مركز حراء للدراسات

  • 1
  • 2
  • 3
فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف

فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف

أ.د. سليمان عشراتي - avatar أ.د. سليمان عشراتي - مركز الدراسات

أرسى داعية الإيمان فتح الله كولن أسس الخدمة الدعوية، وفتح آفاقها الحيوية، وأعطاها الطابع النهضوي المناسب لروح العصر، بعد أن خرج من العراك المرير متوّجا بالنصر، حائزا على اعتراف الجماهير،... إقرأ المزيد

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي

د. عبد الإله بن مصباح - avatar د. عبد الإله بن مصباح - مركز الدراسات

من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يستجلي بعلمه كل ما تستبطنه آيات القرآن من دلالات ومعاني إعجازية، كما أنه لا يمكن له أن يستوعب -بالحكمة التي أرادها الله تعالى-... إقرأ المزيد

مشاهد من حديقة الأرض

مشاهد من حديقة الأرض

أديب إبراهيم الدباغ - avatar أديب إبراهيم الدباغ - مركز الدراسات

إذا كان النورسي يرى في "تراب الأرض" عالمًا مَوّاجًا بالحركة، متفجرًا بالإمكانات والقدرات، منطويًا على الكثير من أسرار الخلق والخلقة، فهو يرى كذلك أن الأرض نفسها حديقة إلهيّة شاسعة الأرجاء،... إقرأ المزيد

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي مميز

مركز الدراسات - الإثنين, 08 أيلول/سبتمبر 2014
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يستجلي بعلمه كل ما تستبطنه آيات القرآن من دلالات ومعاني إعجازية، كما أنه لا يمكن له أن يستوعب -بالحكمة التي أرادها الله تعالى- كل ما استجلبه من مشاهداته للكون إلا بما شاء الله -سبحانه وتعالى -. فقد جاء في كتاب الله تعالى: (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)(الإسراء:85)، لكنه بتفكره في جمالية الكون المنظور، وبتدبّره لآيات الكتاب المسطور، يمكن له -كما نستلهمه من فكر أستاذنا الجليل فتح الله كولن- أن يتلمس ذلك الخيط الرفيع الذي يصل الحس الجمالي عند الإنسان بالوصف المثالي الذي جاء به القرآن، وذلك من خلال ما تنطوي عليه آيات الكتاب من توافق باهر بين ما جاءت به إشاراته الإعجازية، وما يكشف عنه الإنسان من حقائق علمية.

فالقرآن الكريم بدعوته الإنسانَ إلى تقويم فكره على درب الاستقامة الكونية، يكون إنما عمل على إحياء سنة التفكر لاستنهاض الفكر فيه وإيقاظ الفطرة في سريرته، لأن الوحي للعقل كالعقل للعين لا يمكن لها أن تبصر بدون العقل، فكذلك العقل لا يمكن له أن يبني فكرًا علميًّا سليمًا ومتوازنًا بدون الرجوع إلى معطيات الوحي. فحتى يدفع بالإنسانَ للترقي في مراتب هذا الكمال العلمي، بنى القرآن فكر الإنسان على أصول المعرفة الثلاثة: الطبيعة باعتبارها الواقع المحسوس، والفكر باعتباره نتاج العقل، والحقيقة باعتبارها المطلق الصادر عن الوحي للتأسيس لمدرسة عنوانها إخراج الإنسان من قيود التوجيه العلمي الاجتماعي إلى حرية الفضاء الفطري. ذلك الفضاء الذي في خلو الإنسان فيه بنفسه تتكلم مواهبه وتنشط تجاربه، فتنتشله من أوحال التقليد لترتقي به في مراتب الإبداع والتجديد. وفي ذلك قال القطب الرباني العارف بالله عبد القادر الجيلاني: "يا غلام إذا صحت خلوتك مع الله - سبحانه وتعالى - دهش سرك وصفا قلبك، يصير نظرك عبرًا، وقلبك ذكرًا، وروحك ومعناك إلى الحق - سبحانه وتعالى - واصلاً. التفكر في الدنيا عقوبة وحجاب، والتفكر في الآخرة علم وحياة للقلب، وما أعطي عبد التفكر إلا أعطي العلم بأحوال الدنيا والآخرة".

ومن هذا المنطلق، نجد أن الحاجة إلى انبعاث نهضة علمية جديدة عند المسلمين أصبحت اليوم ملحة أكثر من أي وقت مضى نظرًا لما بدأت تلوح به هذه التجليات العلمية من آفاق واعدة لمستقبل الأمة. فلا عجب أن يدعو الأستاذ فتح الله كولن -كما وضعنا ذلك في مستهل هذا الباب- إلى بناء الذات على أسسها القويمة، إذ لا تتحقق هذه النهضة إلا إذا التزم كل باحث مسلم بعدم الركون إلى مجانية الاستهلاك العلمي لمنجزات الغير، والرقي بأعماله إلى حقيقة البحث المنبثقة من فهم الواقع، وإدراك الحق فيه وتحصيله على حقيقته. لأن الباحث بركونه إلى استيراد منجزات الغير واعتمادها نماذج جاهزة لصياغة تصوراته الفكرية ومستلزماته التطبيقية، يكون قد استعمل الاستنتاجات التي كان من المفروض أن يصل إليها عن طريق الاستدلال المنبثق من واقع بحثه مكان الوسائل المعتمدة في البرهنة والإثبات. فيكون يذلك إنما عمل على تجميع الأجزاء وتركيبها دون الإحاطة بأسرار صنعها ودقائق نظمها، مما يفوّت عليه فرصة الإحاطة بحقائق الأشياء عبر التدرج في مراحلها، ويخلق في بحثه فجوات أكثر ما تجدها تُملأ بالنماذج المستوردة. وهو أمر لا يستقيم الفكر العلمي به ولا يتقدم، إذ يُقحم العقل شيئًا فشيئًا عالَم الجمود فيصير محكومًا بعدما جعله الله حاكمًا، ويعود تابعًا وهو الذي يجب أن يكون متبوعًا.

الشيء الذي يستوجب اليوم أكثر من أي وقت مضى، نبذ التقليد بعرض كل معروض على محك التجربة المدققة، وإخضاع كل وارد لميزان العقل والنقد البناء. فإذا تجاوز الأمر مستوى الإدراك العقلي للباحث ونكث في قلبه منه نكث، فلا يقبل منه إلا بشهادتي الكتاب والسنة. وليستفت قلبه فإن العقول إذا كانت تتكامل في صناعة العلوم، فإن القلوب تتفاضل في صياغة الفهوم. وما عصم الله عقلاً من التقصير والزلل، ولكن بالتقوى يحصِّن سبحانه القلوب من العلل فلا تقبل من ضرر بعلم ولا خلل.

وهكذا في ضوء هذه الصحوة المباركة التي تلقي بظلالها على الأمة وفي آفاق تجدد المعارف وتجلياتها على الإنسان، يظهر أن الفهم الصحيح للقرآن لم يعد منحصرًا في زاوية ما أتى به النقل فقط، بل نراه اليوم يتجاوزها إلى التوظيف السليم لمدارك العقل. فالعصر الذي نحن فيه، له من المعوقات ما إن تداعياته لتستدعي منا نضجًا فكريًّا فائقًا لقراءة القرآن. وهذا ما نراه -ولله الحمد- يتحقق اليوم بفضل مجهودات علمائنا الأجلاء، والنموذج في شخص معلم هذا الجيل الأستاذ فتح الله كولن الذي بتحديثه المداركَ في فهم القرآن، وبتأصيله لعلاقة التفاعل بين العلم والإيمان، وببحوثه المقاصدية في ترشيد فكر الإنسان، يقدم نماذج راقية لانبعاث روح الاجتهاد والتجديد وتوجيهات نيرة لبناء فكر علمي رشيد.

فيجب ألا نضجر مما يحيكه لنا أعداء الإسلام من إساءات بقصد تشويه الدين والمقدسات، لأن هؤلاء الذين يضمرون العداء للإسلام، من عقلائهم وعلمائهم جاءت هذه الاكتشافات العلمية مبينة حقيقة ما سبق أن أنذر به الوحي. فهؤلاء الذين تعالت أصواتهم مجادلة في نصوص الوحي، ومسيئة إلى الموصول به من رب السماوات والأرض الذي قال في حقه ربه - سبحانه وتعالى -: (وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى)(النجم:3-4) لم يكن مشعل العلوم ليطير إلى أيديهم إلا لتتحقق فيهم تلك الحقائق الشاهدة على نبوءة محمد - صلى الله عليه وسلم -. فتكون شهادة علمية موثقة على تحقق قول الله تعالى: (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)(فصلت:53)، وإلا كيف كان سيظهر عليهم قوله تعالى: (سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا)(النمل:93)، وقوله سبحانه: (وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ)(ص:88) لولم يصبحوا على ما هم عليه من التقدم العلمي والتكنولوجي. مما يظهر أن كل صيحة من علومهم، إنما هي صيحة للدين جاءت مدوية لهم بحيرة جديدة بين ما هم عليه من عناد وطعن في الدين وما تظهره لهم كشوفاتهم وأبحاثهم العلمية من جديد اليقينيات الدالة على صدق كتاب الله -سبحانه وتعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -. وصدق الله العظيم حيث قال: (بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ)(ق:5).

فليعلم أهل الإسلام أن الآفاق العلمية كلها واعدة  للإسلام، وأن ما آلت إليه الأمور في هذا الزمان إنما هو من سنن التسخير التي أقرها الخالق في خلقه مصداقًا لقوله - سبحانه وتعالى -: (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)(الزخرف:32). تلك السنن التي من تمام نعمة الله بها على عباده المؤمنين أن سخر لهم الغير، يقوم عنهم بما كان ينبغي لهم أن يقوموا به هم لأنفسهم، والتي من ألطاف رحمته بهم أن حمّل ذلك الغير، تبعات ما كسبت يداه وعافى الأمة من أوزاره.

ولذا فنحن واثقون من تحقق وعد الله -سبحانه وتعالى - في الآفاق، وكل ما نأمله أن يتم وضع استراتيجيات موحدة تكون من أولى مهماتها العمل على إعادة تفعيل العلاقة بين أهل العلم وأهل الدين على مختلف انتماءاتهم وتوجهاتهم الفكرية والعقدية. وكذلك العمل على تفعيل ثقافة الانفتاح على الآخر، لخلق جو من الشراكة العالمية يرمي إلى الحوار الديني والتفاعل الثقافي. وهذا يتطلب وضع خطط وبرامج نوعية تصاغ على مستوى المؤسسات العلمية والثقافية والأكاديمية تكون في صلب التوجهات التنموية المرتبطة بمسيرة التطور والتحديث.

المصدر كتاب أفاق اليقينيات العلمية من تجيليات رؤى فتح الله كولن الاستشرافية. د.عبد الإله بن مصباح.

الإطلاع : 2573 آخر تعديل على الإثنين, 08 أيلول/سبتمبر 2014 12:32
د. عبد الإله بن مصباح

كلية العلوم، جامعة ابن طفيل -المغرب.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة