مركز حراء للدراسات

  • 1
  • 2
  • 3
فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف

فتح الله كولن وفلسفة البناء بلا عنف

أ.د. سليمان عشراتي - avatar أ.د. سليمان عشراتي - مركز الدراسات

أرسى داعية الإيمان فتح الله كولن أسس الخدمة الدعوية، وفتح آفاقها الحيوية، وأعطاها الطابع النهضوي المناسب لروح العصر، بعد أن خرج من العراك المرير متوّجا بالنصر، حائزا على اعتراف الجماهير،... إقرأ المزيد

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي

القرآن والآفاق الواعدة للبحث العلمي

د. عبد الإله بن مصباح - avatar د. عبد الإله بن مصباح - مركز الدراسات

من المعلوم أن الإنسان لا يستطيع أن يستجلي بعلمه كل ما تستبطنه آيات القرآن من دلالات ومعاني إعجازية، كما أنه لا يمكن له أن يستوعب -بالحكمة التي أرادها الله تعالى-... إقرأ المزيد

مشاهد من حديقة الأرض

مشاهد من حديقة الأرض

أديب إبراهيم الدباغ - avatar أديب إبراهيم الدباغ - مركز الدراسات

إذا كان النورسي يرى في "تراب الأرض" عالمًا مَوّاجًا بالحركة، متفجرًا بالإمكانات والقدرات، منطويًا على الكثير من أسرار الخلق والخلقة، فهو يرى كذلك أن الأرض نفسها حديقة إلهيّة شاسعة الأرجاء،... إقرأ المزيد

التغرُّب والرحلة لخدمة الخلق

مركز الدراسات - الإثنين, 01 أيلول/سبتمبر 2014
  • حجم الخط تصغير حجم الخط تصغير حجم الخط زيادة حجم الخط زيادة حجم الخط
  • طباعة
  • البريد الإلكتروني
  • كٌن أول من يعلق!

من المعلوم أن خليل الله إبراهيم -عليه السلام- عندما عجز عن تعبيد الناس للحق وخدمة الخلق في بلاد الرافدين، أطلق صيحته المدوية، كما سجّلها القرآن الكريم بأحرف من نور: (إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ)(الصافّات:99)، هذا الذهاب هو الهجرة في سبيل الله إلى بلاد الشام وجزيرة العرب، وهو ما عبَّرت عنه الآية القرآنية التي تقول: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)(العَنْكَبوت:26).

وعند هجرة رسول الله إبراهيم -عليه السلام- من بلاد الرافدين لا شك أنه شعر بعلقم الفراق وقساوة الحرمان، وفي الشام بدأ دعوته من جديد دون أن يكون له أي نصير، ولذلك وصفه الله بأنه أمة، قال تعالى: (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ)(النَّحْل:120).

إن فتح الله كُولَن صاحب فكر عالمي ينافس العولمة الغربية التي تقوم على الأثرة والجباية والاستغلال، وعلى الإكراه والقسْر والإلحاق، تحت شعارات برّاقة مخاتلة.

وبسبب هذا الفكر الثاقب الذي أحسن قراءة الإسلام وأجاد تمثله، ولمعرفته بتشابك العالم، وحاجة الناس إلى كثير من الكنوز التي يمتلكها الإسلام في عصر الجدب القيمي والإدقاع الروحي، فإن كُولَن شديد الحرص على إيجاد ما يسمّيه بالتوازن العالمي، حتى وهو يقرأ قصة الملك الصالح -ذي القرنين- في سورة الكهف.

وبسبب ما يعانيه البشر من ويلات وخاصة المسلمين، فقد استشعر كولن المسؤولية، وأعد تلاميذه الإبراهيميّين للمساهمة في بلْسَمة الجروح، ورَتْق الفتوق، وجَبْر الكسور، وتربية العقول، وإصلاح مناهج التفكير، وإصلاح ذات البين، وإغاثة الملهوفين، ومساعدة المحتاجين، وإيواء المشردين، ومداواة المكلومين.

لهذا كله هاجرت كتائب الخدمة من تركيا إلى أكثر أصقاع العالم، يحدوها الأمل في أن تساهم في الإجابة عن أسئلة الحيارى، وفي البحث عن مخارج للمآزق الاجتماعية المختلفة، وفي تبديد الظلمات الحالكات بمصابيح الهدى وقناديل الإيمان.

ورغم تغرب أبناء الخدمة عن بلدهم الجميل في مجاهل آسيا وأدغال إفريقيا، وفي صقائع أوربا ومفاتن أمريكا، إلا أنهم لا يشعرون بالغربة. فقد علَّمهم أستاذهم أن الغريب ليس الذي ابتعد عن وطنه وبيته وأصدقائه وأحبّائه، بل هو الذي لا يفهم الناسُ مَبادءَه العالية وتضحياته الغالية، والذي يقع كثيرًا في تناقض مع قوانين مجتمعه؛ بسبب همّته العالية، فيتعرض للأذى واللوم والاستنكار.

وقد قرر كُولَن بهذا الصدد أن "من كانت هِمَّتُه أُمَّتَه فهو لوحده أُمّة". ولذلك لم يجد عشرات الآلاف من ورود تركيا غضاضةً في الانتقال إلى بلدان مليئة بلأعاصير وبالأشواك من مختلف الأصناف، وأقل هذه الأشواك مكابدة الأشواق.

الجدير بالذكر أن تيّار الخدمة يعمل في الولايات المتحدة في إطار أنشطة مدنية عديدة لخدمة الأتراك خصوصًا والمسلمين عمومًا، وبعضها لخدمة الأمريكان أنفسهم. ومنها قنوات فضائية ومدارس ومراكز بحث وجمعيات إغاثة ومؤسسات حوار، وتكفي الإشارة إلى وجود أكثر من ثلانين مدرسة في ولاية تكساس وحدها، كما ذكرت د. باكينام الشرقاوي في محاضرة لها في إحدى الورش الفكرية عن فتح الله كولن في مدينة إسطنبول (في شعبان 1432هـ).

وتمثل هذه الخدمة انعكاسًا أمينًا لفكر كولن الإسلامي الأصيل، فهو ينظر إلى الغرب كشريك لا كنقيض، ويرى أنه دار خدمة وليس دار حرب أو كفر، مؤكدًا أن رؤيته هذه مأخوذة من صميم الإسلام الذي وصفه أنه مفتوح ومناهض للانغلاق.

ولكن ما هي أهم الخدمات التي يقدمها مهاجرو الخدمة إلى الناس في أصقاع العالم التي هاجروا إليها؟

هي خدمات كثيرة ومتنوعة، يمكن اختصار أهمها على النحو الآتي:

1- الخدمات التعليمية

سبقت الإشارة إلى التعليم، وكيف أن مدارس الخدمة وجدت محاضن دافئة لها في مائة وستّين دولة في العالم، حيث وصلت في عام 2011م إلى حوالي ألفي مدرسة، وخاصة في وسط آسيا ومنطقة البلقان ثم أوربا عمومًا.

وبدأ الأمر ينتقل إلى الجامعات التي بدأت بالظهور في بعض البلدان، كألبانيا وأسيا الوسطى، فضلاً عن تقديم جامعات الخدمة في تركيا لمئات المنح سنويًّا لطلاّب من شتّى بلدان العالم.

وبفضل النماذج الراقية التي قدّمتها مدارس الخدمة، وبفضل الروائح الزكية والسمعة الطيبة التي حققتها في تلك البلدان، فقد ظهر منافسون جدد في تركيا على هذا المشروع، حيث أصبح افتتاح المدارس التركية خارج تركيا مشروعًا وطنيًّا يتسابق عليه كبار رجال الأعمال وشركات مشهورة، من كافة الاتجاهات.

ووصل الحماس بمموّلي مشاريع الخدمة إلى الهجرة لبلدان بعيدة؛ لمباشرة مشاريعهم بأنفسهم ومتابعتها عن كثب، كما فعل أحدُهم عندما سافر إلى جنوب إفريقيا بهذا الشأن، بعد أن قدّم خدمات جليلة للتعليم في تركيا، وافتتح هذه الخدمات بواحدة من أروع مدارس الخدمة في إسطنبول وتقع في تلة "تشاملجا" المطلّة على ضفاف البسفور الساحر.

2- الخدمات الإعلامية

بجانب إعلام الخدمة المنغرس في تركيا، والذي استطاع بعضه أن يعبر القارات، كالقنوات الفضائيّة والمواقع الإلكترونية، وصحيفة "زمان"، هناك وسائل إعلام ظهرت في تلك البلدان، كقنوات "أَبْرُو" في الولايات المتحدة الأمريكية، وقناة "دُنْيا" باللغة الكردية، وقناة أخرى في شرق إفريقيا وبالتحديد في كينيا، بجانب قنوات أخرى يتم الإعداد لها بلغات عدّة ومنها اللغة العربية.

وهناك صحف ومجلات تصدر بعدد من اللغات في بلدان المهجر أو تصدر في تركيا بغير اللغة التركية وتوزع في بلدانها، كمجلة "حراء" الصادرة باللغة العربية في إسطنبول، وهي المجلة التي انتصبت جسرًا معلّقًا بين تركيا والوطن العربي.

وتوجد مجلاّت بعدد من اللغات الأخرى، أهمّها الإنجليزية والروسية والألمانية والفرنسية وغيرها.

3- الخدمات الثقافية

يمتلك أبناء الخدمة مؤسّسات وأقسامًا للترجمة والتأليف والنشر والتوزيع للكتب باثنتين وأربعين لغة حيّة، ومازال يحثّهم كُولَن على المزيد، حيث قال لهم: "لا تكبحوا على الفرامل، فهناك لغات عالمية كثيرة بحاجة إليكم"؛ ولهذا فإنهم يطمحون بالوصول إلى مائة لغة.

وقد ترجمت وصدرت بالفعل مئات الكتب بعشرات اللغات الحية، ومنها أكثر من خمسين كتابًا بالإسبانية. أما كتب "فتح الله كولن" و"بديع الزمان النورسي" وبعض الكتب التراثية فقد تُرجمت إلى عشرات اللغات.

وقد حرص أبناء الخدمة على توسيع مساحات الوعي في أوساط المسلمين في الغرب، وعلى سبيل المثال عندما جاؤوا إلى بريطانيا وجدوا الجاليات المسلمة تتسابق فقط على بناء المساجد حتى زاد عددها عن ألف وخمسمائة مسجد، مما يعني أنه صار لكل ألف وخمسمائة مسلم مسجد، غير أن أبناء الخدمة لفتوا أنظار المسلمين إلى أهمّية المدارس، وبدؤوا ببنائها وتشغيلها، وأسهموا بفاعلية في توفير المفاهيم الإسلامية الصحيحة التي تخلّصهم من الغثائية، وتجعلهم فاعلين كما أراد لهم الإسلام، لا التقاليد المغلوطة والتدين المغشوش.

4- الخدمات الاقتصادية

مثَّلت المدارس بداية عالمية الخدمة، وقد أطلق عليها كُولَن "جُزُر السلام"، وأطلق عليها تلاميذه النوابغ: "جسور التّجارة"؛ لأنها ساهمت بقوة في الترويج للتجارة بين تركيا والبلدان التي وُجدت فيها هذه المدارس.

وبعد سنوات من هذه الخدمات والأنشطة التجارية المصاحبة لها أو المتسببة بها، ظهر رجال أعمال كثيرون ينتمون إلى الخدمة أو يحبّونها، وقد اجتمع هؤلاء وكوّنوا أكبر جمعية رجال أعمال في تركيا وتضم حوالي خمسين ألفًا من رجال الأعمال، وتسمى بالتركية "تُوسْكُون"، وهي تقدّم خدمات اقتصادية جليلة لتركيا وشركائها، بجانب اشتراكها في أنشطة الخدمة التعليمية والخدمية الأخرى.

5- الخدمات الإغاثية

تتبع تيار الخدمة إحدى أكبر المؤسسات الإغاثية في تركيا، وهي مؤسسة "هل مِن مُغيث؟ّ"، وقد خرجت من إطار المحلّية إلى العالمية قبل سنوات، وصارت بصماتها الإيجابية واضحة في كثير من الكوارث الطبيعية والحروب الأهلية.

وبدأت الخدمة العابرة للحدود والقارات بعد سقوط الاتّحاد السوفييتي عام 1990م، حيث بدأت الجمهوريات الإسلامية بالتحرر من القبضة الحديدية للشيوعيين، واتضح أن أبناءها يعانون من مشاكل جمة، مما دفع بـ"كُولَن" إلى إصدار صرخة وقيادة حملة لإغاثة "أخوّة الدم والدين"، وأفتى المَيْسُورين بأن إنفاق المال لإغاثة المحتاجين هناك أولى من تكرار الحج والعمرة؛ فاتجهت قوافل من الحجاج والمعتمرين إلى هناك لإغاثة الملهوفين ومساعدة المحتاجين.

وحضرت هذه الجمعية العالمية في إغاثة المسلمين في بلدان كثيرة، كالسودان، وإندونيسيا، وأفغانستان، وقرغيزستان، وأوزبكستان، وغيرها، إضافة إلى إغاثتها لغير المسلمين، كما في زلزال اليابان وعواصف الفيليبين.

وهكذا، فإن أبناء الخدمة مقابل تضحياتهم واغترابهم عن بلدانهم، استفادوا من خبرات ومعارف كثيرة، واستفادوا من إيجابيات الآخرين دامجين إيّاها في مشروعهم الحضاري، كما فعلوا مع الغرب، حيث استفادوا منه الكثير، ومما يبدو لي أنهم استفادوه من الأمريكيين فكرة صغيرة، لكن آثارها على المدى البعيد ستصبح كبيرة، وهي فكرة "الزائر الدولي" التي تتولى الولايات المتحدة الأمريكية تنظيمها سنويًّا للآلاف حول العالم إلى أمريكا على حسابها الخاص، من أجل التعريف بثقافتها ومنجزاتها، وهذا ما أصبحت تفعله كثير من مؤسسات الخدمة التي تستضيف سنويًّا الآلاف من شتّى بقاع العالم، حيث تقوم بتعريفهم بمنجزات الخدمة ومؤسساتها، فيعودون منبهرين، ويعود بعضهم متعاطفين مع المشروع.

المصدر: كتاب عبقرية فتح الله كولن بين قوارب الحكمة وشواطئ الخدمة د. فؤاد البنا.

الإطلاع : 1328 آخر تعديل على الإثنين, 01 أيلول/سبتمبر 2014 11:38
د. فؤاد البنا

 أستاذ الفكر الإسلامي السياسي بجامعة تعز -اليمن.

رأيك في الموضوع

تأكد من ادخال المعلومات في المناطق المشار إليها ب(*) . علامات HTML غير مسموحة