم الأخلاقية، مضيفًا أن الأمانة هي أساس أخلاق الشأن العام، واستشهد على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا إيمان لمن لا أمانة له".

الجلسة الأولى

"في المدينة المباركة التي حظيت بشرف بداية مدرسة المحبة، وتأصيل وتقعيد بداية مدرسة بناء الأخلاق، وتربية الأمة على المحبة من خلال الأستاذ فتح الله كولن حفظه الله، أرحب بالضيوف، وأهنئ مجلتي حراء ويني أميت على عقدهما هذا المؤتمر الكريم واختيارهما موضوع الأخلاق عنوانًا له".. بهذه المشاعر في مدينة إزمير رحب الأستاذ الدكتور "أحمد البوكيلي" من جامعة ابن طفيل بالمغرب الضيوف، ثم عرّج في ورقته التي عنونها بـ"العفة كقيمة أخلاقية" إلى أن الأصل في الأخلاق هو نور من أنوار الله عز وجل أعطيت للإنسان من أجل التخلق والعروج بها إلى ربه. وصفة الرحمة لا تبقى مرتبطة بالله عز وجل وبالرسول صلى الله عليه وسلم، بل ستبقى حاضرة بين البشر أيضًا، وإن مقام التخلق العقدي من أسمى المقامات في الدين، والأصل في الأخلاق أنها ثمرة إنتاج منظومة القيم". كما جاء في ورقته بشرح المنهج التربوي للعفة من خلال وجهة الأستاذ فتح الله كولن مبيّنًا أن هذا المنهج ينطلق من ثلاثة مرتكزات الأول: التربية العقدية، تربية شمولية للإنسان تجمع بين البعد العقدي والبعد التربوي، أما الثاني: التربية الثقافية أو التنشئة الثقافية على قيم العفة حتى تصبح العفة ثقافة في المجتمع، وذلك من خلال الاعتماد على المؤسسات الثقافية والمؤسسات التربوية، لصناعة جيل مشبع بقيم العفة باعتبارها عنوانًا حضاريًّا للأمة الإسلامية، وأما المرتكز الثالث: تأكيد الأستاذ على نقدية العفة، وهي جزء لا يتجزأ من بناء الأمة الإسلامية باعتبار هذه الأمة هي الأمة الشاهدة على الناس".

وببلاغته المعهودة وبيانه المؤثر، قال الأستاذ الدكتور "فؤاد البنا": "من المعلوم ومن الطبيعي أن تشرق الشمس من الشرق، إلا في حالة تركيا المعاصرة أشرقت شمسها من الغرب من هذه المدينة وهي مدينة إزمير". ثم ركز في ورقته التي عنونها "الأمانة الأخلاقية للعلماء تجاه التحديات الراهنة" على ثلاث قضايا أساسية؛ أولها أن العلماء هم مضغة الأمة، إذا صلحت صلحت الأمة، وإذا فسدت فسدت الأمة، مستشهدًا على ذلك بالقول المأثور: "صنفان من الأمة إذا صلحا صلحت الأمة، وإذا فسدا فسدت الأمة، وهما العلماء والأمراء". وثانيها أهمية الأمانة الأخلاقية عند العلماء، لأن الأمانة قرينة العلم الرباني، والحفظ هو الجانب الأخلاقي.. وثالثها خطورة العلم بدون أمانة علمية، لأنه عندما يتعلم الإنسان العلم بدون أخلاق وبدون أمانة، يتعرض إلى انتقام علمي، ومن بين أمثلة الانتقام العلمي ما يحدث اليوم للعلماء من تفرق فيما بينهم.

الجلسة الثانية

في الجلسة الثانية والأخيرة التي ترأسها الأستاذ الدكتور محمد بابكر العوض من السودان؛ حول "المسؤولية الأخلاقية والقدوة" ذكر الأستاذ الدكتور جمال السفرتي من الأردن، أن "المسلمين في كل مكان يحتاجون لأسوة الرسول صلى الله عليه وسلم ليقتدوا به في تعليم أبنائهم وتربيتهم تربية صالحة. وجعل سبحانه من حكمته أن البشر بحاجة إلى من يسوسهم ويتولى أمرهم ويتدبر شؤونهم". ثم تطرق إلى مفهوم الراعي والرعية قائلاً: "الراعي والرعية يعملان بشكل متكامل مع بعضهما البعض، وإن أي اختلال في هذه العلاقة ستؤدي إلى عواقب وخيمة". وقد أكد في ختام ورقته أن "الأمة الإسلامية تحتاج إلى العالم القدوة والحاكم القدوة، ومن هؤلاء الأستاذ فتح الله كولن" الذي أعتبره مجدد هذا العصر، ثم قدِّمت بعده ورقتان حول "الأخلاق والتعامل مع المال العام" للأستاذ الدكتور عثمان قاشقجي عميد كلية الحقوق في جامعة الفاتح، و"القيم الأخلاقية والإعلام" للأستاذ عبد الحميد بيليجي المدير العام لوكالة جيهان للأنباء التركية.

البيان الختامي

وبعد كلمة الشكر للدكتور أركون جابان، اختتم المؤتمر فعالياته ببيانه الختامي الذي قرأه على الحضور الدكتور عثمان قاشقجي والذي جاء فيه:

• إن الأخلاق هي جوهر الإسلام، والصدق والعفة ومراعاة الحلال والحرام، من مبادئ الإسلام الأساسية، وهذه القيم الأساسية تشكّل شخصيةَ وهوية الأفراد والمجتمعات المسلمة.

• أثبتت التجارب التاريخية، أن الأفراد والمجتمعات التي تَسكت تجاه تدمير القيم الدينية والأخلاقية والمجتمعية، لا مفرّ من تعرّضها للأزمات السوسيواجتماعية وانهيارها.

• إن الإسلام يعتمد في وليّ الأمر العدالةَ والحقوق وسيادة القانون، والأهلية واللياقة، ويطلب منه أن يكون في تصرفاته ملازمًا للأخلاق الحسنة والرفق واحترام الإنسان.

• إن الإسلام يَعتبر الحقوق العامة من حقوق الله، ولذا فإن التطاول على المال العام وإساءة استخدامه، وكسب المال بطرق غير مشروعة من حيث إنها تتعلق بحقوق الجميع، يُعتبر جريمة كبرى وذنبًا أعظم من السرقات التي تمارس على المستوى الفردي.

• ليس هناك سببًا من الأسباب يبيح للشخص أن يرمي غيره بكلمات غير أخلاقية، من نحو الكذب والافتراء والبهتان، وتشويه السمعة والطعن والذم مهما كانت الأسباب والمبررات.

• إن العلماء بحكم أنهم ورثة الأنبياء، يقع على عاتقهم حماية المجتمع من الناحية الأخلاقية والمعنوية، وعليه فإن صمت العلماء تجاه فساد المجتمع من الناحية الأخلاقية وبالٌ عظيم، كما أن إضفاء لون من الشرعية عليه تعتبر كارثة بكل معنى الكلمة.

• إن لكل الأفكار والقناعات المخالفة، حقَّ الحياة والتعبير عن نفسها، بشرط أن يكون ذلك في الإطار القانوني والحقوقي والأخلاقي والديني، وأن لا يمارس صاحبها القوةَ والقسوة والشدة.  

 

(*) كاتب وباحث تركي.

 

الإطلاع : 2234
نور الدين صواش

كاتب وباحث -تركي. 

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة