السنوات الذهبية، أيام ما قبل المدرسة

تربية -
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

تعرف السنوات بين (0-6) بأنها التعلم الذهبية قبل المدرسة، لأن سبعين بالمائة من المعلومات المؤثرة على تصرفات الفرد تؤخذ في هذه المرحلة، وتترسخ أسس شخصيته فيها.

إن بعض ما يتعلق بالتصرفات تنتقل عن طريق الوراثة وتكون موجودة منذ الولادة، وبالتالي فليس الطفل عجينة سهلة التشكيل والتغيير في يد الوالدين ولا في يد المربين، إلا أن للبيئة الاجتماعية دورا مهما في تشكيل وتطوير شخصية الطفل، ومن خلالها تتعرض المميزات والخواص التي ورثها الطفل للتغير. ومرحلة الطفولة هذه هي مرحلة "تغذية اللاشعور"، لذا فإن التعليم والتوجيه قبل مرحلة الدراسة هي أُولى وأهم مرحلة في الحياة التعليمية.

من يعطي التعليم قبل الانخراط في المدرسة؟

يجب أن تكون من أهداف الدولة القيام بنشر وتوسيع التعليم قبل المرحلة الدراسية، وتقليل الفروق بين المؤسسات التي تعطي هذا النوع من التعليم، ووضع معيار معين في هذا الصدد، وتهيئة برامج تعليمية مقروءة ومرئية ومسموعة. غير أن النشاطات المبذولة في هذا الصدد ليست كافية.

في ثقافتنا وتقاليدنا كان الطفل ينشأ في حجر أمه وجدته وجده ومع القصص التي يسمعها منهم، وكذلك في جو اللعب مع أخيه أو إخوانه أوأطفال الجيران، مقلدا تصرفات الكبار ومتخذا إياهم قدوة له في جميع تصرفاته، وهكذا يكتسب شخصيته. ولكن لم يَعُد هذا الطراز من التعليم والتوجيه ممكنا ومتاحا في الظروف الحالية إلا للقليل من الأطفال. لأن بنية العائلة -ولاسيما في المدن- قد تغيرت، وضعفت العلاقات مع الأقارب والجيران. وأصبحت الأسرة وحدة صغيرة مؤلفة فقط من الأب والأم والطفل. فأصبح الطفل وحيدا لا يجد من يلعب معه، إما لعدم وجود إخوة له، أو بسبب فارق السن. كما انعدمت ساحات اللعب. أما التلفزيون الذي بدأ يَعرض برامج ومناظر جذابة -وقد تكون ضارة- بمجرد الضغط على زر فقد احتل بيوتنا.

ومع أن هذا الأمر يقلق العديد من العوائل، إلا أنها تضطر للرضوخ أمام الأمر الواقع لأنها لا تجد بديلا آخر لتلهية الطفل. فإذا أضفنا إلى هذا عدم مبالاة الوالدين، ونقصَ معلوماتهم حول تربية الطفل، إضافة إلى كونهم مرهقين بالعمل، فليس من الصعب حدس ما يُنفث إلى لا شعور الطفل من أمور. إذن، فمن الذي سيتولى توجيهَ الأطفال وتعليمَهم وإرشادهم في مرحلة ما قبل المدرسة؟ وكم من أمّ تملك المعلومات التربوية الكافية التي تساعدها في تنشئة أطفالها النشأة الصحيحة من الناحية الاجتماعية والذهنية والروحية؟

ففي هذه الظروف السلبية التي ذكرناها من قبل هل تقوم الأم بهذه المهمة إن لم تكن عاملة أو موظفة؟ أم تقوم بها إحدى ربات البيوت إن كانت الأم عاملة؟ أم يجب إيداع هذه المهمة إلى حضانة الأطفال؟ وما هي التطبيقات الجارية في هذا الخصوص في العالم؟ وما هو التطبيق الحالي لهذا الأمر في بلادنا؟ وأي نتائج تم الحصول عليها من هذه التطبيقات المختلفة؟ إن الأجوبة التي سنحصل عليها عن هذه الأسئلة وما شابهها ستقودنا -على الأرجح- إلى فهم جديد وتناول جديد في هذا الصدد.

البيئة الاجتماعية والطفل

من الحقائق المعروفة أن أعدادا كبيرة من الأطفال في العالم ينشؤون في بيئة لا تساعدهم على تطوير وتنمية قابلياتهم. صحيح أنه لا يمكن عمل شيء يُذكر في صدد تغيير العوامل الجينية المؤثرة سلبا على الطفل، ولكن يمكن تصحيح وتعديل مؤثرات البيئة السلبية بمقياس كبير. والحقيقة أن الأفراد يملكون قابليات أكثر مما يستطيعون تقديمها وتحقيقها حاليا. ويمكن تطوير القابليات بمساعدة ومعونة البيئة المحيطة بالفرد. وفي هذا الصدد تكتسب التربية والخدمات المقدمة للطفل قبل دخوله المدرسة أهمية كبيرة.

التطبيقات الموجودة في العالم

وفي السنوات الأخيرة زادت العناية -ولاسيما في الغرب-بالنظريات وبالتطبيقات المختلفة لهذا الموضوع وبتطوير البرامج حولها، وبدؤوا يستعملون مصطلح "العناية والتعليم المبكر للطفل" في وصف هذه الخدمات المقدمة للطفل. وهذه الخدمات متنوعة؛ فبعضها تركز على الناحية الصحية، وبعضها على التغذية، وبعضها على الناحية التربوية والتعليمية المبكرة. كما توجد هناك برامج تقوم بتقديم خدمتين أو ثلاث خدمات معا. وتطلق أسماء مختلفة على هذه البرامج؛ منها: "نهضة المجتمع" أو "التربية والتعليم المساند المقدم للأبوين"، أو "رعاية الطفل وتعليمه المبكر" أو "البرامج الموضوعة للمؤسسات التي تقدم تعليما مبكرا للطفل قبل مرحلة الدراسة في المدرسة".

البرامج الموضوعة في هذه المؤسسات المركزية تقدم خدماتها للأطفال في إطار مؤسسة. ونظراً لقيام هذه المؤسسات بدفع رواتب عالية للمربين المحترفين، وتوفير ألعاب غالية للأطفال وبرامج مكْلِفة ودفع مصاريف كبيرة لإيجار البناء وتدفئته وللضرائب ولغيرها من المصاريف الأساسية، فإن أجور هذه المؤسسات تكون عالية بحيث لا تستطيع العوائل الفقيرة الاستفادة من خدماتها. وفي الدول الضعيفة اقتصاديا يكون عدد مثل هذه المؤسسات قليلا، وهي تقدم خدماتها إلى العوائل التي تكون إيراداتها عالية أو أكثر من المتوسط، وتُحرَم منها الطبقة التي من المفروض أن تقدم لها هذه الخدمات أوّلا. وبعض هذه المؤسسات تقتصر على تقديم خدمات محددة فقط، كالعناية بأطفال العاملين في مؤسسات معينة.

دور الدولة في تطوير التعليم المبكر

ولكي تنتشر خدمات التربية والتعليم للأطفال قبل سن المدرسة يجب على الدولة ألا تعد هذه المؤسسات مؤسسات تجارية، فلا تأخذَ منها الضرائب، بل ربما عليها مساعدتها ماليا، لكي تستطيع هذه المؤسسات -التي تضطلع بأداء وظيفة مهمة جداً- تقديم خدماتها بأسعار منخفضة وللطبقات الفقيرة ذات الدخول المحدودة. وفي السنوات الأخيرة بدأت بعض المدارس الابتدائية بفتح مدارس حضانة في سن السادسة داخل المدرسة، وعادةً ما تكون أجور خدماتها أرخص من تلك المؤسسات الخاصة. ولكن هذه المدارس عندما أهملت الأطفال في سن 3-5 تكون قد أبقت هذه المشكلة دون حل. كما أن وجود أطفال بعمر ست سنوات تحت نفس السقف مع صبيان بعمر 13-14 سنة وتَلَقِّي التعليم نفسه واشتراكهم معهم في ساحة اللعب نفسها أو الحديقة نفسها لا يكون شيئاً صحيحاً.

إن نسبة الاستفادة من برامج الرعاية والتعليم المبكر في تركيا اعتبارا من سنة 2000م حتى الآن هي 9.8% فقط. بينما تبلغ هذه النسبة في أوروبا 67.8% وفي الولايات المتحدة الأمريكية 62.7%، وفي الدول النامية 20% تقريباً.

ويجب أن تكون من أهداف الدولة القيام بنشر وتوسيع التعليم قبل المرحلة الدراسية، وتقليل الفروق بين المؤسسات التي تعطي هذا النوع من التعليم، ووضع معيار معين في هذا الصدد، وتهيئة برامج تعليمية مقروءة ومرئية ومسموعة. غير أن النشاطات المبذولة في هذا الصدد ليست كافية.

من جهة أخرى بدأت بعض دور النشر وبعض الشركات بتهيئة منشورات وأفلام وبرامج حول التعليم قبل المرحلة الدراسية. والآن توجد في الأسواق حكايات مشوقة للأطفال حول البطولات والتضحيات والحب دون مقابل، وحول الاستقامة وحب الطبيعة وحب الله ورسوله. ومع أن أعداد هذه الكتب ليست كبيرة إلا أنها موجودة وأعدادها ومستوياتها في ارتفاع مستمر. وتقوم القصص المصورة وبرامج الأقراص المدمجة المقروءة والمرئية بلعب دور إيجابي في تطوير الناحية الاجتماعية والذهنية للطفل، إلا أن على الأبوين القيام بمعاونة الأطفال في استعمال هذه البرامج. فالأطفال يقومون بطرح أسئلة عديدة وهم يشاهدون هذه البرامج أو يقرؤون هذه القصص، وعليهما الإجابة على هذه الأسئلة بشكل صحيح ودون ضجر أو ملل. فهذه الأجوبة ستطور ذهن الطفل وفكره وروحه. فإن لم يخصصا وقتا خاصا للطفل، لم يستطع الاستفادةَ الكاملة منها. ولكن المؤسسات المختصة بتربية الطفل تستطيع الاستفادة من هذه البرامج بشكل أفضل ضمن خطة معينة تُعِين الطفل على الاستفادة الكاملة منها.

نتائج التعليم قبل المرحلة الدراسية

إن وضع معايير معينة لتقييم نتائج التعليم قبل المرحلة الدراسية يعد مشكلة مهمة. ومع هذا فقد استعملت معايير عديدة في هذا الصدد؛ منها مدى نجاح الطفل في المرحلة الدراسية فيما بعد، وكذلك مدى نجاحه في الحصول على عمل أو مدى بعده عن ارتكاب المخالفات القانونية. فقد أجريت مثلاً في الولايات المتحدة الأمريكية تجارب على آلاف الأطفال الذين مروا من مثل هذه البرامج. وأثبتت هذه التجارب أن الأطفال الذين تلقوا هذا التعليم واشتركوا في هذه البرامج، كانوا أسرع تكيفا مع المدرسة وأكثر نجاحا في المرحلة الأخيرة للدراسة الثانوية. بالإضافة إلى أن تكيفهم الاجتماعي كان أفضل، ونسبة حصولهم على العمل بعد التخرج أكبر، ونسبة اقترافهم الجرائم أقل. كما أن دوافع الحصول على نجاح أكبر وعلى وظائف رفيعة في مهنهم أكسبتهم شخصية مستقرة وأكثر إيجابية، أي حصلوا على مكاسب نفسية أيضا. وقد تم عزو كل هذه النتائج الإيجابية إلى آثار هذه البرامج في تطوير قابلياتهم في التعلم وإلى عوامل عديدة أخرى، مثل عوامل المعلم والعائلة والبيئة والتفاعلات المتقابلة لهذه العوامل. ولوحظ أن الأطفال الذين تلقوا هذه البرامج التعليمية المساندة قبل المرحلة الدراسية تطورت لديهم منذ البداية، الرغبةُ في التعلم، ونمت قابلياتهم في هذا الصدد بسرعة، إلى جانب زيادة اقترابهم من معلميهم، وقيامهم بأداء واجباتهم المنـزلية برغبة ودقة أكبر. كما نمت عندهم القابلية للعمل الاجتماعي.

إننا لا نملك معلومات ولا تقييمات حول مدى تأثير هذه البرامج التعليمية قبل المرحلة الدراسية على توجيهِ وتشكيلِ المشاعر الإنسانية والمعنوية لدى الطفل كالاستقامة والتضحية وحب الخير وحب المساعدة والوفاء. ولكن هناك اعتقاد سائد بأن هذه المرحلة القصيرة هي أكثر المراحل قابلية، على التأثير وعلى تشكيل شخصية الطفل.

وفي السويد -التي تعد من أفضل الدول التي تعطي للأطفال هذا التعليم المبكر وفي أرقى مستوى- ظهر أنه كلما قُدمت خدمات هذا التعليم بشكل مبكر للأطفال، كانت النتائج إيجابية، وإيجابيةُ النتائج تتناسب طرديا مع مدى جودة مستوى المؤسسة التي تقوم بهذه الخدمة.

التعليم المبكر وآثاره الاجتماعية

لكل مجتمع غايةٌ مختلفة في تنشئة الأطفال؛ فاليهود -مثلا- لكي يديموا وجودهم في مجتمعاتهم وفي العالم، اهتموا بتنمية مواهب الاقتحام -ولاسيما في عالم التجارة والمشاريع- واللينِ وتحقيق التفوق في العلاقات الإنسانية، لذا يسعون إلى تنشئة أطفالهم بهذه المواصفات. أما الذين يعيشون في القرى والأرياف فيحاولون تنشئة أطفالهم بحيث يتكيفون بسرعة مع الظروف الطبيعية. أما الأقوام المحاربة فترى في خصال الشجاعة والتضحية والارتباط بالوطن أهم الخصائص والقيم التي يجب أن ينشأ عليها الأطفال.

أما في تركيا فإن أهم الأولويات الخلقية الاجتماعية التي تهتم بها العائلات في تربية الأطفال هي إطاعة الوالدين والاتزان والوقار وإظهار المحبة للآخرين وسهولة التفاهم معهم. وبعد هذه الصفات وبجانبها تهتم العائلات بأوصاف أخرى كتنمية القابلية الفكرية والذهنية، والارتباط بالقيم الخلقية الوطنية والثقافية، وحرية التفكير وسهولة التعبير عن الرأي والشعور بالمسؤولية.

لكي يطور الطفل ثقته بنفسه ويتعود على المبادرة والتصرف بشكل مستقل، على أقرب محيط اجتماعي إليه -ولاسيما أمه- مساندته ومساعدته في هذا الأمر. فإن كان الطفل يتلقى التعليم في مؤسسة تعطي التعليم المبكر، يجب إعطاء هذه المساندة والمعاونة للطفل من قِبَل هذه المؤسسة بالتعاون مع عائلته.

وهناك عائلات تهتم في مرحلة ما قبل المدرسة بتطوير الناحية التعليمية في الطفل، كسرعة تعلمه الأعداد وتمييزه للألوان، وسرعة تعلمه لبعض المصطلحات والأسماء. والحقيقة أن هذا مجرد جزء من التوجه الإنساني عند الفرد. بينما يجب تناول قضية تربية الطفل وتعليمه بشكل كلي وشامل. إن الاقتصار على إعطاء الأهمية لتنمية ذكاء الطفل سيؤدي إلى تناسي الآثار الإيجابية للأمور الضرورية الأخرى؛ مثلا إن نقص ثقة الطفل بنفسه قد يفتح الطريق إلى نقص في الدوافع للتقدم في الناحية الثقافية، مما يؤدي في المطاف الأخير إلى تقليل درجة الذكاء وإلى هبوط في النجاح المدرسي وإلى فشل في مستقبل حياته. لذا يجب ألا يُجبر الطفل في هذا السن على حفظ أشياء معينة، وألا يوضع في مقارنة أو مباراة مع غيره.

تطوير الثقة بالنفس لدى الطفل

لكي يطور الطفل ثقته بنفسه ويتعود على المبادرة والتصرف بشكل مستقل، على أقرب محيط اجتماعي إليه -ولاسيما أمه- مساندته ومساعدته في هذا الأمر. فإن كان الطفل يتلقى التعليم في مؤسسة تعطي التعليم المبكر، يجب إعطاء هذه المساندة والمعاونة للطفل من قِبَل هذه المؤسسة بالتعاون مع عائلته. فإن لم يكن في استطاعته الاستفادة من مثل هذه المؤسسة التعليمية، فيمكن إعطاء الأمهات البرامج التعليمية المبكرة لأطفالهن. ولكن لا يوجد في بلادنا مثل هذا التطبيق. أما المتوفر حاليا فهو اشتراك الأمهات في الندوات والاستماع إلى محاضرات تتناول هذا الأمر، أو مشاهدة البرامج التلفزيونية أو الاستماع إلى برامج في الإذاعة تتناول هذه الناحية، وتعطى -بمقياس معين- الإرشادات للأمهات حول كيفية التصرف مع أطفالهن. ولكن لا يمكن عد هذا الأمر برنامجا من برامج التعليم.

بعد أن يبلغ الطفل السنة الثالثة من عمره يشعر بحاجة إلى تجربة أشياء جديدة. لذا يحتاج إلى اللعب مع أطفال في سنه أو أكبر من سنه. فعندما يبلغ الطفل هذا العمر، يكون الأساس البيولوجي له قد تكامل عنده للّعب مع أقرانه وتحمّل خيبة الأمل عندما يردّه أحدهم أو يرفض اللعب معه. كما أنه يصل في هذه المرحلة العمرية إلى تحمل الأثر النفسي عند البعد عن منـزله لفترة. وفي المؤسسات التعليمية التي تنظم كل شيء حسب حاجة الأطفال يجد بسهولة من يلعب معه، لأن المؤسسة تيسر وتنظم هذا الأمر. وفي أثناء اللعب مع أقرانه يستطيع أن يقيس مقدرته وما يستطيع فعله وإنجازه، ويكتسب عادةَ البقاءِ لمدة طويلة مع غيره والانشغال معهم في اللعب. وعندما يلعب مع غيره سيدرك أهمية قواعد اللعب، ويشعر بمدى ضرورة التعاون والتساند مع الآخرين. وعندما يرى أنه لا يستطيع في كل مرة أخْذ اللعبة التي تبدو جذابة له، يتعلم الصبر والتحمل. وعندما يقوم بصيانة حقوقه يتعلم ضرورة صيانة حقوق الآخرين ويتعلم مبدأ المشاركة. كما يتعلم من مراقبة أصدقائه، كيف يأكل وحده وكيف ينجز عمله بنفسه، ويكتسب هذه العادات. وهكذا ينجح الطفل في التصرف بشكل مستقل وهو في بيئة لها قواعد اجتماعية، وتزداد قابليته في التعبير عن نفسه، ويثرى مخزونه من الكلمات.

وتنجح هذه المؤسسات التعليمية في جعل الأطفال الخجولين أطفالا واثقين من أنفسهم وفعالين. ومن جهة أخرى يتحول الأطفال المدللون كثيرا والوقحون، إلى أطفال أقل أنانية وأكثر رغبة في المشاركة، أي أكثر اجتماعيا.

النتيجة

تقوم الأمهات العاملات بإيداع أطفالهن في ساعات عملهن إلى آخرين للعناية بهم. والمهم هنا ليس رعايتهم فقط، بل تعليمهم وتربيتهم. لذا فإنه بدلا من إيداع الطفل عند عائلة، يكون من الأفضل -من ناحية تطوير قابلياته من جميع النواحي- إيداعه في مؤسسة تعليمية ذات مستوى جيد يمكن الوثوق بها. وحتى الأمهات غير العاملات في حاجة إلى مثل هذه المؤسسات. وليس من الصحيح قيام المجتمع بتأنيب هذه الأم على أساس أنها لا تستطيع العناية بطفل واحد، وأنها لا تشعر بالمسؤولية تجاهه ولا تقوم بنفسها بتربيته وتعليمه بل تدع هذا الأمر إلى مؤسسة. مثل هذا اللوم غير صحيح ولا معنى له. لأن الطفل عندما يلعب مع أقرانه ضمن نظام معين وضمن حرية بمقياس معين وضمن حب، تتطور قابلياته. والمهم هنا ليس البقاء بجانب الطفل طوال اليوم، بل حصر الاهتمام والعناية به ولو لمدة عشرين دقيقة، وإظهار الحب له وتلبية حاجاته. ومثل هذه المدة الزمنية -التي يجب تخصيصها له لإبداء وإظهار شوقك ومحبتك له- متوفرة لديك دون شك.

________________

(*) الترجمة عن التركية: أورخان محمد علي.

الإطلاع : 5272
أ.د. هارون أوجي

كاتب وباحث -تركي.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة